ستفتح المملكة العربية السعودية بشكل رسمي في يناير الحالي، سوقها العقارية جزئيا أمام المشترين الأجانب، مع دخول تشريع طال انتظاره حيّز التنفيذ، يتيح لغير السعوديين تملّك العقارات في مناطق محددة داخل المملكة.
ويدخل نظام تملك غير السعوديين للعقار، الذي أُقرّ بمرسوم ملكي العام الماضي، ونُشر في الجريدة الرسمية في يوليو 2025، حيّز التنفيذ في 21 يناير، بعد فترة انتقالية استمرت ستة أشهر.
ويُعد ذلك أحد أهم التحولات الكبرى في سوق العقارات السعودي منذ عقود، ويتماشى بشكل وثيق مع أجندة التنويع الاقتصادي الأوسع للحكومة في إطار رؤية السعودية 2030.
وقبل إقرار نظام التملك رسميا، تابع المطورون والمستثمرون والمستشارون تقدمه عن كثب لأشهر، وسط توقعات متزايدة بأن تحذو السعودية حذو أسواق خليجية أخرى في تخفيف قيود تملك الأجانب.
ورغم السماح بالاستثمار الأجنبي في العقارات السعودية بأشكال محدودة منذ عام 2000، فإن التشريع الجديد يستبدل الإطار القديم بقواعد أوضح، وأهلية أوسع، وآليات تطبيق أكثر صرامة.
مناطق مخصّصة وحدود واضحة
يرتكز التشريع الجديد في جوهره على نموذج المناطق المخصّصة. وبموجب النظام الجديد، يجوز للأفراد والكيانات غير السعودية حق الملكية أو حق الانتفاع أو غيرها من الحقوق العينية على العقارات الواقعة ضمن مناطق محددة يقرّها مجلس الوزراء بناء على توصيات الهيئة العامة للعقار.
ولم تُنشر هذه المناطق رسميا بعد، لكن من المتوقع على نطاق واسع أن تشمل أحياء مختارة في مراكز اقتصادية رئيسية مثل الرياض وجدة وأجزاء من المنطقة الشرقية. وخارج هذه المناطق المعتمدة، يظل التملك الأجنبي مقيدا، مع استثناءات محدودة.
ويتيح النظام لغير السعوديين شراء العقارات السكنية والتجارية والصناعية والزراعية داخل المناطق المخصّصة. وبالنسبة للتملك السكني، يُمنح المقيمون الأجانب في السعودية حقا إضافيا بتملّك مسكن شخصي واحد خارج تلك المناطق، شريطة ألا يكون في مكة المكرمة أو المدينة المنورة.
أما غير المقيمين، فيقتصر تملكهم على العقارات داخل المناطق المخصّصة فقط، بعد الإعلان عنها رسميا.
وتظل القيود صارمة في مكة المكرمة والمدينة المنورة؛ إذ يقتصر التملك فيهما على المسلمين، ووفق شروط محددة. كما يُحظر عموما على الشركات الأجنبية تملّك العقارات في المدينتين، باستثناء الحالات التي تحتاج فيها شركات سعودية التأسيس ذات مساهمين أجانب إلى عقارات لأغراض تشغيلية أو إسكان الموظفين، وبما يسمح به النظام ولوائحه التنفيذية.
الرسوم والحدود الدنيا والتطبيق
يفرض التشريع التزامات مالية وتنظيمية جديدة على المشترين الأجانب. إذ تخضع الصفقات العقارية التي تشمل غير السعوديين لضريبة تصرفات عقارية بنسبة 5% وفق القواعد المعمول بها، إضافة إلى رسم نقل إضافي قد يرفع العبء الإجمالي إلى 10% كحد أقصى، تبعا لهيكلة الصفقة واللوائح التنفيذية المستقبلية.
وبالنسبة لبعض الأنشطة الاستثمارية، يُشترط حد أدنى للاستثمار يبلغ 30 مليون ريال سعودي (نحو 8 ملايين دولار)، في إشارة إلى رغبة الحكومة في جذب رؤوس أموال طويلة الأجل بدل التدفقات المضاربية. كما يجب تسجيل جميع عمليات التملك في السجل العقاري الوطني لتكون نافذة قانونا، مع منع التوثيق لأي معاملات غير ملتزمة.
ويُرسّخ التشريع أيضا نظام إنفاذ أكثر صرامة؛ إذ قد تؤدي المخالفات، بما في ذلك تقديم معلومات غير صحيحة أو التملك في مناطق محظورة، إلى غرامات تصل إلى 10 ملايين ريال سعودي (2.7 مليون دولار)، وقد تصل في الحالات الجسيمة إلى البيع الإجباري للعقار.
وتتولى لجنة متخصصة تحت مظلة الهيئة العامة للعقار الإشراف على التنفيذ، مع إتاحة الطعن في قراراتها أمام المحاكم الإدارية.

إمكانيات أوسع للشركات والمؤسسات
تعد الشركات الأجنبية وصناديق الاستثمار والمنظمات غير الربحية من أبرز المستفيدين من الإطار الجديد. إذ يمكن للكيانات المدرجة وغير المدرجة تملّك عقارات داخل المناطق المخصّصة لدعم أنشطتها، بما في ذلك المكاتب والمنشآت الصناعية وإسكان الموظفين.
وتُعامل الشركات السعودية ذات الملكية الأجنبية وفقا لوضعها. فالشركات المدرجة في تداول يمكنها تملّك العقارات في مختلف أنحاء المملكة، بما في ذلك مكة والمدينة، وفق لوائح هيئة السوق المالية. أما الشركات غير المدرجة ذات المساهمين الأجانب فيجوز لها التملك داخل المناطق المخصّصة، وكذلك خارجها عند الضرورة التشغيلية ووفق شروط محددة.
كما يسمح صراحة للبعثات الدبلوماسية والمنظمات الدولية المعتمدة في السعودية بتملّك مقار للاستخدام الرسمي، شريطة موافقة وزارة الخارجية ومبدأ المعاملة بالمثل مع دولها.
حالة السوق
يأتي دخول النظام حيّز التنفيذ في وقت يشهد سوق العقارات السعودي زخما مستداما. ووفقا لـ CBRE الشرق الأوسط، شكّل الاقتصاد غير النفطي للمملكة 56% من الناتج المحلي الإجمالي في 2025، ما دعم الطلب عبر القطاعات السكنية والمكتبية والتجزئة والضيافة والصناعية.
تُعد مشاريع التنمية في المملكة العربية السعودية من بين الأكبر على مستوى العالم، حيث تبلغ قيمة المشاريع الملتزم بها حوالي 440 مليار دولار، بينما تبلغ قيمة المشاريع طويلة الأجل 1.55 تريليون دولار.
وتتصدر المشاريع العملاقة مثل نيوم والدرعية ومشاريع البحر الأحمر المعروض المستقبلي، فيما تركز النشاط القريب الأجل في الرياض جزئيا بدعم من برنامج المقرات الإقليمية.
وظل الطلب على المكاتب في العاصمة قويا على نحو خاص؛ إذ ارتفعت إيجارات الفئة الأولى 15% على أساس سنوي في 2025، مع معدلات إشغال تقارب 98%، بينما نمت الصفقات السكنية بنحو 18% على أساس ربعي في الربع الثالث لتبلغ قيمتها 7.7 مليار ريال سعودي.
وقد دعمت هذه الاتجاهات سلسلة من التدخلات التنظيمية خلال العام الماضي، من بينها توسيع نطاق رسوم الأراضي البيضاء لتحفيز التطوير، وتجميد الإيجارات لمدة خمس سنوات في الرياض بهدف تحسين القدرة على تحمل التكاليف.

