Posted inتكنولوجيا

هل تهدد التقنية الوظائف وتنذر الآلاف بالبطالة في العالم العربي؟

ذات يوم بعيد كان يكفي جهدك العضلي لأداء عمل ليقال أنك تكسب قوتك بعرق جبينك فعلا. ويبدو أن ايام الجهد العضلي ووظائف الكد في العمل قد انتهت إلى أدنى درجات العمل الوظيفي.

هل تهدد التقنية الوظائف وتنذر الآلاف بالبطالة في العالم العربي؟

ذات يوم بعيد كان يكفي جهدك العضلي لأداء عمل ليقال أنك تكسب قوتك بعرق جبينك فعلا. ويبدو أن ايام الجهد العضلي ووظائف الكد في العمل قد انتهت إلى أدنى درجات العمل الوظيفي.

لا بد في البداية من أن ألفت نظر القراء الكرام إلى أنه لا يوجد أحكام مطلقة ولا نتائج ولا وصفات فاصلة في مواجهة معضلة الحاجة إلى خلق المزيد من الوظائف إلى جانب زيادة الاعتماد على وسائل التقنية والتحول الرقمي. فالقضية تستلزم دراسات مطولة تتفاوت وتختلف في كل بلد، ولكن هناك سمات عامة نستكشفها هنا لتلمس حجم المشكلة.

انطلاقا من المسلمات التي تفيد أنه لا رجوع عن تبني الحلول التقنية المتقدمة في مختلف القطاعات الاقتصادية لدى دول المنطقة العربية، فإن المشكلة تكمن في كيفية ضمان نجاح هذا التحول بأقل الخسائر والتداعيات.

إذا نظرنا كيف حلت الإنترنت بدلا من مكاتب السفر وحجوزات الطيران ووسطاء العقارات وعشرات من الوظائف الروتينية الأخرى، سيسهل القفز نحو استنتاج مثير وهو أن الإنترنت والتقنية عموما تخلف جيشا جرارا من العاطلين عن العمل.

لكن يرى البعض أن التقنية تأتي على الوظائف الروتينية من عامل بدالة الهاتف وغيره وتؤسس وظائف من أنواع جديدة، فهل نحن مستعدون لها إن صح ذلك؟

تولد التقنية أصنافا جديدة من الوظائف التي تعتمد على المعرفة والتي لم تكن تدرج عادة في إعلانات الصحف ولا تقود إليها مباشرة شهادات الجامعات في التخصصات القليلة المألوفة.

فهذه التخصصات الجديدة نسبيا تعنى بتفاصيل يصعب توصيفها بتصنيفات عامة فهي تضفي قيمة كبيرة على أي منتج وتشمل مجالات مثل التحليل التسويق والتصميم والاستشارات وغيرها من مهام القطاعات الخدمية المختلفة. فحين تجد أي منتج تقني سواء كان برنامجا أو حتى جهازا قد يجري تصنيعه من قبل شركة صينية لكن مصممه الأمريكي يجني معظم الأرباح رغم أن المبرمج قد يكون من روسيا و قد تكون الشركة المصنعة في الصين.

لكن النصيب الأكبر من الأرباح سيكون لمن صممه، كما هو الحال مع أجهزة آي فون أو آي بود التي صممتها شركة أبل وقامت شركة فوكس كون أو غيرها من الشركات الصينية بتصنيعها.

في الولايات المتحدة، بل في الصين أيضا، هناك مصانع ضخمة لا يعمل فيها أكثر من شخصين للإشراف على عمل أجهزة الروبوت، ومع زيادة الإنتاجية تتقلص فرص التوظيف بسبب انعدام الحاجة للعمل اليدوي مع وجود التقنية، كما هو الحال في الزراعة والتصنيع وغيرها من القطاعات الاقتصادية. وحسب أرقام وزارة العمل الأمريكية فإنه قبل قرن من الآن كان 30% من الأمريكيين يعملون في الزراعة بينما لا يمثل هؤلاء اليوم سوى 5% رغم أن حجم المحاصيل الزراعية الأمريكية زاد عشرات الأضعاف. جاءت هذه التحولات بفضل التطور التقني والكفاءة العالية في مختلف مجالات العمل الزراعي. وينسحب ما حصل في الزراعة على عالم التصنيع حيث زاد الناتج الصناعي عدة أضعاف مع تقلص عدد العاملين في ذلك القطاع في مختلف أنحاء العالم.

لكن مع ذلك لا يوجد حتى اليوم طابور هائل من العاطلين عن العمل، لأن التقنية ولدت أيضا أنواعا جديدة من الوظائف التي لن يراها المتشائمون من التقنية ممن يتمسكون بتنفيذ كل الأعمال عبر الطرق التقليدية ويمانعون في تبني أي تغيير لها.

لكن المقلق فعلا هو أن مختلف دول العالم ستخضع لذات التحولات التي شهدتها وتشهدها الدول “الصناعية” الكبرى مثل الولايات المتحدة (لعل عبارة الدول الصناعية ستفقد معناها قريبا جدا).

وفي الدول النامية ستعاني فئات المجتمعات الفقيرة ذات التعليم الأقل تطورا من هذه التحولات المؤلمة التي تعاني أصلا من انفجارا سكاني بين هؤلاء الأقل تعليما. هل هناك ما يسمى “استعمار تقني” يحتكر القدرة على الدخول والمنافسة فيما يسمى الاقتصاد العالمي الجديد، أمام كبرى الشركات الأمريكية؟ لنأخذ وظيفة تقنية تقليدية نوعا ما، ولتكن المبرمج. فلكي يتمكن هذا المبرمج عندنا من تطوير أدوات تحقق له مردودا كبيرا، فسوف يحتاج لمبلغ كبير لشراء جهاز كمبيوتر فضلا عن الاستثمار بأدوات البرمجة الخاصة به لكي يجتاز المرحلة الأولية قبل الدخول إلى سوق برامج التي يسهل دخولها فقط أمام أي طالب جامعة في الولايات المتحدة أو الدول الغربية الأخرى.

تمثل هذه الكلفة عائقا كبيرا إلى جانب الحاجز اللغوي والمتطلبات التقنية الأخرى. فكم من مشروع تقنية عربي تعثر في المهد بسبب الافتقار إلى سرعة الوصول لأصحاب المهارات التقنية مثل المطورين ومهندسي البرامج وغيرهم ممن يمكنهم بسهولة إنشاء مواقع إنترنت متطورة بقدرات متقدمة مثل الدفع وتحصيل الرسوم إلخ.

ويبدو من هذا المثال أن دخول السوق التقنية صمما ليكون محصورا باللاعبين الكبار، بالرغم من الفرص الكثيرة التي أضاعتها بعض الحكومات والشركات العربية التي لم تتقن قواعد هذه.

في ضوء ذلك ليس من المستغرب أن تظهر الأمور قاتمة نوعا ما في نتائج الاستبيانات، ففي مسح أجرته سيلاتيك- غالوب مؤخرا، تبين أن العوائق التي تواجه الشباب في سعيهم للحصول على وظيفة هي النقص الحاد في عدد الوظائف اللائقة مع الحاجة إلى معارف أو “واسطة”. أشار 58% من الشبان العرب إلى أنهم مستعدون للسفر سعيا وراء الوظيفة المناسبة. وأجاب غالبية هؤلاء إلى أن أهم ناحية للحصول على وظيفة هي معرفة شخصية أو “عبر واسطة” بكبار موظفي الشركات والمؤسسات. وهناك أيضا عوائق أخرى مثل الافتقار للتدريب المناسب إلى جانب قلة الوظائف الشاغرة. وفي الجانب المشرق حلت الإمارات (تليها قطر والكويت) بين أعلى الدول العربية التي يشعر فيها المشاركون في الاستطلاع بالرضا عن جهود توفير فرص عمل جديدة، وكانت نسبة هؤلاء حوالي 69% بين حلت العراق بين أدنى الدول من ناحية رضا المشاركين بالدراسة فكانت نسبة الرضا عن أداء الحكومة في خلق الوظائف الجديدة، حوالي 10% فقط.

ورغم أنه لا جدال على أولوية التحول الرقمي إلا أنه لا يجب أن يكون اندفاعا يفتقر فيه أصحاب القرار إلى فهم متكامل ودراية كافية لتبعات ذلك التحول. فالتبصر هنا أكثر من ضروري لدرء كل الثغرات التي ستنتج حتما عن طريقة تنفيذ غير متأنية.

حيث تبنى المشاريع التقنية ويؤسس ما يسمى اقتصاد المعرفة ومجتمع المعرفة الذي تكاد تكتمل كل العناصر التقنية فيه عدا الجانب البشري لا يزال بعيدا عن دائرة الاهتمام الفعلي من بعض الاستشاريين والخبراء الذين يكتفون بطلب عقد الصفقات الخيالية على أن تستكمل متطلبات الجانب البشري لاحقا. أما البداية الصحيحة للتحول الرقمي الناجح فلا بد أن تبدأ بالنظام التعليمي بدأ من التعليم الأساسي وحتى الجامعي. ولا يستدعي ذلك مجرد تعديلات بسيطة بل هناك حاجة قصوى لإجراء تغيير جذري وشامل دون أدنى تأخير.