كيف أصبح طريق الحرير في الصين رقمياً؟

كثر الحديث عن مبادرة الصين لإنشاء طريق الحرير الجديد. وبالإضافة إلى هذه البنية التحتية الهائلة على أرض الواقع، توجد خطط محكمة لدى الصين لتوسيع تأثيرها الرقمي بشكل كبير، وذلك يشمل منطقة الشرق الأوسط.
كيف أصبح طريق الحرير في الصين رقمياً؟
بقلم: بيرند ديبوسمان
بواسطة أريبيان بزنس
الإثنين, 01 أكتوبر , 2018

انشغل كثيراً العالم من خلال السنوات القليلة الماضية بالحديث عن المبادرة الصين الضخمة «الحزام والطريق» والتي تُعرف أيضًا باسم (طريق الحرير الجديد) وتهدف إلى توسيع البنية التحتية للمواصلات والطاقة حول العالم لتحسين الاتصال بباقي أنحاء العالم، وربما لتعزيز إمكانيات الطاقة المادية والرقمية.

ومن أهم الجوانب المتعلقة بالإستراتيجية أنها غير مرتبطة بالطرق السريعة، أو الموانئ أو الطاقة. وتتميز الإستراتيجية بأنها رقمية، ويلعب الشرق الأوسط دورًا محوريًا في هذه الخطة.
وبينما يشير طريق الحرير إلى شبكة بنية تحتية مادية وفعلية على اليابسة والبحر عبر مساحة واسعة من الأراضي الأوروبية الآسيوية، فإن طريق الحرير الرقمي يرتبط ببنية تحتية غير مرئية، ومن نواحٍ أخرى، تتميز بأنها بنية تحتية مجردة.
يقول الرئيس الصيني شي جين بينغ في حديثه عام 2017 «يجب أن نسعى إلى تطوير يعتمد على الابتكار والتعاون المكثف في المناطق الحدودية مثل الاقتصاد الرقمي، والذكاء الصناعي، وتقنية النانو، والحوسبة الكمية، وتطوير البيانات الضخمة، والحوسبة السحابية والمدن الذكية من أجل تحويلها إلى طريق الحرير الرقمي في القرن الحادي والعشرين».
«يجب أن نسعى إلى التكامل التام بين العلم والتكنولوجيا في الصناعات والمجالات المالية، وتحسين البيئة من أجل الابتكار وتجميع الموارد... ويجب علينا إنشاء مساحة، وبناء ورش عمل للشباب من مختلف البلدان من أجل صقل ريادة الأعمال في عصر الإنترنت هذا.»
تم التركيز بشدة على أهمية منطقة شمال أفريقيا والشرق الأوسط في الإستراتيجية الرقمية للصين في مؤتمر الإنترنت الدولي في مدينة ووزن في ديسمبر 2017، عندما وافق عدد من البلاد بما فيها المملكة العربية السعودية ومصر، والإمارات العربية المتحدة على التعاون مع الصين في المشروع عن طريق توسيع الوصول عريض النطاق للإنترنت، بالإضافة إلى تشجيع التعاون في التجارة الإلكترونية ومعايير أخرى ذات صلة تتخطى الحدود القومية.
وبينما يتم الحديث عن طريق الحرير الرقمي كثيرًا في وسائل الإعلام الصينية فيما يخص مبادرة الحزام والطريق، فإنه يظل غير معروف في باقي أنحاء العالم، حتى وإن كان من الممكن أن يغير المساحة الرقمية للشرق الأوسط.

الشركات الصينية تصنع تأثيرها الخاص
تتصدر شركات الاتصالات المتعددة في الصين طليعة التوجه الرقمي الصيني إلى المنطقة، وتأمل أن تتمكن من الوصول إلى أسواق الشرق الأوسط، وأن تساعد في الوقت نفسه الصين على تحقيق أهداف إستراتيجية. «لا تغفلوا عن الجانب التكنولوجي للعلاقة بين الصين والإمارات العربية المتحدة. يقول سام بلاتيس، المدير التنفيذي لشركة كاتاليستس في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا «تبين الأعداد الصغيرة كيف يمكن أن تكون إستراتيجية في المستقبل القريب».
ويضيف قائلاً «أكبر خمس شركات صينية في عصر الإنترنت: تينسنت، وعلى بابا، وبايدو، وشاومي، وديدي، هي مخلوقات غير عادية». «يوضح حجمها المتدرج ووصولها إلى رأس المال، أن أقل حركة من أي شركة منها في البلد هنا يمكن أن يحرك الأسواق.»
ومع ذلك، لا يمكن أن نغفل عن حركة أي من هذه الشركات في المنطقة. وعلى سبيل المثال، أعلنت مجموعة علي بابا في عام 2017 عن برنامج قيمته 600 مليون دولار أمريكي لإنشاء «مدينة تكنولوجية» يبلغ حجمها خمسة أمثال مبنى البنتاجون القريب من ولاية واشنطن - وهذه المدينة ستستضيف 3000 مؤسسة تعمل في مجالات صناعة الإنسان الآلي، والذكاء الصناعي وتطبيقات الهاتف المحمول بالقرب من جبل علي في دبي. كما اتبعت المؤسسات الصينية الكبيرة الأخرى ذلك المسعى ولكن بسرعات مختلفة.
«لقد أسست الصين روابط عبر المشروعات التي تبني الاعتماد المتبادل بينها وبين حكومة الإمارات العربية المتحدة. ويشرح السيد بلاتس قائلاً «وصلت استجابة الصين لشركتي سامسونج وشاومي إلى عدد من المتاجر التي تصل مساحتها إلى 1500 قدم مربع في دبي، ويبلغ حجمها ثلاثة ملاعب كرة سلة، بينما منحت الصين موقع «نون» وهو منافس موقع أمازون في الشرق الأوسط، الموافقة على التوسع في سوق التجارة الإلكترونية الواعدة في الصين». «لقد زاد حجم الكثير من مكاتب شركات التكنولوجيا الأمريكية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بأريحية بفضل سمعتها في المنطقة، وتظل تعتقد أن منصات التكنولوجيا الصينية ذات جودة أقل. لكن يجب على الشركات الأمريكية رفضها. وكما يقول المثل العربي «أول الغيث قطرة».

انتشار نموذج التجارة الإلكترونية الصيني
يقول وينستون مينيان ما، الشريك الإداري ورئيس الاستثمارات في رأس المال الاستثماري لطريق الحرير في الصين، والمتحدث في مؤتمر بوابة الخليج الأخير أنه يعتقد أن أسرع تأثير لطريق الحرير الرقمي سيكون انتشار شبكات ونماذج التجارة الإلكترونية الصينية.
ويضيف قائلاً: «الكلمات الأساسية التي ظللنا نسمعها في السنوات الأخيرة وإمكانية الاتصال والتدفق فيما يرتبط بخدماتها التجارية، وأحدث شيء الآن هو البيانات». «وعلى المستوى الأول، ستكون التجارة الإلكترونية».
وكمثال عليها، يشير وينيان ما إلى أن التسوق غير العادي الذي يحدث في الصين كل عام في 11 نوفمبر، في أثناء العيد القومي الشهير «يوم العزاب». «يشارك التجار والمستهلكون من أكثر من 200 بلد في هذه النسخة الصينية من يوم الجمعة السوداء». «عندما يكون لديك الكثير من توسعات الُبنى الأساسية الإلكترونية، فسيكون لديك شبكة تجارة إلكترونية في جميع المناطق».
ويضيف قائلاً «يتوسع سوق الهاتف المحمول بسرعة لأن المستهلكين يبتعدون عن أجهزة الكمبيوتر الشخصية، وخطوط الهاتف الأرضية، وبطاقات الائتمان، ويتوجهون نحو عصر الهاتف الذكي بما في ذلك التسوق. «وفي الأسواق الناشئة - بما في ذلك أسواق مجلس التعاون الخليجي - تشهد الأسواق الأمر نفسه.»

هل هذا سيناسب المنطقة بشكل أفضل؟
بالحديث إلى مجلة أريبيان بزنس، يلاحظ بلاتيس أن الشركات الصينية ربما تكون مناسبة بشكل أفضل لظروف المنطقة أكثر من نظيراتها الأمريكية أو الأوروبية، حتى لو كان وجودها في المنطقة أقل نفوذًا.
«العديد من شركات التكنولوجيا الصينية التي رأيناها تشعر بالراحة للدخول إلى الأسواق التي يوجد فيها نمو تحكم فيه الحكومة، بدلاً من النمو الذي يتحكم فيه القطاع الخاص. وأوضح «تمتلك الاقتصاديات التي تهيمن عليها الدولة في المنطقة تاريخًا غير فعال وتحت الإنشاء، مما يوفر التغيير السريع لنمو الشركات الصينية».
«وتعتبر التحديات اللوجستية للدول النامية مألوفة للشركات الصينية العملاقة في مجال التكنولوجيا، إذ ربما يكون لها الأفضلية على منافسيهم من الغرب.»
الإضافة إلى ذلك، يشير بلاتيس إلى أن الفاعلية النسبية من حيث التكلفة للعديد من منتجات التكنولوجيا الصينية - مثل منتجات شاومي، التي فتحت متاجر لها في دبي والقاهرة في العام الماضي - قد تساعد هذه الشركات على الاستفادة من قطاعات كبيرة ومربحة من المشترين في جميع أنحاء المنطقة. «ربما تمتلك الهواتف التي يبلغ سعرها 88 دولارًا أمريكيًا ميزة نسبية في دولة الإمارات العربية المتحدة، حيث تمثل حصة كبيرة من القوى العاملة من العمال ذوي الأجور المنخفضة من الهند وباكستان، وفي مصر التي يبلغ دخلها السنوي حوالي 12000 دولار  أمريكي للفرد.»

هل توجد مخاوف أمنية أم لا؟
في جميع أنحاء العالم، اقترن التوسع الصيني فيما يتعلق بالبصمة الرقمية في المنطقة بمخاوف بشأن ما إذا كان يمكن استخدام هذه الروابط لتوسيع جهود الاستخبارات الصينية أو هل تؤدي إلى حلول وسطية بشأن خصوصية البيانات. وفي تقرير يصدر في شهر يوليو، أعرب مجلس العلاقات الخارجية ومقره الولايات المتحدة عن قلقه من أن شركات التكنولوجيا الصينية قد تضيف «آليات مستترة يمكن أن تزيد من العمليات الاستخباراتية والدعائية في البلدان الشريكة لمبادرة الحزام والطريق».
غير أن بعض الخبراء رفضوا هذه المخاوف، وقالوا إنهم ربما يكونوا موضع ترحيب في المنطقة، خاصة عندما يتم عرضها مقارنة بالشركات الأمريكية. يقول بلاتيس «أعتقد أن العديد من حكومات منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا والشركات الصينية العملاقة في مجال التكنولوجيا ربما يكونوا متفقين على هذا» «وذكرت شركات التكنولوجيا الصينية إنهم يرون مواقفهم بشأن الأمن والسلامة العامة على أنها تفاضل مع الحكومات، مقارنة بنظرائهم الأمريكيين».
وقال وينيان من جانبه في وقت سابق من هذا العام إنه يعتقد أن أي مخاوف تتعلق بالتكنولوجيا الصينية - إذ يعتقد بأنها أثر طبيعي «لنقطة انعطاف» في جميع أنحاء العالم والتي تكون فيها الاتصالات في أعلى مستوياتها والثقة في أدنى مستوياتها على الإطلاق - تحتاج إلى المعالجة بواسطة الشركات الصينية نفسها عند دخولها سوق الشرق الأوسط.
ويقول: «من المهم للغاية التأكد من أنه عندما تدخل الشركات الصينية هذه السوق، فلا ينبغي أن ينظر إليها على أنها توسع محض في السوق». «يجب على شركات الإنترنت العملاقة وشركات الاتصالات ضمان حماية مناسبة للبيانات ومشاركة البيانات الاقتصادية. وتحتاج الشركات الصينية العملاقة في مجال الإنترنت إلى العمل معًا لمعرفة النموذج الجديد «.

العامل المؤسسي المفقود
ووفقًا لبلاتيس، فإن نجاح وتوسع الشركات الصينية في الشرق الأوسط يتم إيقافه في الوقت الحالي لأن «ما يبشر به العالم من نجاح التكنولوجيا الصينية، هو في الغالب سرد متعلق بقطاع المستهلك».
«وفي سوق التطبيقات المؤسسية، لم يكن لدى الصين منذ فترة طويلة أي شيء يضاهي شركات أوراكل أو ساب أو SalesForce.com. في الواقع، يبدو سوق الشركات الصينية مثل السوق الاستهلاكي قبل عشر سنوات. تجد الشركات المستهلكين الصينيين في هذه الحالة، يحجمون عن دفع ثمن البرامج. ربما يكون صعود الأنشطة التجارية السحابية لشركة علي بابا في الخليج ومراكز البيانات والمشروعات المشتركة مع كيانات في المنطقة، تحولاً في الاقتصاد السحابي المزدهر في المنطقة.
«يمكن للصينيين المشاركة بتكلفة أقل، وليس لديهم القيود نفسها على حقوق الخصوصية الفردية بالضرورة، على الرغم من قانون حماية البيانات العامة التابع للاتحاد الأوروبي».
كما يتضح أن النقاط الأساسية في مبادرة الحزام والطريق التي تنتشر في المنطقة رقمية ومادية وأيضًا.

اشترك بالنشرةالإخبارية

اشترك بنشرة أخبار أريبيان بزنس لتصلك مباشرة أهم الأخبار العاجلة والتقارير الاقتصادية الهامة في دبي والإمارات العربية المتحدة ودول الخليج