حجم الخط

- Aa +

الخميس 20 Jun 2019 11:45 م

حجم الخط

- Aa +

من وراء حرق المحاصيل الزراعية في سوريا؟

أخبار سوريا: تشهد الأراضي الزراعية في شمال شرق سوريا منذ حوالي شهر ولحد الآن وهو موسم حصاد القمح والشعير حرائق مستمرة قضت على آلاف الهكتارات وراح ضحيتها أيضاً عدة قرويين فقراء

من وراء حرق المحاصيل الزراعية في سوريا؟

تشهد الأراضي الزراعية في شمال شرق سوريا منذ حوالي شهر ولحد الآن -وهو موسم حصاد القمح والشعير أكثر محصولين تتم زراعتهما في منطقة الجزيرة (محافظات الحسكة ودير الزور والرقة) التي تسيطر على أغلبها ما يسمى "الإدارة الذاتية"- حرائق مستمرة قضت على آلاف الهكتارات وراح ضحيتها أيضاً أكثر من 10 قرويين وفلاحين خلال الأسبوع الأخير.

وقدرت الإدارة الذاتية -التي يقودها حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي المدعوم أمريكياً- الخسائر الناتجة عن احتراق محصولي القمح والشعير بحوالي 20 مليار ليرة (حوالي 40 مليون دولار)، فيما لا تزال الحرائق مشتعلة في أكثر من بقعة وفي أكثر من منطقة دون أن تتمكن تلك "الإدارة الذاتية" من السيطرة عليها بسبب عدم استعدادها للموسم الوفير التي كانت تنتظره المنطقة إثر الأمطار الغزيرة التي شهدتها وخاصة محافظة الحسكة الحدودية مع تركيا والعراق.

وقالت "الإدارة الذاتية" إن المساحات التقريبية للأراضي الزراعية التي اجتاحتها الحرائق لغاية يوم الأحد الماضي بلغت 40860 ألف هكتار؛ أغلبها في محافظة الحسكة.

وقال أهالي وفلاحين، لأريبيان بزنس، إن اندلاع بعض هذه الحرائق يعود لأخطاء بشرية، وبعضها الآخر لعوامل جوية أو ظروف موضوعية منها كثافة الأحراش والأعشاب المتيبسة في هذا الوقت من العام والتي تزيد من احتمالات الاشتعال، مؤكدين أن قسماً منها مصدره مفتعل. في حين تقول الإدارة الذاتية -وهي سلطة الأمر الواقع- إن الحرائق "معظمها مفتعل" وإن الهدف منها هو ضرب اقتصاد المنطقة وخلق حالة من عدم الثقة بينها وبين الأهالي، في حين تقول جهات موالية للنظام السوري -عبر قنواتهم الإعلامية وخاصة عبر موقع الفيسبوك- بأن قوات الأمن الكردية هي من تقف وراء هذه الحرائق غير الطبيعية بالمقارنة مع جميع السنوات السابقة.

ولكن صحيفة "قاسيون" -لسان حال حزب الإرادة الشعبية ومقره دمشق- لها رأي مخالف، وقالت في عددها رقم 917 (11 يونيو/حزيران 2019) إن الحرائق طالت المناطق العراقية المتاخمة لسوريا بحوالي 3700 هكتار من القمح والشعير ولكن "دون أن تثير كل هذه الضجة، على الرغم من الأخبار التي تم تناقلها عن تبني تنظيم داعش لحرائق المحاصيل العراقية"، ولكن حرائق الجزيرة السورية، أهم إعلامياً وهي هدف سياسي وإعلامي يضعه البعض نصب أعينه. ولا يمكن أن يأتي إلا في سياق رفع التوتر الأهلي في المنطقة، حيث يبدو أن البحث عن صراع محلي، يجري "بالسراج والفتيلة" فعلياً!

وأكدت الصحيفة المهتمة بالشأن السياسي الاقتصادي الاجتماعي على أنه "ليس من المستبعد أن تتورط أطراف بإشعال الحرائق في المنطقة، حيث إن مؤشرات أخرى تدل على ذلك، فعلى سبيل المثال أتى تسعير (الإدارة الذاتية) للقمح بسعر قريب من سعر التكلفة، في سياق رفع التوتر مع المزارعين، وفق ما ارتأت وحذرت أطراف محلية في الجزيرة".

وقالت أيضاً "لكن الإعلام المسيّس يلعب دوره الطبيعي في هذا السياق، فيُكبّر الأحداث، ويحاول أن ينقل حرائق المحاصيل لتُسعّر حريقاً اجتماعياً في المنطقة التي تعتبر هدف توتير دولي، وإقليمي ومحلي من جانب الأطراف التي لا تريد حلاً توافقياً في الجزيرة السورية، والتي تستفيد من استعار الفوضى فيها".

وأضافت الصحيفة الورقية أن "التعويل الأساس في مواجهة هذه الحملة، هو على قوى المجتمع المحلي في المنطقة، التي لعبت دوراً خلال مراحل الأزمة السورية، في حماية السلم الأهلي في المنطقة، رغم الألغام الكثيرة المزروعة... إن البحث عن تعويض للمزارعين عن الحرائق، والسعي للحد من حصول الحرائق أو افتعالها، هو مهمة أمام الأطراف الوطنية السورية في المنطقة، وكذلك فإن كل الأطراف الأخرى عليها ألّا تلعب دوراً تحريضياً، وتستثمر بضيق أفق سياسي في حرائق الجزيرة، لأنها بهذا تخدّم الراغبين في إيقاد نار فعلية في المنطقة".

وتحظى محافظة الحسكة بحساسية بالغة سياسياً واقتصادياً وإعلامياً وخاصة منذ بدء الصراع السوري الذي تشهده البلاد منذ العام 2011، وذلك لكون المنطقة متاخمة وقريبة من عدة دول (تركيا، العراق، كردستان العراق، وإيران)، ولأنها تتكون من خليط إثني متنوع؛ عرب وأكراد سريان وأرمن وغيرهم، وهي مركز نشاط سياسي واسع لارتباطها بالملف الكردي في سوريا وما يعنيه ذلك من تأثير متبادل على أكراد تركيا والعراق، بالإضافة إلى أن معظم النفط والغاز السوريين يتم استخراجهما من حقول المحافظة، وأخيراً تعد الحسكة أكبر محافظة في عموم سوريا تضم صحافيين محليين وعرب وعالميين يعملون مع مؤسسات لا تعد ولا تحصى ومن مختلف التيارات والاتجاهات وأيضاً مختلف الولاءات.

إذن من الذي يقف وراء الحرائق غير المسبوقة في المنطقة؟

يشرح مهندس زراعي، فضل عدم كشف اسمه لأريبيان بزنس، أن احتراق قسم كبير من موسم القمح يستهدف مجموعة مركبة من الأهداف منها استمرار للعقوبات الاقتصادية على الشعب السوري عبر أدوات داخلية ويخدم الغايات السياسية نفسها التي تؤديها تلك العقوبات.

وأكد المهندس -وهو ناشط سياسي أيضاً- أن الهدف الثاني هو فلاحة للأرض على طريقة الشركات الكبرى، والأمريكية خاصة، العاملة في حقل المبيدات والأسمدة والتعديل الوراثي، وعلى رأسها شركة مونسانتو التي تعد أكبر شركة منتجة للبذور في العالم؛ حيث يجري القضاء على البذور المحلية المتنوعة وحتى منع استخدامها، وإرغام الفلاحين على زراعة بذور الشركة المعدلة وراثياً والتي تعطي محصولاً بلا بذار، كي يضطر الفلاح لشراء البذار سنوياً منها، كما أن هذه البذور لا تنمو إلا باستخدام مبيدات وأسمدة تنتجها الشركة نفسها أيضاً، وفوق ذلك كله فإن الكمية الأكبر من أنواع البذور التي تبيعها الشركة لدول منطقتنا، والعراق كمثال بيّن، تنبت قمحاً قاسياً لا يصلح لصناعة الخبز بل لصناعة منتجات المعكرونة أي يصلح بقسمه الأكبر للتصدير لصالح الشركة والسماسرة الكبار، بالتوازي مع انعدام الاكتفاء الذاتي من القمح الطري، أو قمح الخبز.

وأضاف المهندس، وهو مدير سابق لمركز إكثار بذار في مدينة القامشلي، أن الهدف الثالث من عمليات الحرق -التي من الممكن أن يكون منفذيها المباشرين ينتمون إلى أطراف سورية متعددة- هو إعفاء الفاعل الأساسي وتحويل القضية إلى مكان جديد لتنمية الأحقاد وتبادل الاتهامات بين الأطراف السورية، لتعميق الهوة بينها فوق عمقها، ولتصعيب الوصول إلى تفاهمات تبعد الأمريكان عن المنطقة، ولإبعاد الحل السياسي على العموم.

ويقول محرر أريبيان بزنس إنه بالتزامن مع إعداد هذا التقرير، مساء اليوم الخميس، هناك ثلاثة حرائق لا تزال مشتعلة في محاصيل قرى شمال وشمال جنوب مدينته القامشلي المطلة على تركيا.