لاحظنا أنك تحجب الإعلانات

واصل دعمك للصحافة اللائقة بتعطيل أدوات حجب الإعلانات

في حال وجود استفسار عن سبب ظهور هذه الرسالة ، اتصل بنا

حجم الخط

- Aa +

Sun 25 Aug 2013 12:02 PM

حجم الخط

- Aa +

خطورة التشهير في عصر الإنترنت

التواصل الاجتماعي اقتحم حياة العرب من جميع الاتجاهات، سواء في المجال العام أو الأعمال والتسويق أو في المجال الخاص والعائلي. وأصبح وسيلة للتواصل بين الأشخاص ومع المؤسسات. يخلق ذلك معادلة جديدة حيث الحياة الخاصة للأفراد تلاصق ساحة عامة رقمية. المعضلة تكمن في إطار قانوني وحقوقي تمت بلورته منذ عدة عقود في عالم لا يعرف سوى وسائل الإعلام المركزية. من هنا ظهر خطر جديد على سمعة وصورة أي شخص أو مؤسسة: الشخص الآخر المتصل بشبكة الإنترنت دائما وأبدا.

خطورة التشهير في عصر الإنترنت
العقوبات التي يتعرض لها المُشهر جادة ورادعة قد تصل إلى الحبس لسنتين وتغريمه 20.000 درهم.

التواصل الاجتماعي اقتحم حياة العرب من جميع الاتجاهات، سواء في المجال العام أو الأعمال والتسويق أو في المجال الخاص والعائلي. وأصبح وسيلة للتواصل بين الأشخاص ومع المؤسسات. يخلق ذلك معادلة جديدة حيث الحياة الخاصة للأفراد تلاصق ساحة عامة رقمية. المعضلة تكمن في إطار قانوني وحقوقي تمت بلورته منذ عدة عقود في عالم لا يعرف سوى وسائل الإعلام المركزية. من هنا ظهر خطر جديد على سمعة وصورة أي شخص أو مؤسسة: الشخص الآخر المتصل بشبكة الإنترنت دائما وأبدا.

تظهر آخر الإحصائيات تنامي استخدام وسائل التواصل الاجتماعي في المجتمعات العربية بشكل واسع. فوفقا لموقع Go-Gulf.com أكثر من 40 % من سكان المنطقة متصلون بشبكة الإنترنت و88 % من هؤلاء يستخدمون شبكات التواصل الاجتماعي المختلفة بشكل فعال. ويظهر تخلخل ثقافة الإنترنت والتواصل الاجتماعي بشكل متميز في الإمارات العربية المتحدة. كما أن له خصوصيات مثل ارتفاع نسب الاستخدام لغرض مهني: فشبكة التواصل المهني LinkedIn على وجه المثال أكثر انتشارا من تويتر بأربعة أضعاف. مما يترتب عليه أيضا تأثر العمل والأسواق بالسمعة الافتراضية.

على صعيد آخر، ترسخ مبدأ تدوين الحياة اليومية عند الأفراد دون وعي كبير بالمسئولية تجاه الآخرين خلال ممارسة تلك العادة. أو بمفهومات مغلوطة عن طبيعة تلك المسئولية. فعلى سبيل المثال تخيل أحد المارة أنه يؤدي خدمة للمجتمع حين قام بتصوير مشاجرة ونشرها على وسائل التواصل الاجتماعي ولم يعي بخرقه لعدة قوانين إبان تلك الحادثة ويتورط في ما يعتبره القانون تشهيرا بالآخرين.

فحق الإنسان في احترام سمعته من قبل الآخرين حق أصيل وثابت. والقدرة التقنية على تصوير الأشخاص في أي مكان أو وبث معلوماتهم (سواء حقيقية أو كاذبة) لا يترتب عليها عليها تغيرا في حق الإنسان في احترام سمعته. لذلك وجب الحذر عند التعرض للآخرين على الشبكة العنكبوتية والإدراك الكامل لحقوقهم عملا بالمقولة الشهيرة «حريتك تنتهي عندما تبدأ حرية الآخرين».

عند التعرض للسمعة عبر شبكة الإنترنت، لهم الحق في اللجوء إلى قوة القانون للدفاع عن سمعتهم في جميع الحالات، وذلك حتى إذا ما كان المنشور عنهم حقيقي أو يدينهم بشكل ما. فتلك التصرفات لا تخل فقط بالقوانين والأعراف المحلية، وانما تمس الحقوق الأساسية المذكورة في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان. فالمادة 12 تحمينا جميعا من أي « تدخل تعسفي في حياته الخاصة أو أسرته أو مسكنه أو مراسلاته أو لحملات على شرفه وسمعته، ولكل شخص الحق في حماية القانون من مثل هذا التدخل أو تلك الحملات». لذا يتوجب على السلطات مجابهة تلك الأفعال التشهيرية وردعها بقوة القانون. وهذا يسري أيضا في حال أن الشخص المشهر به ارتكب خطأ حيث أن الحق في الحياة الخاصة واحترام السمعة المذكور لا يسقط عنه، كما يضاف إليه مبدأ احترام حق الدفاع وافتراض براءة الشخص حتى تتم إدانته قضائيا وفقا للمادة 11 من ذات الإعلان.

لذلك عند تسجيل حادثة لا يجوز في أي حال نشرها أو حتى تبادلها بين الأصدقاء والأقارب قبل البت فيها، لما يحمله ذلك من عواقب ضارة لجميع الأطراف. من المفترض اللجوء إلى الشرطة وإمدادهم بالتسجيل بدلا من نشره والتشهير بالمتورطين، كي لا يتحول الشخص من متعاون مع السلطات إلى متهم.

حماية حق الصورة في الإمارات

يجري التحقيق في قضايا التشهير والمساس بالسمعة في الإمارات بموجب قانون العقوبات في فصله الخاص بالجرائم الواقعة على السمعة، السب والقذف وإفضاء الأسرار. ويتسع التوصيف القانوني للتشهير ليشمل نوعان من التشهير، بموجب المادتين 372 و373 من النسخة المعدّلة من قانون الاتحاد الإماراتي رقم 3 الصادر عام 1987 (قانون العقوبات). حيث تنصّ المادة 372 على أي إعلان عام يعرّض الضحية للكراهية والازدراء العام، فيما تنص المادة 373 على أي اتهام خاطئ يمسّ بشرف الضحية أو يشوّه سمعتها في نظر الرأي العام.

وجريمة التشهير لا تمس مرتكبها وضحيتها فقط، إنما يمكن أن تعصف عواقبها بالمؤسسة التي يعمل بها. وتنوه المحامية ريبيكا كيلي الشريكة في مكتب «كلايد أند كو» الاستشاري القانوني العالمي إلى أن « مع زيادة عدد مستخدمي وسائط الإعلام الاجتماعي، شهدنا زيادة في النزاعات الناشئة عن الطبيعة العلنية للتعليقات، بما فيها شكاوى عن اختراق الخصوصية، والتشهير، والجرائم الإلكترونية».

وتشدد أن أصحاب الأعمال والشركات يتحملون جزئا من المسئولية لتوعية موظفيهم بأحكام القانون بهذا الصدد و «أن تعدّل وتحدّث أي سياسات لديها حول استعمال الإنترنت لتحديد شروط استخدام وسائل الإعلام الاجتماعي، وتوفير التدريب والإرشاد لموظفيها حول أساليب التعليق المناسبة والمسئولة في الإمارات». وأن صاحب العمل سيضار، بطبيعة الأمور، إذا ما قُدّمت شكوى ضد أحد الموظفين الوافدين، بصفته كفيله الضامن للعيش والعمل في الإمارات (علما بأن دستور الدولة يكفل للأجانب كافة الحقوق والحريات المنصوص عليها في المعاهدات والمواثيق الدولية). كما تشير على وجه المثال إلى احتمالية وجوب النفاذ إلى حواسيب الشركة في إطار التحقيقات. وتنبه بشكل خاص من المواقف التي تعتبر فيها «آراء الموظّف المعني صادرة بالنيابة عن صاحب العمل، يمكن في هذه الحال أن توجّه الشكوى الجنائية إلى صاحب العمل بالإضافة إلى الموظّف الذي نشر التعليقات التشهيرية».

العقوبات التي يتعرض لها المُشهر جادة ورادعة قد تصل إلى الحبس لسنتين وتغريمه 20.000 درهم. وحتى إذا لم يثبت اكتمال أركان جريمة التشهير يمكن للمدعي أن يطالب بحقه المدني في شكل تعويض إذا كانت التصريحات المنظورة قد ألحقت به الأذى، شرط أن يثبت الضرر. ومن العوامل في تشديد الأحكام اقتراف التشهير بحق الموظفين العوام في إطار مهامهم، أو خدش سمعة العائلات، أو لهدف غير مشروع (كالابتزاز أو الاحتيال أو تهديد الأمن العام) أو عن طريق الصحف والمطبوعات. كما أن ازدراء الأديان أو الاعتداء عليها بأي وسيلة كانت (بما فيه نشر التعليقات التي تمس الأديان على تويتر وفيسبوك) يُعد جريمة تؤدي إلى السجن لمدة قد تبلغ 7 سنوات.

تأمين وسائل التواصل الاجتماعي حماية للمجتمع

الفارق بين متطلبات مكافحة الجريمة الإلكترونية قبل وبعد اكتساح وسائل التواصل الاجتماعي شاسع. لذلك عنى المشرع في دولة الإمارات العربية المتحدة تحديث القوانين بهذا الصدد للتماشي مع التطورات. حيث أصدر صاحب السمو رئيس دولة الإمارات الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان مرسوما بقانون اتحادي رقم 5 لسنة 2012 في شأن مكافحة جرائم تقنية المعلومات، لتعديل ما ورد في القانون الاتحادي رقم 2 لسنة 2006 في شأن مكافحة جرائم تقنية المعلومات.

وتضمن المرسوم العديد من المواد التي من شأنها توفير الحماية القانونية لخصوصية ما يتم نشره وتداوله على الشبكة المعلوماتية. كما يعاقب كل من ابتز أو هدد شخصا آخر لحمله على القيام بفعل أو الامتناع عنه، وذلك باستخدام شبكة معلوماتية أو وسيلة تقنية معلومات. وتضمن إشارة واضحة للتشهير وأكد تجريم «كل من سب الغير أو أسند إليه واقعة من شأنها أن تجعله محلا للعقاب أو الازدراء من قبل الآخرين باستخدام شبكة معلوماتية أو إحدى وسائل تقنية المعلومات».

كما تضمن المرسوم بقانون معاقبة «كل من استخدم شبكة معلوماتية أو إحدى وسائل تقنية المعلومات في الاعتداء على خصوصية شخص سواء عن طريق استراق السمع أو اعتراض أو تسجيل أو بث أو إفشاء محادثات أو اتصالات أو مواد صوتية أو مرئية، أو التقاط صور للغير أو إعداد صور الكترونية أو نقلها أو كشفها أو نسخها أو الاحتفاظ بها أو نشر أخبار أو صور الكترونية أو صور فوتوغرافية أو مشاهد أو تعليقات أو بيانات أو معلومات ولو كانت صحيحة وحقيقة».

وفي حين أن القوانين صارمة في وجهة نظر البعض، إلا أنها توفر حماية متميزة لصورة وسمعة الأشخاص والمؤسسات المتواجدين في الإمارات. وذلك لسهولة الإساءة وسرعة اتساع دائرة من يطلعون عليها عندما تتم من خلال شبكات التواصل الاجتماعي مما يضاعف من تضرر المجني عليه.

الكلفة الباهظة للتشهير والإهانة عبر وسائل التواصل الاجتماعي تصدرت عناوين الصحف في المملكة المتحدة العام الماضي عقب انتحار طفلة تدعى هانا سميث بسبب التعدي عليها عبر شبكة التواصل الاجتماعي Ask.fm. وهي رابع مراهقة بريطانية تلجأ إلى الانتحار في ظروف مماثلة. حينها شدد القائمين على الموقع أنهم يشجعون الإبلاغ عن المخالفات من خلال الأزرار المتاحة لذلك أو من خلال الاتصال بالعاملين عليه». ينطبق ذلك على معظم وسائل التواصل الاجتماعي حيث يمكن تبليغ الموقع بتلك الانتهاكات ووقفها. لكن معظم ضحايا التشهير لا يقدمون على تلك الخطوة كما أنهم لا يجرؤون على الشكوى للسلطات من ما لجرائم التعرض للسمعة لأثر نفسي مدمر لثقة ضحاياها بأنفسهم.

أن تلك الظواهر يجب محاربتها من قبل المجتمع والدولة في رأي معظم الخبراء. ويرى بعضهم أن المنع هو الحل في حين يشدد البعض الآخر على أهمية التوعية خاصةً عند الناشئين. على الأرجح أن تكون الإجابة الصحيحة كلاهما، بالإضافة إلى محاربة فكرة الإفلات من العقاب طالما تم التشهير الكترونيا وتوحيد إدانة المجتمع للتعرض إلى السمعة سواء في الواقع اليومي أو العالم الافتراضي. فتفعيل قوة القانون بجدية حيال المُشهر له أثر على التوعية عن طريق تبيين حالات واقعية للتعديات وعواقبها. لذلك من أهم مميزات تعامل القانون الإماراتي مع تلك الجرائم أنه يردعها سواء تمت عبر الأثير الالكتروني أو خارجه.