إن شراء المنتجات أو حتى بيعها لأسواق خارج نطاق الصلاحيات الممنوحة سبب كاف لخلق كثير من المتاعب التي تواجه قنوات التوزيع المعتمدة فيها، ولكن إلى أي درجة تأخذ شركات التصنيع هذه التحديات على محمل الجد في أسواق الشرق الأوسط؟ توجهت مجلة تشانل إلى مجموعة من شركات توفير هذه المنتجات التقنية في أسواق المنطقة لتسلط الضوء على المنهجيات التي تتبعها هذه الأطراف في مواجهة ممارسات الاستيراد الموازي وما إذا كانت لأسواق التجارة الرمادية أية أدوار إيجابية على مستوى قنوات التوزيع.
CHANNEL هنالك اعتقاد سائد في قنوات التوزيع أن نشاط السوق الرمادية يبدو أكثر سوء اليوم في أسواق الشرق الأوسط. ما هي برأيك الأسباب التي تقف وراء هذا الأمر؟
يوسف العريف: إننا نعتقد فعلا أن حال التجارة الرمادية يبدو أكثر “نشاطا” في هذه المنطقة من العالم. إذ يبدي شركاء إعادة البيع شغفهم في الحصول على أحدث التقنيات وتوفيرها في الأسواق المحلية في وقت مبكر جدا قدر المستطاع، وذلك لتقديمها لشريحة عملاء متعطشة لها في الأسواق، لكن الوقت الذي تستغرقه هذه المنتجات للوصول إلى أسواق المنطقة تبدو كافية لتوفرها عبر القنوات الرسمية والمعتمدة لها. وهذه تبدو أكثر الدوافع لشركاء إعادة البيع. إضافة إلى ذلك، يتسنى للبعض من شركاء إعادة البيع الاستفادة من بعض الصفقات المميزة التي يعرضها عليهم تجار من خارج أسواقهم بالاستفادة من تدني الأسعار المتاح. ويتحمل هؤلاء التجار كلفة تشغيلية أقل سيما عند البيع في أسواق تقع خارج نطاق الصلاحية الممنوحة لهم، مما يمكنهم من الاكتفاء بهوامش أرباح منخفضة نسبيا. فهم لا يتحملون أعباء وكلفة التواجد المحلي في الأسواق وتقديم الدعم لفترة ما بعد البيع نظرا لعدم استثمارهم في هذه الأسواق سواء من خلال توظيف الموارد أو الأموال. وهم يسعون عادة وراء فرص البيع السريعة والسهلة، وهو ما يجذب المشتري في كثير الأحيان.
فليكس باريتو: لقد شهدت الأسواق تغيرات ديناميكية كبيرة مقارنة بعدة سنوات سبقت حيث كان الوصول إلى أية فئة من المنتجات حول العالم متاحة لقاء الدفع النقدي. بيد أن التغيرات الاقتصادية التي طرأت خلال العام الماضي فرضت ضغوطا على اللاعبين الدوليين للبحث عن ميادين وأسواق جديدة يمكنهم تصريف مخزونهم من المنتجات وتسييل قيمتها نقديا.
خواجة سيف الدين: لم تعد مبيعات السوق الرمادية مقتصرة على أسواق الصين. فجميع شركات التصنيع مضطرة اليوم لمحاربة من يزاول هذه التجارة الرمادية ويسعى إلى توسيع نشاطه في أسواق آسيا والمحيط الهادئ، وشرق أوروبا، إضافة إلى الشرق الأوسط وأمريكا اللاتينية. ولا تتاح فرصة لبيع المنتجات في السوق الرمادية إلا في حال أتاح شركاء التوزيع المعتمدين المجال أمام تجار السوق الرمادية للتواجد في الأسواق والعمل على تلبية متطلباتها. وعندما لا تتوفر المنتجات الرسمية في الأسواق بصورة كافية، وعند وجود فوارق في الأسعار، أو أن هذه المنتجات تباع بأسعار أرخص كثير في أسواق أخرى، فإنك تجد أن تجارة السوق الرمادية تشهد رواجا كبيرا.
سانتوش فارغيز: ربما تعاني بعض شركات التصنيع من انتشار أنشطة السوق الرمادية، في حين أن “توشيبا” شهدت تراجعا كبيرا في عدد شركاء قنوات التوزيع الذين يتعاملون مع السوق الرمادية، وذلك بفضل مجموعة من البرامج التي تستهدف المستخدم وشركاء قنوات التوزيع والمعمول بها في مختلف أنحاء المنطقة. وقد تراجع عدد الشركاء المتعاملين مع المنتجات السوق الرمادية إلى ما هو دون 10%، مما يحد من تأثير هذه الممارسات على “توشيبا”.
نادر رجب: السبب الرئيسي يعود إلى الضغوط الكبيرة لتحقيق حجم الأعمال المنشود والحصة السوقية التي تتطلع إليها الشركة. فجميع أفراد فريق البيع يواجهون هذه التحديات على نحو يومي. وقد لا يتسنى له توفير عرض منافس من خلال تقديم السعر المغري لسوقه، لأنه ملزم بالحفاظ على مستوى الأسعار خلال الأشهر اللاحقة، لكنه قد لا يكترث لأسواق أخرى حيث تبدو الفرصة متاحة أمامه للعب على هذا الوتر. من جانب آخر، يحاول شركاء التوزيع تحقيق أرباحهم في أسرع فرصة ممكنة، وفي غياب الضوابط أو خطط الحوافز المغرية من قبل شركات التصنيع فإنه لن يمانع في شراء المنتجات من السوق الرمادية.
شاشانك شارما: يمكن لأنشطة التجارة الرمادية أن تشهد نشاطا في حال وجود فروقات على مستوى الأسعار أو توفر المنتجات ما بين الدول، وبسبب ذلك فإن التجار الاستغلاليين يلمسون فرصا لإطلاق العنان أمام أنشطة الاستيراد والتصدير عبر القنوات الرمادية. فالأمر مرتبط بالعلامة التجارية وجدية الشركات في الحفاظ على السمعة التوازن في الأسواق.
CHANNEL ما هي الخطوات التي اتخذتموها لمعالجة قضايا التجارة الرمادية ورواجها في أسواق الشرق الأوسط؟
ك.ف. نارايانان: أقدمت شركة “إتش بي” وخلال السنة الماضية على العديد من الخطوات باتجاه معالجة القضايا المتعلقة بالتجارة الرمادية ورواجها في أسواق الشرق الأوسط. بداية، حرصت على تتبع الأرقام التسلسلية والاحتفاظ بهذه الأرقام لمدة تمتد إلى عامين، وأصبح ذلك بندا أساسيا في جميع عقود “إتش بي”. كما عملت “إتش بي” الشرق الأوسط إلى فرض عدد من الغرامات الكبيرة وأنهت عقود كل من يثبت تورطه في أية ممارسات تجارة رمادية. وأخيرا، حرصنا على التواجد محليا في جميع الدول على مستوى المنطقة، وعملنا على تطوير كفاءة الشحن كي يتسنى إرسال شحنات المنتجات إلى هذه الدول، والتأكد من توفرها استجابة لحجم الطلب المحلي، إلى جانب تنظيم الأسعار ومراكز الخدمات. وقد أسهمت جميع هذه الخطوات في الحد من رواج أنشطة السوق الرمادية وتجارتها في أسواق الشرق الأوسط.
نادر رجب: أول ما يمكن القيام به هو تطوير خطة لتعزيز الولاء، ويجب أن تكون الأرباح هي القادة التي ترتكز عليها هذه الخطة. فعلينا أن نقنع شركاء التوزيع بالقيمة التي تضيفها لهم الأسواق الرسمية، وأن الدعم وخدمات ما بعد البيع هي أعلى قيمة حتى من الفروق التي تصل إلى 20% في الأسعار على مستوى السوق الرمادية. كما أننا نضيف خطط المكافآت المنافسة إلى ذلك، وكل شريك توزيع يفكر على المدى البعيد فإنه سيدير ظهره بالتأكيد لهذه الأسواق. ويتوجب علينا العمل على الارتقاء بمستوى الوعي لدى شركاء التوزيع.
سانتوش فارغيز: أطلقت “توشيبا” حملة بعنوان ” الدعم التام، لراحة البال التامة” بهدف معالجة هذه القضايا، والتي تسلط الضوء على مختلف المزايا التي تستفيد منها المنتجات الرسمية التي تحمل ملصق “معتمدة للبيع في أوروبا والشرق الأوسط وأفريقيا”. وتضم هذه المزايا: الضمان الإقليمي لمدة عام، تغطية كاملة ضد عيوب التصنيع، وزمن الاستجابة مضمونة من أربعة أيام عمل لجميع خدمات الضمان وتغطية قطع الغيار، والشحن وأجرة العمل. كما حرصت “توشيبا” على تصحيح الأسعار، وساعد برنامج الحوافز “الأرباح على الأداء” في التقليل من جدوى التعامل مع الموردين في السوق الرمادية.
دان سميث: تملك “زيروكس” فريقا تدقيق للتأكد من الالتزام بالشروط والأحكام يعمل بالتعاون مع شركاء التوزيع على التأكد من اكتشاف المستلزمات الاستهلاكية المقلدة أو التي تصل عبر السوق الرمادية كي يتسنى فيما بعد اتخاذ القرار المناسب بشأن ذلك. وتبقى الفرصة متاحة أمام شركائنا لتواصل مع هذا الفريق والتعاون معهم من أجل حماية العملاء من المستويات غير الملائمة من الجودة والخدمات التي تجلبها المنتجات المقلدة أو منتجات السوق الرمادية. بالإضافة إلى ذلك، تحرص “زيروكس” على التعاون مع الموظفين الحكوميين والجهات الرقابية – كالجمارك – إضافة إلى أية مجالس دولية للتحقيق في أية تطورات تشهدها الأسواق الرمادية أو الأسواق السوداء.
يوسف العريف: إننا نعمل في “بيلكن” على مواصلة السعي لتعزيز حضورنا في أسواق المنطقة كي نضمن توفر المنتجات في مختلف البلدان وذلك من خلال شركاء توزيع محليين فيها. ولقد نجحنا في تحقيق ذلك في عدد من الأسواق الرئيسية ونعمل بمنهجية استباقية على إتمام هذه المهمة في أسواق أخرى. كذلك، نعمل على تقديم المزايا المتاحة لشركاء إعادة البيع بما يتناسب مع الأسواق التي يعملون فيها، كي نضمن أن تقدم لهم بصورة جذابة ونتأكد من أنهم لن ينجذبون مطلقا إلى العروض المتاحة للشراء من القنوات غير المعتمدة.
شاشانك شارما: في “باكارد بيل”، نتطلع إلى الحفاظ على تماسك الأسعار وتوفر المنتجات، وهي إحدى أفضل الوسائل المتاحة لمواجهة التجارة الرمادية في أسواق الشرق الأوسط. كما أننا لا نفضل أن نغرق أية أسواق في المنطقة بكميات منتجات تفيض عن احتياجاتها منها، الأمر الذي قد يولد مزيدا من الضغوط.
CHANNEL إلى درجة يمكن أن تلعب سياسة تسعير المنتجات دورا في تشجيع أو الحد من ممارسات السوق الرمادية؟
دان سميث: إنه يعد الدافع الأساسي. فالحفاظ على سياسة سعرية مناسبة ومتوازنة حول العالم، مع أخذ عامل أسعار العمل وفروقاتها بعين الاعتبار قد يكون حلا ناجعا للحد من هذه الممارسات. وبالرغم من الأسباب الكثيرة التي تقف وراء رواج أنشطة السوق الرمادية، منها توفر المنتجات والتكامل في ما بين قنوات التوزيع، إلا أن السبب الجذري يعود في الغالب إلى وجود فارق كبير في الأسعار ما بين مختلف الدول.
فليكس باريتو: الأسعار تبقى من العوامل التي يمكن أن تسهم في نشاط السوق الرمادية، لكن هنالك حالات متفاوتة يمكن أن تفضي إلى هذه النتيجة، منها على سبيل المثال الحاجة الماسة إلى السيولة النقدية أو الإقدام على المغامرة في أسواق جديدة لأغراض توسيع مجال أنشطة الأعمال. كما يمكن أن يكون الدافع وراء هذه الممارسات هو إحجام الشركات عن خدمات الدعم لفترة ما بعد البيع أو عدم الاكتراث بذلك أو لأنها تقع تحت ضغوط تراكم كميات فائضة من المنتجات.
شاشانك شارما: تلعب الأسعار دورا في ذلك، هذا أمر مؤكد. إلا أن الفارق يجب أن يكون كبيرا بدرجة كافية تتيح للتجار إتمام تعاملاتهم وتحقيق أرباح منها. أما إن كان الفارق بسيطا فإن ذلك قد لا يتيح المجال أمام التجار للتفكير في ممارسات التجارة الرمادية.
خواجة سيف الدين: في نظرنا، فإن الأسعار تمثل أحد أهم الأسباب التي تقف خلف جميع أنشطة السوق الرمادية بشكل عام، ولما كنا نعتقد أن رواج أنشطة التجارة الرمادية ما هو إلا نتيجة لتباين الأسعار ما بين مختلف الأسواق الإقليمية، فإننا نحرص على إتباع سياسة أسعار متقاربة على مستوى العالم، بحيث تتوفر المنتجات في كل إقليم بكميات وأسعار مناسبة.
CHANNEL هل سبق وأن أقدمتم على اتخاذ أي إجراء ضد شركة ما لممارستها نشاطا في السوق الرمادية؟ ما هي صور العقوبات أو الإجراءات التي اتبعتموها في سبيل الحيلولة دون تكرار ذلك مرة أخرى؟
نادر رجب: يمكن أن تشهد الأسواق هذه الممارسات على نحو يومي، ولهذا فإننا نفضل التعامل مع هذه القضايا كل على حدة وبما ستناسب معها.
خواجة سيف الدين: لقد سبق وأن حدث ذلك منذ زمن بعيد، وقد تمكنا من السيطرة على الأمور وحصر الأضرار ووجهنا تحذيرا شديد اللهجة للمصدر المتورط في الأمر.
ك.ف. نارايانان: سبق لشركة “إتش بي” أن اتخذت في الماضي إجراء تمثل في إدراج أسماء بعض معيدي البيع على القائمة السوداء في المنطقة، كما حرصت الشركة على توضيح الأمر بكل فاعلية أمام الأسواق. بالإضافة إلى ذلك، فقد هؤلاء الشركاء نصيبهم من المكافآت المالية التي يتنيحها لهم برنامج شركاء “إتش بي” في الشرق الأوسط.
فليكس باريتو: في ما يتعلق بالإجراءات المتبعة، سبق وأن أدرجنا بعض الشركات على القائمة السوداء لدينا وقطعنا عنهم الإمدادات بالمنتجات. كما أن الجهة التي تعمل على تزودهم بهذه المنتجات تضع نفسها في موقف المساءلة على هذه الممارسات وتعرض نفسها لخطر قطع إمدادات المنتجات عنها.
CHANNEL هل يمكن أن تكون الأسواق الرمادية عاملا إيجابيا بحال من الأحوال بالنسبة لقنوات التوزيع؟
فليكس باريتو: من وجهة نظر قنوات التوزيع، إن لم تكن المنتجات حاضرة في منطقة معينة فإن تدفق المنتجات عبر هذه القنوات يمكن أن يساعد في تطوير السوق للمنتج ومنحه فرصة الانتشار، وحجز حصة له في هذه السوق.
ك.ف. نارايانان: لا يمكن اعتبار السوق الرمادية أحد الحلول المجدية إن كانت قنوات التوزيع تتطلع إلى التأثير إيجابيا على المنطقة. فهنالك العديد من الوسائل الأخرى التي يمكن من خلالها العمل على مبادرات أكثر إيجابية لضمان توفر الانتشار المناسب للمنتجات وتوفيرها أمام المستهلك.
يوسف العريف: في بعض الحالات، أجل. حين لا تكون العلامة التجارية حاضرة بالفعل في السوق المحلية، فإن التجارة الرمادية يمكن أن تسهم في إيجاد الطلب على هذه المنتجات من قبل شركاء إعادة البيع والمستخدمين النهائيين. هذا ما قد يوفر فرصة لشركاء التوزيع المعتمدين كي يعملوا على الاستجابة لهذا الطلب.
دان سميث: تلتزم “زيروكس” بتدقيم الدعم لشركائنا في قنوات التوزيع وفق نموذج أعمال طويلة المدى، يضمن في الوقت ذاته تحقيق رضا المستخدم النهائي. وعلى هذا الصعيد، لا أتخيل أن السوق الرمادية يمكن أن تلعب أي أدوار إيجابية.
