Posted inتكنولوجيا

ماذا ستفعل بالاتصال السريع عبر الإنترنت؟

ليست منتجات وخدمات تقنية المعلومات والاتصالات غاية في حد ذاتها بل هي وسيلة تحتاج للمزيد من الاستثمارات الحكومية والخاصة لتحقيق الاستفادة الكاملة منها.

ماذا ستفعل بالاتصال السريع عبر الإنترنت؟

ليست منتجات وخدمات تقنية المعلومات والاتصالات غاية في حد ذاتها بل هي وسيلة تحتاج للمزيد من الاستثمارات الحكومية والخاصة لتحقيق الاستفادة الكاملة منها، وإلا فإن ما يترتب على مخاطر الفجوة الرقمية يفوق فظاعة عن خيال أكثر المتشائمين حيال هذه القضية الحيوية.

يتسابق حاليا خبراء الاقتصاد والتقنية والإعلام في لفت الانتباه إلى أهمية قطاعاتهم لتجاوز الأزمة الاقتصادية الراهنة.

ويبدو أن كلا منهم لديه بعض الحجج المنطقية. هاهو جون تشامبرز رئيس شركة سيسكو يقارن بين دور الطرق الحديثة والسريعة عندما ساهمت في إحداث ثورة في الاقتصاد، ودور الموجة الواسعة التي تؤمن اتصالات سريعة عبر الإنترنت لتحفيز النمو الاقتصادي والعمل التعاوني وتقديم خدمات كثيرة مثل الاستشارات الصحية عن بعد telemedicine.

لكن أي من ذلك لن يتحقق دون قدرات الاتصال السريع بالصوت والصورة في المنزل وفي العمل، كما هو الحال عند تقديم الاستشارات الطبية والقدرة على تشخيص الأمراض من خلال مشاهدة أعراض المرض عبر الكاميرات.

ولكن تثار تساؤلات عديدة مع بداية توفر خدمات الاتصال السريعة بالإنترنت، مثل تلك التي طرحتها شركة الاتصالات الإماراتية مؤخرا، والتي تصل سرعتها إلى 16 ميغابت بالثانية لقاء رسوم معقولة (حوالي 500 درهم).

فما الذي ستفعله بذلك الاتصال السريع أولا؟ وهل هناك خدمات ومحتوى للاستفادة من تلك السعة الكبيرة؟ نعم، ستقوم بتنزيل بعض ملفات الفيديو والموسيقى والبرامج وغيرها، وبعد ذلك، وماذا بعد؟ ألا تحتاج لتطبيقات ومحتوى يناسب سرعة الاتصال العالية للاستخدام اليومي؟

فمثلا، حين تتوفر في كوريا سرعات تصل إلى حوالي 50 ميغابت بالثانية فإن حركة البيانات فيها توازي ما يتم تبادله من بيانات في الولايات المتحدة كلها، وفقا لدراسة صدرت مؤخرا لمؤسسة ابتكارات تقنية المعلومات itif.org .

تشير تلك المؤسسة إلى أن الاتصال السريع الذي سيتوفر في المنازل في الولايات المتحدة سيزيد عدد الموظفين العاملين في منازلهم إلى 19 مليون بحلول العام 2012 ويوفر حوالي ملياري ساعة تضيع للانتقال من وإلى موقع العمل.

ويساهم ذلك في رفع كفاءة الاقتصاد والابتكار والإنتاجية فضلا عن توفير فرص عمل بأعداد كبيرة. فهل أصبحت إدارات الشركات والمؤسسات العربية واعية لهذه المكاسب وهل يمكنها الاستفادة من عقلية العمل الجديدة؟

وعدا عن الاستخدامات العامة والخدمات الحكومية والتجارية التي تعتمد على توفر الموجة الواسعة، هناك الجانب الترفيهي. فقد بدأت شركات تصنيع التلفزيون مثلا، بطرح أجهزة تلفزيون معدة للاتصال بالإنترنت، إلى جانب أجهزة استهلاكية أخرى لأغراض مشابهة مثل كاميرات للاتصالات الهاتفية بالصوت والصورة وما إلى ذلك.

لكن الترفيه الرقمي عبر الموجة الواسعة قد يتعثر في حال قامت الأقنية التلفزيونية بالوقوع بالخطأ القديم وهو إعادة تدوير ما لديها من برامج لإعادة تقديمها عبر الإنترنت مع الإعلانات ذاتها بعد بثها تلفزيونيا عبر الأثير أو الأقمار الاصطناعية للتلفزيون لتصبح على شكل فيديو حسب الطلب لمن فاتته مشاهدة برامجه المفضلة على التلفزيون.

وللأسف يغري ذلك الكثير من المحطات التلفزيونية بدلا من تنويع الإنتاج التلفزيوني لتقديم محتوى مخصص حصريا للإنترنت من خلال زيادة تنوع التغطية الإخبارية مثلا، أو تقديم مواد فريدة للموجة الواسعة أي عبر الإنترنت.

ومن المؤكد أن هؤلاء سيهدرون هذه الفرصة الذهبية التي تستغلها حاليا بعض من أهم المؤسسات الإعلامية في الغرب مثل بي بي سي و ITV.com، وغيرها من مؤسسات رائدة في هذا المجال الذي سيتحول إلى سوق ضخمة قريبا.

وليست هذه الأمثلة هنا دعاية مجانية ولا دعوة مبطنة لتقليد هذه المواقع والخدمات، فذلك سيفشل حتما لأن متطلبات وحاجات وأذواق كل سوق تختلف تماما عن غيرها مهما سعى المغامرون من هواة التقليد الأعمى. فهناك أحوال مختلفة تماما في المنطقة العربية.

وحتى عندما تتشابه المشاكل فإن أسبابها تكون مختلفة.

فالبطالة التي تطحن قرابة 20 مليون مواطن (عدا عن المواطنات) في العالم العربي سببها صعوبة التغلب على الأمية فضلا عن الأمية المعلوماتية.

وتتيح منتجات وخدمات تقنية المعلومات والاتصالات وسيلة معقولة لإعادة تأهيل الساعين إلى دخول سوق العمل وتزويدهم بالمهارات والمؤهلات المطلوبة مهما تنوعت.

فتقنية المعلومات أصبحت تدخل في صميم مختلف العمليات الاقتصادية بل دخلت في صميم الأعمال التقليدية مثل صيانة وإصلاح السيارت، ففي كل مفتاح سيارة حديثة تقريبا أصبح هناك شريحة إلكترونية تحتاج للبرمجة.

وللأسف تستسهل رؤوس الأموال العربية الاستثمار في تقنيات الترفيه والخدمات الهامشية ذات العائد المضمون بدلا من الاستثمار المجزي، على المدى البعيد، في التأهيل والتدريب المتطور للكوادر المحلية.

ورغم ندرة مبادرات المستثمرين العرب في دعم التدريب وتطوير مهارات الشباب، إلا أن عددا قليلا من هذه المبادرات تكشف جدية كبيرة لا ترسخ سمعة هذه الشركات فقط بل تقوي دعائمها وتضمن نجاحها على المدى البعيد. ويشير كبار الخبراء في إدارة الشركات أن الشركات التي لا تكتفي بالمبادرات الشكلية في التعامل الإيجابي مع مسؤولياتها الاجتماعية، هي الاستثمار الأمثل على المدى البعيد.

وبينما يتوفر أمام مستخدمي الإنترنت في الغرب فيض واسع على الإنترنت لاكتساب وتحديث المهارات المهنية، تبقى هذه عصية على من يحتاجها في العالم العربي بسبب الحواجز اللغوية والتقنية وغير ذلك.

وحين يفد إلى بعض الدول العربية بعض المحتالين الأجانب يتمكن هؤلاء من نهب أموال طائلة من حسابات البنوك بسبب الخبرات العالية المتوفرة في بلادهم في المجال التقني واستغلالهم للثغرات التقنية في دول المنطقة.

قريبا جدا ستتحول الفجوة الرقمية إلى هوة هائلة خاصة مع قدوم أجهزة كمبيوتر فائق الاداء (سوبر كمبيوتر) بفضل المعالجات متعددة النوى واتصالات الإنترنت السريعة جدا، وذلك دون توفر أي مهارة تقنية تستفيد من هذه القدرات التقنية الهائلة سواء كان ذلك في تطوير برامج أو خدمات تستفيد فعليا منها.

وعلى الجانب الآخر تتسارع وتيرة التحول الرقمي في قطاع الشركات والقطاع الحكومي والاعتماد على أنظمة تقنية المعلومات، وهو أمر جيد لو واكبه تدريب وتطوير مهارات الطلاب وأصحاب المؤهلات الساعين إلى دخول سوق العمل. وبدون ذلك سيكون الأمر أشبه بشراء أغلى السيارات في العالم دون توفر طريق سريع لها ولا من يقودها.

فحين يكون لديك سلاح لا تتقنه سيكون من السهل أن يوجه ضدك من قبل من يتقن فنون اللعبة.