لاحظنا أنك تحجب الإعلانات

واصل دعمك للصحافة اللائقة بتعطيل أدوات حجب الإعلانات

في حال وجود استفسار عن سبب ظهور هذه الرسالة ، اتصل بنا

حجم الخط

- Aa +

Thu 16 Jun 2016 09:18 AM

حجم الخط

- Aa +

وداعاً مصبّح

وداعاً لرائد الصحافة الإماراتية، وصاحب أول مشروع صحفي فيها: مصبح عبيد الظاهري، الذي انتقل إلى جوار ربه تعالى، بتاريخ 11 يونيو/حزيران الجاري.فللراحل العزيز قصص تروى، يضاف إليها حسه الفكاهي الشيق، وحبه لوطنه ولأقرباءه، وعطفه عليهم، وفوق ذلك حبه للناس جميعاً، واعترافه بجميل من رباه وعلمه القراءة وأحسن إليه.

وداعاً مصبّح
أنيس ديوب

وداعاً لرائد الصحافة الإماراتية، وصاحب أول مشروع صحفي فيها: مصبح عبيد الظاهري، الذي انتقل إلى جوار ربه تعالى، بتاريخ 11 يونيو/حزيران الجاري. فللراحل العزيز قصص تروى، يضاف إليها حسه الفكاهي الشيق، وحبه لوطنه ولأقرباءه، وعطفه عليهم، وفوق ذلك حبه للناس جميعاً، واعترافه بجميل من رباه وعلمه القراءة وأحسن إليه. 

 

فالرائد الراحل، ولد سنة 1896، وبدأت علاقته بالكتابة منذ أكثر من 80 عاماً، وبالتحديد في عام 1934، عندما علّق على واجهة المقهى الوحيد في سوق مدينة العين الإماراتية القديم قطعة من الورق المقوى من بقايا الكرتون الذي تخزن به المواد الغذائية، اسمها «النخي» وهو اسم مأخوذ من الحمص المسلوق الذي كان يبيعه في المقهى لرواده من الفقراء والعمال والمغتربين.

فقد روى الظاهري في ذكرياته أن مقهى النخي، كان مكان التجمع الوحيد لأبناء مدينة العين الذين كانوا يأتون لشرب الشاي والسهر تحت ضوء القمر من مناطق الجاهلي والمويجعي والمعترض والبريمي، إضافة إلى عدد من العسكر الإنجليز، مضيفاً: كانوا أيام البرد يلتحفون أكياس الرز الخالية، ويفترشون بقايا علب الكرتون، حيث كانوا يتبادلون القصص والحكايات والأشعار حتى أذان العشاء. وقد خطر بباله كتابة بعض الأخبار التي كانت ترد من دول الجوار، ومن المسافرين وبعض الأشعار والحكم على قطع الكرتون ويعلّقها أمام المقهى، حيث يقرؤها الزبائن. وقد لاقت رواجاً بينهم، فكلما سمع بخبر أو قصة كتبها في جريدته التي لم تصل أبداً إلى مرحلة الطباعة، لكنها كانت اللبنة الأولى في تاريخ الصحافة الإماراتية. وحسب ما قرأت فقد كان الظاهري، إلى جانب كونه رائد الصحافة في الإمارات، أول من بنى بناية من الطين وسعف النخيل، وأول من افتتح مغسلة للثياب، وأول من افتتح مقهى شعبياً،

وأول من أدخل الأسطوانة الموسيقية والمذياع للبلاد، حيث كان الناس يتجمعون حول المذياع وهم يتوجسون خيفة منه، ظناً منهم أن بداخله جنّياً. وقد نقلت صحيفة «الإمارات اليوم» عن الظاهري قوله، أنه تعلّم قراءة القرآن الكريم أولاً، قبل أن يبدأ تعلم الكتابة والقراءة والحساب على يد الشيخ خليفة بن زايد الأول، الذي ربَّاه في كنفه، وذلك في مرحلة مبكرة من عمره، كان خلالها يتنقل بين مدينة أبوظبي وواحة البريمي.

 

أما عن فكرة صحيفة «النخي» فقد قال الظاهري: لاحظت ضعفاً في الإقبال على شراء النخي، فأحضرت ورقة من الكرتون ودوّنت عليها فوائده بأسلوب مشوق، مركزاً على فوائده الصحية، وعلّقتها على واجهة المقهى، فقرأها كل من مر بها وحظيت المعلومات عن النخي باهتمام الرجال، فزادت المبيعات على نحو كبير. وقال أن هذا هو ما شجعه على كتابة نسخ عدة عن «النخي» وتوزيعها، حيث زاد عددها في البداية على 10 نسخ في الأسبوع، فكانت بمثابة أول صحيفة اقتصادية في الإمارات، ولم يَدُرْ في ذهن الظاهري أن قطعة الكرتون هذه ستكون أول طريقه لدخول ذاكرة المكان والزمان، ليصبح أول من أصدر صحيفة بالمعنى العام كُتبت بخط اليد.

وأضاف الظاهري: طورت التجربة لاحقاً، فبدأت بكتابة الأخبار والمعلومات عن المواليد والوفيات والأعراس وأحوال الطقس، وحتى حالات الطلاق في مناطق العين، فضلاً عن أخبار وصول القوافل التجارية التي تأتي من أبوظبي ودبي والشارقة، وظروف الطريق من العين إلى أبوظبي ودبي، وفي مرحلة متقدمة أضفت أخباراً كنت أسمعها من إذاعتَي صوت العرب ولندن. وذات مرة كتب الظاهري في «النخي» مقالاً وحيداً في السياسة، ثم لم يكرر التجربة التي لاقت غضب الإنجليز حينذاك، فأوقفوا الجريدة الوحيدة والفريدة شكلاً ومضموناً، ليتفرغ بعدها كلياً للتجارة.

ما أجمل أيامك أيها الراحل، وما أجمل الأوقات التي عشت فيها، وما أجمل وأروع، نقاء وصفاء روحك وأريحيتك. فصحيفتك لم تفتح صندوق الشرور كما يفعل بعض إعلام هذه الأيام. ولم تحرض طائفياً ومذهبياً ودينياً ومناطقياً، إلى آخر ما نراه من تحريض تسبب في قتل وتدمير بلاد ومجتمعات بكاملها. و"النخي" لم تمارس أبداً سياسة العهر الإعلامي، فوداعاً مرة أخرى.