مع تطور النظم الرقمية عالمياً، برزت خدمة الاتصالات المتقدمة RCS كقوة تحويلية في التواصل بين الشركات والمستهلكين. وفي دول مجلس التعاون الخليجي، التي تعطي التحول الرقمي أولوية قصوى، تتجاوز خدمات الاتصالات المتقدمة مجرد كونها ترقية تكنولوجية فحسب، بل تمثل فرصة استراتيجية لإعادة تعريف تجربة العميل.
ومع دمج الذكاء الاصطناعي التوليدي وقرار شركة “أبل” بدعم خدمات الاتصالات الغنية RCS على نظام التشغيل iOS، بما يتوافق مع دعم “جوجل” طويل الأمد، من المتوقع أن تُحدث خدمات الاتصالات الغنية ثورة في مجال الاتصالات للحكومات والشركات والعلامات التجارية، وهو ما سيعزز النمو الاقتصادي ويضمن تحقيق الامتثال التنظيمي والتفاعل الآمن.
وبحسب ورقة بحثية حديثة صادرة عن “انفوبيب” و”أوميدا”، من المتوقع أن ترتفع إيرادات خدمات الاتصالات الغنية الصادرة من التطبيقات إلى العملاء إلى 4.2 مليار دولار بحلول العام 2029، مدفوعة بمعدل نمو سنوي مركب يبلغ 68%.

ومع اعتماد اقتصادات دول الخليج على الجانب الرقمي في المقام الأول وتجاوز معدلات انتشار الهواتف الذكية نسبة 96% في دول مثل الإمارات العربية المتحدة، فإن المنطقة على أهبة الاستعداد للاستفادة من هذا النمو.
تتيح خدمات الاتصالات الغنية RCSللشركات والجهات الحكومية إنشاء رسائل أكثر ثراءً وتفاعلية. وبخلاف الرسائل النصية القصيرة، التي تقتصر على النصوص الثابتة، توفر خدمات الاتصالات الغنية محتوى حيوياً مثل العروض المتحركة ومقاطع الفيديو والأزرار التفاعلية. وهو ما يتماشى تماماً مع الاستراتيجيات الرقمية الطموحة لدول الخليج، مثل رؤية الإمارات 2031 ورؤية السعودية 2030، التي تعطي الأولوية للابتكار و التفاعل مع المجتمع والتنويع الاقتصادي.
ومن خلال توفير الرسائل الأكثر ثراءً وتفاعلية، تسهم خدمات الاتصالات الغنية في زيادة معدلات التفاعل والتحويل Conversion rate، ما يساعد الشركات على تحسين تواصلها مع جمهورها. وتعمل خدمات الاتصالات الغنية أيضاً على دمج أدوات الاتصال المتعددة في منصة موحدة، الأمر الذي يقلل من التكاليف التشغيلية.
أما على صعيد الشركات الصغيرة والمتوسطة في دول الخليج، فيعتبر هذا الأمر ميزة استراتيجية. إذ تسمح خدمات الاتصالات الغنية للشركات الصغيرة والمتوسطة بإشراك العملاء بطريقة غير مسبوقة كانت حكراً في الماضي على الشركات الكبيرة ذات الميزانيات الضخمة.

استثمار إمكانات خدمات الاتصالات الغنية للوصول إلى اتصالات أكثر سلاسة
شكّل الدعم المجزأ عبر المنصات لسنوات عائقاً أمام تبني خدمات الاتصالات الغنية، لا سيما عدم دمجها على أجهزة “أبل”. لكن تغير هذا الأمر في العام 2023 مع إعلان “أبل” عن دعمها لخدمات الاتصالات الغنية على نظام التشغيل iOS 18، مما يمثل إنجازاً مهماً لهذه التكنولوجيا.
ومع التوافق الحالي بين “أبل” و”جوجل”، وصلت خدمات الاتصالات الغنية إلى العالمية، وهو ما سيتيح التواصل السلس لنحو 2.5 مليار مستخدم نشط شهرياً اعتباراً من عام 2024، وسيسهم في سد الفجوة بين نظامي Android وiOS.
يترتب على هذا التطور آثاراً مهمة على دول منطقة الخليج. إذ يتيح للمستهلكين اليوم الوصول إلى ميزات الاتصالات الغنية المتقدمة، بما في ذلك هوية المرسل الموثقة، والرسائل الغنية بالوسائط، والتفاعلات السلسة المتبادلة دون قيود على المنصة.
أما على صعيد المؤسسات، فإن هذا الأمر يعني القدرة على الوصول إلى قاعدة عملائها بالكامل عبر قناة موحدة، مما يحد من تعقيدات استراتيجيات التواصل المجزأة. ويعزز التعاون بين “جوجل” و”أبل” خدمات الاتصالات الغنية من خلال استخدامها أساساً للرسائل النصية القصيرة وبديلاً أفضل لتطبيقات المراسلة عبر الإنترنت، ما يوفر مرتكزاً قوياً للابتكار والنمو المستدام.

خدمات الاتصالات الغنية المدعومة بالذكاء الاصطناعي التوليدي: تغيير شامل في تجربة العملاء
من المتوقع أن يؤدي دمج الذكاء الاصطناعي التوليدي في خدمات الاتصالات الغنية RCS إلى تغيير قواعد التواصل على الصعيد الشخصي. إذ يتيح الذكاء الاصطناعي التوليدي إنشاء محتوى ذو طابع شخصي جداً وفقاً لتفضيلات المستخدم وسلوكه الحالي.
وبحسب استطلاع ماكينزي العالمي لعام 2024، أفاد 65% من المشاركين في الاستطلاع أن مؤسساتهم تستخدم الذكاء الاصطناعي التوليدي بانتظام. ويمكن لتجار التجزئة الاستفادة من الذكاء الاصطناعي التوليدي لتحليل سجل تصفح العملاء وعربات التسوق المهملة، وتقديم خصومات وعروض مخصصة من خلال خدمات الاتصالات الغنية.
علاوةً على ذلك، تسهم روبوتات الدردشة الآلية المدعومة بالذكاء الاصطناعي التوليدي في دمج العملاء ضمن محادثات تفاعلية تتسم بالتلقائية والسهولة. ويمكن لهذه الروبوتات التعامل مع الاستفسارات المعقدة، والتوصية بالمنتجات، وحتى إتمام المعاملات، كل ذلك ضمن واجهة خدمات الاتصالات الغنية.
ويعتقد نحو 58% من رواد الأعمال أن روبوتات الدردشة الآلية المدعومة بالذكاء الاصطناعي ستكون الأكثر تأثيراً على مدى السنوات الخمس القادمة.
وسيسهم الذكاء الاصطناعي التوليدي، إلى جانب تعزيز المشاركة، في تلبية احتياجات العملاء بنحو استباقي من خلال إرسال تحديثات الرحلات أو رسائل استكشاف الأخطاء وإصلاحها، ورسائل التذكير في الوقت المناسب، ما يوفر تجربة مستخدم سلسة ومريحة. كما ستتحول منصة خدمات الاتصالات الذكية مع الذكاء الاصطناعي التوليدي إلى أداة حيوية للمؤسسات، تتيح لهم الوصول إلى تفاعلات شخصية وفعالة وآمنة مع العملاء.
تعزيز الاتصالات الآمنة في دول الخليج عبر خدمات الاتصالات الغنية
تولي دول الخليج اهتماماً كبيراً بالامتثال التنظيمي والأمن السيبراني، وهو ما تتوافق معه خدمات الاتصالات الغنية. إذ تحتوي كل رسالة من رسائل هذه الخدمات على شارة المرسل الموثقة، ما يعزز ثقة المستخدمين في صحة الاتصال، وهو ما يعتبر ميزة لا تقدر بثمن بالنسبة للجهات الحكومية والمؤسسات المالية التي تضع الثقة في رأس أولوياتها.
كما تعالج خدمات الاتصالات الغنية أي ثغرات في الرسائل النصية القصيرة التي تثير القلق على المستوى العالمي، وذلك من خلال ميزات المصادقة المتقدمة مثل المرسلين الموثقين وإيصالات القراءة، ما يعزز الثقة والشفافية في عملية التواصل. ومع تحول التشفير الشامل إلى سمة قياسية، ستصبح خدمات الاتصالات الغنية أكثر أمناً.

ويمكن للذكاء الاصطناعي التوليدي أن يسهم أيضاً في تعزيز الأمان، وهو ما يتيح للمؤسسات متابعة أنماط الرسائل واكتشاف أوجه الخلل واعتراض الأنشطة الاحتيالية على الفور. وهو ما سيجعل من خدمات الاتصالات الغنية خياراً مثالياً للاتصالات الآمنة، لا سيما في القطاعات الحساسة مثل القطاعين الحكومي والمالي.
وبخلاف تطبيقات المراسلة عبر الإنترنت، تعمل خدمات الاتصالات الغنية ضمن منظومة الاتصالات المنظمة، مما يضمن الامتثال الكامل للوائح التنظيمية المحلية، بما في ذلك متطلبات الاعتراض القانوني. وهذا يخلق قناة آمنة للاتصالات الحساسة، لا سيما في قطاعات مثل المالية والخدمات العامة. كما تعزز خدمات الاتصالات الغنية أيضاً من خصوصية البيانات من خلال ضمان بقاء البيانات داخل الحدود المنظمة، بما يتماشى مع قوانين سيادة البيانات في المنطقة.
وتبرز أهمية تدابير الأمن السيبراني القوية في دول الخليج لما يشهده سوق الأمن السيبراني في المنطقة من نمو سريع وصل إلى 1.37 مليار دولار أمريكي في العام 2024 بمعدل نمو ثابت، وبمعدل نمو سنوي مركب يبلغ 8.34% حتى العام 2029. ويظهر هذا الاستثمار الكبير التزام المنطقة بحماية البنية التحتية الرقمية ويؤكد على أهمية منصات الاتصالات الآمنة مثل خدمات الاتصالات الغنية.
ومن خلال المواءمة مع أولويات الأمن السيبراني الإقليمية هذه، تقدم خدمات الاتصالات الغنية حلاً متوافقاً وآمناً للاتصالات يستوفي المعايير التنظيمية المناسبة لدول الخليج.
الاستفادة من خدمات الاتصالات الغنية لتقديم خدمات عامة أكثر ذكاءً
تقدم خدمات الاتصالات الغنية فرصة قوية للحكومات في دول الخليج لتعزيز الاتصالات العامة وتقديم خدمات سهلة الاستخدام. ففي حالات الطوارئ، مثل الكوارث الطبيعية أو الأزمات الصحية العامة، يمكن لخدمات الاتصالات الغنية أن تعمل كأداة موثوقة للإشعارات الفورية والموثوقة، ما يضمن وصول المعلومات الهامة إلى المواطنين بسرعة ودقة.
وإلى جانب الاتصالات في حالات الطوارئ، يمكن لخدمات الاتصالات الغنية تبسيط خدمات الحكومة الإلكترونية من خلال تمكين المواطنين من جدولة المواعيد وإجراء المدفوعات والوصول إلى الخدمات الرئيسية مباشرةً، وذلك عبر منصة رسائل تفاعلية آمنة، الأمر الذي من شأنه أن يحسن من إمكانية الوصول والكفاءة ورضا المستخدم بنحو عام.
كما يمكن لخدمات الاتصالات الغنية أن تعزز مبادرات المدن الذكية في المدن الخليجية الكبرى مثل أبوظبي ودبي والرياض. فمن خلال تقديم تحديثات مخصصة حول وسائل النقل العام والفعاليات المجتمعية ومشاريع التنمية الحضرية، تخلق خدمات الاتصالات الغنية قناة اتصال ديناميكية تعزز مشاركة المواطنين وتزيد الثقة بالخدمات الحكومية.
وباعتبارها حلاً آمناً قابل للتوسع ويركز على المستخدم، تساعد خدمات الاتصالات الغنية في تمكين الحكومات من تحويل تفاعلات المواطنين وتحسين تقديم الخدمات وتعزيز أهداف الابتكار الرقمي الإقليمي.

آفاق التواصل القادمة في دول الخليج
تقف دول مجلس التعاون الخليجي على أعتاب الدخول في عصر رقمي تحويلي، إذ تمهد خدمات الاتصالات الغنية الطريق لتواصل أكثر ذكاءً وأماناً وتخصيصاً. ومن خلال دمج الذكاء الاصطناعي التوليدي والاستفادة من الجهود التعاونية بين “جوجل” و”أبل”، توفر خدمات الاتصالات الغنية منصة قوية لدفع الابتكار وبناء الثقة وإطلاق العنان للنمو الاقتصادي في جميع أنحاء المنطقة.
ولتحقيق هذه الإمكانيات، يجب على الجهات التنظيمية إعطاء الأولوية للسياسات التي تشجع على اعتماد خدمات الاتصالات الغنية مع الالتزام بمعايير صارمة للأمن والامتثال. ويمكن لشركات الاتصالات أن تؤدي دوراً رائداً من خلال تبني خدمات الاتصالات الغنية في عملياتهم الخاصة، وعرض قدراتها لزيادة الثقة بين الشركات.
ويجب على العلامات التجارية والشركات، في الوقت نفسه، استكشاف الميزات المتقدمة لخدمات الاتصالات الغنية، مثل الرسائل التفاعلية الغنية بالوسائط والتخصيص المدعوم بالذكاء الاصطناعي التوليدي، وذلك لتعميق مشاركة العملاء وتعزيز ولائهم الدائم.
يسهم التقارب بين خدمات الاتصالات الغنية والذكاء الاصطناعي والتوافق عبر المنصات في تعزيز ريادة دول الخليج لثورة الاتصالات الرقمية عالمياً. وبالإضافة إلى ترقية خدمات المراسلة، تشكل خدمات الاتصالات الغنية أساساً لمنظومة رقمية متصلة وآمنة وقائمة على الابتكار.
وقد حان الآن وقت العمل، فمن خلال دعم خدمات الاتصالات الغنية، يمكن لدول الخليج إرساء معايير جديدة للاتصالات التفاعلية والتحويلية، تسهم في خلق مستقبل يتسم بالتواصل والأمان والنمو غير المسبوق.