إنترنت الأشياء: ربط الواقع بالعالم الافتراضي

على مدى العقدين الماضيين أصبح لدى معظمنا حياتان: حياة على أرض الواقع وحياة على شبكة الإنترنت. ومع انتشار الهواتف الذكية والأجهزة اللوحية وشبكات التواصل الاجتماعي توسعت الحياة الافتراضية كي تصبح مرآة للحياة اليومية.
إنترنت الأشياء: ربط الواقع بالعالم الافتراضي
بواسطة Mohamed Elaassar
الخميس, 27 يونيو , 2013

على مدى العقدين الماضيين أصبح لدى معظمنا حياتان: حياة على أرض الواقع وحياة على شبكة الإنترنت. ومع انتشار الهواتف الذكية والأجهزة اللوحية وشبكات التواصل الاجتماعي توسعت الحياة الافتراضية كي تصبح مرآة للحياة اليومية . الخطوة التالية ستكون بلا شك وصل ما يحدث في العالم الملموس بالمنظومة الرقمية التي تحكمنا. الأجهزة المتصلة بشبكة الإنترنت يصل عددها إلى مئات الملايين بالفعل. ولكن معظمها لا يزال مصمما خصيصا لهذا الغرض ويعتمد على المستخدم البشري كفاعل أساسي. ومن هنا يتوقع المحللون ثورة جديدة في عالم الاتصالات حيث يكون المستخدمون أشياء جامدة تتواصل مع بعضها البعض.

مفهوم «إنترنت الأشياء» هو أن نعيش في عالم الجماد فيه له وعي ومنطق. فحين تستيقظ يتمكن منبهك أن يرصد ذلك ويبلغه لأشياء أخرى كالستار وماكينة صنع القهوة والسيارة. حين تنظر في المرآة قد تنبهك إلى أن القميص تقادم والثلاجة تقوم بطلب المنتجات التي تنقصك بشكل تلقائي. أي أن كل ما يحيطك يتفاعل معك ومع ما يلزمك في كل مكان. كل ذلك ممكن تقنيا ولا يجب حصره في مجال الخيال العلمي، لكن الجانب الاقتصادي الذي يجعل تعميم مثل تلك التقنيات ممكنا ما زال في حيز التطوير.

لفهم إنترنت الأشياء يجب علينا أن نتخيل إننا جماد يريد التواصل مع ما هو حوله. وأول مرحلة في تلك المغامرة المعلوماتية الجديدة هي تزويد الجماد بشخصية افتراضية ليصبح مستخدما بدوره، تماما كما يحتاج أي إنسان اسما عند الميلاد أو طريقة لتعريف نفسه الكترونيا. من هنا ظهرت تقنية RFID وهي هوية تعريف تعتمد على موجات الراديو ويمكن التقاطها من قبل الأجهزة المعدة للاتصال قصير المدى(NFC ). هذا الإرسال الضعيف يسمح للشيء أن يصيح لبيئته القريبة «أنا هنا، واسمي كذا، وأريد كذا». فنجد هذه التقنية في كروت المترو بدبي مثلا أو نستخدمه للدخول إلى المباني. و رغم أنها تقنية عملية للغاية وتوفر الكثير من الوقت في بعض المواقف، فانها لا تسمح بخلق إنترنت حقيقي للأشياء وإنما طريقة لتعريف نفسها والقيام بعمليات بسيطة بين شيء ومحطة لرصده على مسافة لا تتعدى بضعة سنتيمترات.

على النقيض، يمكن لتقنيات مثل GPRS وLTE نقل كميات ضخمة من المعلومات عبر الأثير لمسافات طويلة. وقد قامت تلك التقنيات بتغيير حياتنا بالفعل حين سمحت لنا باستخدام شبكة المعلومات عبر الأجهزة النقالة. لكن عدة عوامل تحيل دون نقل تلك التقنية إلى إنترنت الأشياء. العامل الأول والذي تجاهله قطاع التكنولوجيا لسنين طويلة، هو أن موجات الراديو التي تعتمد عليها كل تلك الأنظمة لها حدود. فهي عبارة عن طيف معيَّن لا يمكن تعديه حين يتم إشغاله. مع تعدد محطات الراديو الخاصة وانفجار استخدام المعلومات اللاسلكية بفضل أجيال الانترنت المحمول المتتالية يشرف الأثير على الامتلاء. حتى أن بعض الدول لم تتمكن من إدخال الجيل الرابع 4G إلا بتنكيس إذاعة محطات تلفزيون أرضية أو طلب إخلاء موجات تستخدم للملاحة أو كانت حكرا على للمؤسسات العسكرية! وحذرت المفوضية الأوروبية شركات الاتصالات في الدول الأعضاء من «امتلاء الأثير الأوروبي» وأوصتهم بتشارك الموجات فيما بينهم وعقد اتفاقات للتناوب على استخدامها لمواجهة الاكتظاظ. ولم ينتبه قطاعا واسعا من صناعة الاتصالات إلى ذلك الضغط التي تمثله التقنيات «الثقيلة» فصاروا يتحدثون عن نشر5G قبل حتى أن يتمكنوا من إيجاد موجات خالية تستوعب الجيل الرابع في كل مكان.

السبب الثاني لعدم مناسبة تلك التقنيات لحمل إنترنت الأشياء هو عدم جدواها الاقتصادية. فتلك الموجات عالية الجودة والنادرة تأتي بسعر مرتفع لا يسمح بتوصيل الأشياء العادية التي نستخدمها في حياتنا اليومية بشكل عام. كما أنها تقنيات تستنفذ الطاقة بشكل جبار مما يُفقد إمكانية توصيل الأشياء لاسلكيا بشكل عملي. وعندما نعرف أن معظم الدراسات تؤكد أن 80 % من الأجهزة المتصلة بتلك الطريقة لا تحتاج إلا لتوصيل معلومات متناهية الصغر، نصل إلى عدم جدوى تخصيص تلك الموارد (طاقة كثيفة وموجات عالية الجودة ومبالغ طائلة) من أجلها. فحجم الاتصالات بين الأشياء سوف يصل إلى 18 مليار اتصال عام 2022 منها 80 % تحمل معلومات متناهية الصغر بحسب مكتب «ماكينا» للأبحاث.

هل تكون الترددات الضيقة هي الحل؟

هذه النظرية قادت أحد أهم خبراء الراديو العالميين «كريستوف فورتي» لابتكار برنامج فريد من نوعه. يعتمد SIGFOX على توليد إشارات راديو ضيقة النطاق٬ أي أنها تحمل معلومات صغيرة ومتناهية الصغر على مسافات طويلة. تلك النوعية من الإشارات الضيقة والحساسة (UNB) لها عدة مميزات ولكن يصعب التقاطها. احتاج الأمر إلي 20 براءة اختراع حاز عليها فورتي وشراكة مع رَجل الأعمال الجريء «لودوفيك لوموان» كي تتاح تلك التقنية. ويعد المنتج النهائي أحد البرمجيات المدنية الوحيدة التي يمكنها البحث والتقاط تلك الإشارات المتناهية الصغر. يعني ذلك أن تتواصل الأشياء على مسافات طويلة تصل إلى 40 كيلومترا٬ أو حتى الأشياء التي تقع في أعماق المياه أو الأرض على موجات ISM المفتوحة. تلك الموجات معظمها مفتوحا تماما في جميع الدول لتسمح باستخدام تقنيات بسيطة مثل جهاز المايكروويف وتقنية NFC وRFID على وجه المثال. التحدي الوحيد كان يكمن في إنتاج أنظمة تجد ما تبحث عنه تحديدا وسط تلك الترددات الصاخبة.

يعد ذلك قفزة نوعية في حد ذاته قد تؤمن مستقبل إنترنت الأشياء. ولأجل ذلك يقع تحدي SIGFOX التالي في نشر شبكته عالميا في أسرع وقت ممكن. لذلك اعتمدت الشركة على نظام يمكن تعميمه بدون استثمارات مجحفة. فالنظام يمكن برمجته على أي شريحة عادية لترسل الإشارة. يقول «توماس نيكلس» رئيس تسويق SIGFOX : «سيفوز بذلك السوق الضخم من يستطيع أن يقنع الناس بحلوله في كل مكان. لذلك نطمح أن نكون القاعدة لذلك المجال والاختيار المنطقي لكل من يريد ربط الأشياء بالعالم الرقمي. لقد قمنا بنشر شبكتنا بالفعل في فرنسا وهولندا وروسيا. ولدينا جدول زمني لتغطية أهم 60 سوق في العالم خلال 5 سنوات. سيساعدنا على تحقيق ذلك مئات الشركاء الذين تقدموا بطلبات الانضمام في كل أنحاء العالم سيتكفلون ببناء الشبكة ونحن نديرها عن بعد».

بالإضافة إلى حل عقدة المسافة ومشكلة ندرة الترددات المتاحة٬ يشكل اختيار إشارات متناهية الصغر كفاءة متناهية من ناحية الطاقة. فعلى عكس تقنيات GPRS وLTE٬ لا تحتاج الشبكة أن تكون متواصلة طول الوقت. تظل الشريحة نائمة إلى أن تحتاج أن تبث رسالة وتحتاج حينها إلى شحنة كهربائية بالغة الصغر. كما يمكن برمجة الشريحة لتتيقظ من وقت إلى آخر فترسل بمعلومات معينة أو تتلقى أوامر معينة. بذلك يكون متوسط استهلاكها بين 50 و100 ميكرواط في حين أن متوسط استهلاك تقنية GPRS لنفس الرسالة يصل إلى 5000 ميكرواط. وبما أن عمر الشريحة الافتراضي يأتي أساسا من كمية الطاقة التي تمر بها٬ فأن تلك التقنيات بسيطة الاستهلاك تطيل عمر الشريحة العادية الافتراضي بفترة قد تصل إلى 20 عاما.

بالتالي يمكن لأي شيء أن يرسل 140 رسالة يوميا بمعدل رسالة كل 10 دقائق عبر شبكة SIGFOX على ألا يزيد حجم الرسالة عن 12 خط ثماني ((octets. وذلك بأقل تكلفة يمكن تخيلها حيث أن إقامة الشبكة وإدارتها أرخص بحوالي 100 مرة من شبكات النقال. أما بالنسبة للمستخدم يكفي اقتناء شريحة توضع في مودم UNB لا تزيد تكلفته عن دولار واحد للوحدة. بالإضافة إلى اشتراك سنوي سعره الأقصى 3 دولارات لتوصيل أي شيء بالإنترنت.

تطبيقات بلا حدود

بساطة ومرونة النظام تفتح المجال أمام العديد من التطبيقات العملية، خاصةً مع انخفاض تكلفته. فمثلاً جميع أنواع القياسات لا تمثل إلا كميات صغيرة من المعلومات يمكن تناقلها بين الأشياء. أقرب تطبيق إلى واقعنا اليومي على الإطلاق قد يكون إدارة أماكن صف السيارات في المنشآت والمدن حيث تنتشر بالفعل الأنظمة التي ترصد الأماكن المتاحة وتبلغ عنها. تعمل تلك الأنظمة بمجسات ترسل إشارة إلى وحدات متعددة (حوالي كل 80 متر) تجمعها ثم ترسلها إلى وحدة لاسلكية تقوم بدورها على تجميع المعطيات وبث إشارة على ترددات GPRS إلى شبكة الإنترنت. عند استخدام SIGFOX يتم الإستغناء عن وحدات التجميع الفرعية والوحدة المركزية مما يعني تفادي تكلفة التركيب والصيانة والطاقة وبث المعلومات. عند خلو مكان تقوم الشريحة بتبليغ الشبكة مباشرةً فتنقل المعلومة إلى العميل عبر الإنترنت العادي. الجدير بالذكر أن المتحدث بإسم الشركة صرح أنها «ستعلن قريباً عن تبني واحدة من أكبر عواصم العالم لتلك التقنية لإدارة ملايين أماكن صف السيارات في المدينة». ويعد ذلك منطقياً حيث أقرت بعض الدراسات أن 30 % من الازدحام في العواصم المكتظة بالسكان عبارة عن سيارات تدور بحثاً عن مكان للصف. ففي حال توفير الشبكة في نطاق جغرافي معين، يصبح من السهل تفعيل الأشياء تدريجياً لإنشاء «مدن ذكية». فأضعف الاستخدامات قد تتمثل في تمكين أعمدة الإضاءة ووسائل الصرف والإشارات المرورية وغيرها من الإبلاغ عن أعطالها بنفسها؛ ويؤدي ذلك إلى تحسين جودة الحياة في هذه المدن وحوكمة الجهات الخدمية بشكل فعال.

يكفي تخيل فاعلية القياس عن بعد في مجالات الخدمات الأساسية. شركات المياه والكهرباء على وجه المثال ستتمكن من قياس العدادات بأقل تكلفة ممكنة وعلى نطاق جغرافي أوسع. كما يوفر «القياس الذكي» إمكانية خدمة ونصح للعملاء أفضل عن طريق قياس دوري (أسبوعي مثلاً) يبلغ على أثرة العميل لمساعدته على ترشيد استهلاكه. أما في مجال الصحة فيمكن متابعة حالة المرضى عن بعد، وتحذير المسئولين عنهم حين تعثرهم صحياً والإبلاغ عن موقعهم الجغرافي في حال احتياجهم للعناية. من التطبيقات التي قد تنقذ أروحاً أيضاً تطبيقات تأمين المنشآت بتوصيل الأجهزة الموجودة لمراقبة جودة الهواء وإنذارات الحريق ومجسات رصد الاقتحام. وقد قامت أحد شركات التأمين الكبرى في فرنسا «MAAF» بتوصيل ملايين إنذارات الحريق الخاصة بعملائها بالشبكة ليتم تنبيه العميل في حال عدم تواجده داخل المبنى أو في حال حدوث عطل في جهاز الإنذار ليتم تداركه في الوقت المناسب. فضلاً عن التطبيقات التي لا حصر لها في مجالات النقل، ونقل البضائع، والصناعة والزراعة والتعدين.

هناك عدة طرق قد تؤدي إلى إنترنت الأشياء٬ ولكن الترددات الضيقة التي تستخدمها SIGFOX تبدو الطريقة المتفوقة على المدى القريب والمتوسط لتفعيل عالم متصل. وعلى الشركة التعجيل بـنشر شبكتها حول العالم إذا ما كانت تريد أن تقود هذا القطاع. يقول نيكلس :"أن الوقت هو عدونا الأكبر. ولكن من حسن الحظ المنافسة الحقيقية لم تظهر بعد، لأن الجميع ركز على الإشارات الغنية بالمعلومات في السنوات الماضية ولم ينتبه الكثيرون إلى الترددات الضيقة». وتتعاون الشركة مع مصنع الشرائح الأمريكي SiliconLabs الذي يراهن على هذا الاتجاه. كما تتعاون مع عملاق الفضاء الأوروبي EADS لدراسة تطبيقات عبر الأقمار الصناعية تستخدم الترددات الضيقة للاتصال بالأماكن النائية على سطح الكرة الأرضية وتحديد الموقع الجغرافي.

إنترنت الأشياء قادم بلا محالة وليس مشروطا ببرنامج SIGFOX. فمنذ سنوات عديدة تكتلت شركات الاتصالات والتكنولوجيا الأهم في تحالفات لدراسة وتحقيق ذلك الحلم. لكن ما فعلته SIGFOX بإمكانيات ضئيلة لا تتعدى 12 مليون يورو قد يكون مستقبل هذا القطاع. خاصةً عند تأمل تصريح أحد مدراء DeutscheTelecom أكبر شركة اتصالات في ألمانيا أن «إنترنت الأشياء سيتحقق من خلال شبكة موازية ومكملة لشبكة الهواتف النقالة الحالية».

اشترك بالنشرةالإخبارية

اشترك بنشرة أخبار أريبيان بزنس لتصلك مباشرة أهم الأخبار العاجلة والتقارير الاقتصادية الهامة في دبي والإمارات العربية المتحدة ودول الخليج

أخبار ذات صلة