دعك من الذكاء الاصطناعي التوليدي، فما يجري في مختبرات كيمياء ذاتية القيادة جديدة لا تمسها الأيدي وتعمل بإشراف الذكاء الاصطناعي وآليات مؤتمتة ذاتية بالكامل، يفوق الخيال، ففي اليابان أطلقت شركة بريفيرد كومبيوتيشنال كيمستري، بالشراكة مع إينوس، مؤخرًا نظام ماتلانتس الذي يُساعد على إيجاد مواد ومحفزات جديدة للبطاريات بشكل أسرع. تُظهر شركة بريفيرد نيتوورك كيف تُربط شركات الذكاء الاصطناعي اليابانية بين النظرية والتطبيق، وتُحرز تقدمًا في مجالات مثل تخزين الطاقة وتشخيصات الرعاية الصحية من خلال نظام المُحاكاة المُدعّم بالذكاء الاصطناعي لديها. وفي مختبرات يابانية وأمريكية تقوم خوارزميات التعلم الآلي بتحليل مليارات التركيبات الجزيئية في ساعات معدودة، وهو ما كان يحتاج إلى سنوات طويلة وتجارب مضنية في السابق. بل تقوم هذه المختبرات ذاتية التشغيل بالتواصل مع مختبرات عالمية للمشاركة في النتائج وهي تتراوح بين مركّبات دوائية جديدة جرى تصميمها أو واكتشافات لمواد بخصائص غير مسبوقة مثل موصلية عالية للكهرباء أو صلابة تفوق المعادن التقليدية، إضافة إلى تسريع عمليات المحاكاة والتنبؤ بنتائج التفاعلات الكيميائية بدقة مذهلة، لتكون النتائج مذهلة وتشمل توفير أعلى كفاءة لتوليد الطاقة الشمسية على سبيل المثال. وتستخدم هذه المختبرات في تطبيقات تشمل تخفيض التكاليف وتقليص حجم التجارب المخبرية الخطرة، إذ يتولى “العقل الخوارزمي” مهمة التنبؤ بالمخاطر وتصميم طرق أكثر أماناً للتحضير.
ويؤكد خبراء أن هذه الطفرة قد تغيّر مستقبل الصناعات الدوائية والبتروكيميائية والطاقة والبيئة، لأنها تفتح الباب أمام ابتكارات أسرع وأكثر استدامة. وهكذا، يمكن القول إن الذكاء الاصطناعي بالفعل يُعيد تشكيل علم الكيمياء من الداخل، ليحوّل المختبر التقليدي إلى مختبر “ذكي” يقوده العلم والبيانات معاً.
المختبرات التي يسيّرها الذكاء الاصطناعي تبشر باقتراب ثورة في عالم الاكتشاف العلمي مع التقدم الهائل في مجال التكنولوجيا، لكنّ الثورة الحقيقية التي قد تُعيد صياغة مستقبل البحث العلمي تكمن في مكانٍ آخر، ففي مختبرات الذكاء الاصطناعي لم تعد هذه مجرد أماكن تستخدم فيها خوارزميات الذكاء الاصطناعي لتحليل البيانات، بل أصبحت أنظمة متكاملة تُدمج فيها هذه التكنولوجيا في كل خطوة من خطوات المنهج العلمي، بدءًا من وضع الفرضيات ووصولًا إلى تنفيذ التجارب. هذا الاندماج العميق يمهّد الطريق لعصر جديد من الاكتشافات العلمية، أسرع وأكثر كفاءة من أي وقت مضى.
تسريع وتيرة الاكتشاف
تُعدّ عملية البحث العلمي التقليدي مسيرة طويلة وبطيئة، تبدأ من الفكرة ثم التجربة فالتحليل، وقد تستغرق سنواتٍ أو حتى عقودًا. لكنّ مختبرات الذكاء الاصطناعي تختصر هذا الزمن بشكلٍ دراماتيكي. فبدلاً من الاعتماد على الحدس البشري في صياغة الفرضيات، تستطيع نماذج الذكاء الاصطناعي تحليل كميات هائلة من البيانات والمؤلفات العلمية في وقتٍ قصير جدًا، مولّدةً آلاف الفرضيات الجديدة والمنطقية. هذا يُتيح للباحثين استكشاف آفاق بحثية لم تكن تخطر على بالهم من قبل. بعد وضع الفرضيات، تنتقل المختبرات إلى المرحلة التالية من خلال التجارب الآلية. تستطيع الأنظمة الروبوتية ذاتية التشغيل في هذه المختبرات تصميم وتنفيذ وتحليل التجارب على مدار الساعة، بأقل تدخل بشري ممكن. هذا يُتيح إجراء تجارب واسعة النطاق وعالية الإنتاجية، واختبار آلاف المتغيرات دفعةً واحدة للعثور على الحلول المثلى. تخيل أن عملية اكتشاف مادة جديدة، التي كانت تستغرق عقدًا من الزمن، يمكن إنجازها الآن في غضون أشهر. تتميز هذه العملية بكونها “مختبرًا دائريًا”، حيث يعمل الذكاء الاصطناعي والروبوتات في حلقة متصلة: يضع الذكاء الاصطناعي تنبؤات، ثم يقوم الروبوت بتنفيذ تجربة لاختبارها، ثم تُعاد البيانات الجديدة إلى الذكاء الاصطناعي لتحسين نموذجه. هذه الدورة ذاتية التحسين تسمح للذكاء الاصطناعي بأن يصبح أكثر ذكاءً مع كل تجربة، مما يؤدي إلى تقارب سريع نحو الحلول.
استكشاف رؤى أعمق وتوفير الموارد
تتجاوز قدرات الذكاء الاصطناعي في هذه المختبرات مجرد تسريع العمليات. يستطيع الذكاء الاصطناعي تحديد الأنماط والروابط في مجموعات البيانات المعقدة التي يصعب على العقل البشري معالجتها. هذا الأمر يؤدي إلى إنجازات غير مسبوقة في مجالات مثل علم المواد واكتشاف الأدوية. على سبيل المثال، يمكن لنماذج الذكاء الاصطناعي التنبؤ بدقة بكيفية تفاعل الجزيئات أو بخصائص مادة جديدة دون الحاجة إلى إجراء اختبارات فيزيائية تستغرق وقتًا طويلًا، مما يُعد أمرًا حيويًا لتصميم أدوية جديدة. إلى جانب ذلك، يمكن للذكاء الاصطناعي أن يُحلل البيانات غير المنظمة من مصادر متنوعة مثل الملاحظات السريرية وأوراق البحث التاريخية، مما يُساعد الباحثين على استخلاص رؤى خفية وروابط غير معروفة. تُسهم هذه القدرات أيضًا في خفض التكاليف والموارد بشكلٍ كبير. فمن خلال القدرة التنبؤية للذكاء الاصطناعي، يتم تقليل عدد التجارب الفاشلة، مما يوفر المال على المواد والعمالة. كما يُمكن للذكاء الاصطناعي إدارة الموارد وتخصيصها بكفاءة أكبر، وضمان إنجاز المشاريع البحثية بأقصى قدر من الكفاءة. وفي مجال اكتشاف الأدوية، على سبيل المثال، يمكن للذكاء الاصطناعي المساعدة في تحديد المرشحين الواعدين للأدوية في مرحلة مبكرة، مما يقلل من الوقت والتكلفة الباهظة للتجارب السريرية.
مواجهة التحديات العالمية وتسهيل البحث
لا تقتصر فوائد مختبرات الذكاء الاصطناعي على المجالات الأكاديمية فحسب، بل تمتد لتُسهم في حل بعض من أكثر مشاكل العالم إلحاحًا. ففي مجال اكتشاف الأدوية، يُستخدم الذكاء الاصطناعي حاليًا لاكتشاف مضادات حيوية جديدة لمكافحة البكتيريا المقاومة للأدوية، وتصميم علاجات أكثر فعالية لأمراض مثل السرطان. وفي مواجهة تغير المناخ، يمكن للمختبرات المعتمدة على الذكاء الاصطناعي تسريع اكتشاف مواد جديدة لبطاريات أكثر كفاءة وأساليب متقدمة لاحتجاز الكربون. كما يمكن للذكاء الاصطناعي المساعدة في تطوير محاصيل أكثر مقاومة للجفاف والأمراض، مما يُساهم في الأمن الغذائي العالمي. علاوة على ذلك، تُساهم هذه المختبرات في تسهيل البحث العلمي وجعله في متناول شريحة أوسع من العلماء، فمن خلال أتمتة المهام المعقدة، تُتاح للباحثين غير المتخصصين في الحوسبة الاستفادة من أدوات الذكاء الاصطناعي القوية. كما يمكن لنماذج اللغات الكبيرة المدربة على الأدبيات العلمية أن تعمل كـ “علماء مشاركين”، مما يُوفر للباحثين وصولًا فوريًا إلى قاعدة معرفية موحدة ويُساعدهم في مهام مثل مراجعة الأدبيات وتصميم التجارب. في جوهرها، تُمثل مختبرات الذكاء الاصطناعي تحولًا جذريًا في كيفية إجراء العلوم، من خلال الانتقال من نهج يعتمد على التجربة والخطأ ويقوده الإنسان إلى عملية آلية قائمة على البيانات ومُحسّنة للغاية، وهو ما يُعطينا أملًا كبيرًا في أن تكون حلول التحديات الكبرى في متناول اليد.
