لاحظنا أنك تحجب الإعلانات

واصل دعمك للصحافة اللائقة بتعطيل أدوات حجب الإعلانات

في حال وجود استفسار عن سبب ظهور هذه الرسالة ، اتصل بنا

حجم الخط

- Aa +

Tue 29 Sep 2015 09:52 AM

حجم الخط

- Aa +

عاصفة اللاجئين: القارة العجوز تجدد شبابها

لم تكتف عاصفة اللاجئين الراهنة في أوروبا بإحداث إنقسام كبير بين دول الاتحاد الأوروبي، بل أحدثت سلسلة من الإنقسامات الأخرى أولها ذلك الإنقسام بين مواقف الحكومات الأوروبية ومواقف دول كبرى كأمريكا وروسيا، وثانيها الانقسام الذي حصل بين الشعوب الأوروبية وحكوماتها، وثالثها الإنقسام بين الشعوب الأوروبية ذاتها بخصوص اللاجئين.

عاصفة اللاجئين: القارة العجوز تجدد شبابها

لم تكتف عاصفة اللاجئين الراهنة في أوروبا بإحداث إنقسام كبير بين دول الاتحاد الأوروبي، بل أحدثت سلسلة من الإنقسامات الأخرى أولها ذلك الإنقسام بين مواقف الحكومات الأوروبية ومواقف دول كبرى كأمريكا وروسيا، وثانيها الانقسام الذي حصل بين الشعوب الأوروبية وحكوماتها، وثالثها الإنقسام بين الشعوب الأوروبية ذاتها بخصوص اللاجئين.


غرقت أوروبا كاملة في أزمة اللاجئين التي أدت إلى حدوث عملية اصطفاف جديدة بين دول الاتحاد الأوروبي تجاه هذه الأزمة التي أصبحت هاجسا يؤرق زعماء القارة العجوز. فبتاريخ 31 أغسطس/آب الماضي أعلن الاتحاد الاوروبي أن 340 ألف مهاجر تمكنوا من الوصول إلى أوروبا منذ بداية العام الحالي 2015.
وقد زادت قضية اللاجئين الشقاق بين شطري أوروبا، حيث وصفت فرنسا وبريطانيا، السياسات التي تتبعها دول أوروبا الشرقية، والمجر على الأخص، تجاه اللاجئين بالمخزية، مؤكدتين أن بناء المجر جداراً على طول حدودها مع صربيا أمر لا يمكن احترامه.
وقال وزير الخارجية الفرنسي لوران فابيوس، لراديو «أوروبا 1»، إنه في ما يتعلق بأولئك الذين يجبرون على ترك بلدانهم لأسباب سياسية، يجب أن نرحب بهم. وعلى كل الدول التجاوب مع ذلك. وأضاف أنه فيما رحبت فرنسا وألمانيا ودول أخرى بهم، فإن تصرف الدول التي ترفض استقبال المهاجرين تصرف مخز. وأوضح، أن ذلك يتعلق تحديداً بدول أوروبا الشرقية، التي تتسم معاملتها للمهاجرين بالقسوة المفرطة. و«أن المجر جزء من أوروبا، التي لها قيم معينة، ونحن لا نحترم هذه القيم عن طريق تشييد الجدران».
وقالت وزيرة الداخلية البريطانية، تيريزا ماي، في مقال لها إن تبريرات هذه الدولة بقيامها بهذه الإجراءات لاحتواء ما وصفته بالتهديد الذي يشكله المهاجرون لأمن ورخاء وهوية أوروبا، غير مقنع.

الحفاظ على الجذور المسيحية
أما رئيس الوزراء المجري فيكتور أوروبان المعروف بتوجهاته المناهضة للمهاجرين فقد كتب في صفحة الرأي في صحيفة فرانكفورت اليجيمين زايتونج الألمانية مقالا مثيرا للجدل حيث قال إن «أوروبا أغرقت بلاجئين معظمهم مسلمين.. والسؤال المهم بالنظر إلى الموقف هل يمكن الحفاظ على الجذور المسيحية لأوروبا؟ أم أنها لم تعد كذلك؟. وهذا في حد ذاته يدق ناقوس الانذار فالحضارة الأوروبية ليست في موقف يتيح لها الاحتفاظ بقيمها المسيحية».
ووسط هذا الجدل الأوروبي المحتدم، يرى العديد من الكتاب العرب أن أزمة اللاجئين الراهنة كشفت عن «انسانية كاذبة وديمقراطية زائفة» كما كشفت عن مشاعر وعقائد فاشستية ونازية وعنصرية كانت مدفونة في ثنايا وأعماق احزاب وحكومات يمينية في بعض دول أوروبا . فقد نقل عن السياسي الأسباني البرلماني الاوروبي ميغيل كريسبو، بعد جولة ميدانية زار خلالها مواقع تجمع اللاجئين، على طول ما يسمى الآن بـ درب الهجرة :«الحكومات الأوروبية لا تتعامل مع مشكلة اللاجئين على أنها أزمة إنسانية، بل تتقاذفها مثل البطاطا المسلوقة، فكلهم يريدون رميها للآخرين باسرع وقت ممكن» . ووصف كريسبو مخيمات التجمع بأنها لا تصلح حتى زرائب للحيوانات .

فقدان اللياقة
أما زيغمار غابرييل نائب أنجيلا ميركل المستشارة الألمانية، فقد قال إن الاتحاد الأوروبي قدم نفسه بصورة «محرجة ومربكة للغاية» بتعامله مع أزمة اللاجئين التي يواجهها. وأكد غابرييل للصحفيين في كولونيا أن إحدى الصعوبات تتمثل في أن بعض بلدان الاتحاد الأوروبي لا تنضم إلى المشروع بنشاط إلا عندما تكون أمامها مكاسب مالية ولا تقوم بدور نشط في المجتمع في الأوقات العصيبة.
وأشار نائب ميركل في تصريحات منفصلة لصحيفة فيستدويتشه تسايتونغ إلى أن «التخلي عن سياسة الحدود المفتوحة سيكون خطوة كبيرة إلى الوراء في التاريخ الأوروبي»، وأضاف أن «أوروبا الآن تواجه خطر فقدان لياقتها».
وكانت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل قد قالت إنه إذا لم يتمكن أعضاء الاتحاد من الاتفاق على توزيع عادل للاجئين فإن منطقة شينغن التي يسمح فيها بالسفر دون تأشيرة ستكون محل تساؤلات.  وتسببت أزمة اللاجئين -التي تنافس حروب البلقان في التسعينيات كأسوأ أزمة تواجهها أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية- في حالة من الاستقطاب والارتباك داخل الاتحاد الذي يضم 28 دولة ولا يملك نظاما فعالا للتعامل مع وصول مئات الآلاف من اللاجئين الفقراء واليائسين

فائدة أم عبء
وبينما يرى العديد من الخبراء الاقتصاديين أن تدفق هذا العدد من المهاجرين، الذين يشكل الشباب النسبة الأعظم منهم، على دول صناعية كبرى مثل ألمانيا، سوف ينعش اقتصادها وليس العكس، يتحدث آخرون عن الكلفة الباهظة لاستيعاب هؤلاء المهاجرين في المجتمعات الأوروبية.
فهل سيتحول هؤلاء اللاجئون أو معظمهم إلى آلات في أدوات الإنتاج الأوروبية ، كما حدث في أواسط القرن التاسع عشر خلال النهضة الصناعية؟ أو كما حدث أيضا في منتصف القرن الماضي أي بعد الحرب العالمية الثانية، أم أن هناك فوارق كبيرة في الظروف التي كانت سائدة في تلك الأيام، وظروف العصر الحالي؟.

السؤال الكبير
والسؤال الأكبر الآن هو: هل سيعود استيعاب هؤلاء المهاجرين واللاجئين بفائدة اقتصادية على المجتمعات التي يهاجرون أو يلجأون إليها على الأمد الطويل؟ أم أنهم سيمثلون عبئا اقتصادياً يؤدي إلى تراجع معدلات النمو الحالي؟
يقول البعض أن أزمة اللاجئين والمهاجرين جاءت في توقيت سيئ للغاية لأوروبا، خاصة لمنطقة اليورو، التي تمثل القاطرة التي تجذب الاتحاد الأوروبي، وتعاني معدلات نمو متدنية حاليا.
لا شك أن الوضع الاقتصادي الصعب لبلدان الاتحاد الأوروبي عامة، ومنطقة اليورو خاصة، يزود التيارات السياسية المعادية لاستقبال اللاجئين والمهاجرين بذخيرة، تستخدمها ضد التيارات المرحبة باستقبال القادمين الجدد، وتخلق بذلك رأيا عاما معاديا لأي جهود حكومية ترغب في استيعاب المهاجرين واللاجئين ضمن المنظومة الاقتصادية والثقافة الأوروبية.
وبحسب تحقيقات أجراها موقع الكتروني أوروبي متخصص بشؤون الهجرة، فان طالبي اللجوء الذين تم رفض طلباتهم منذ العام 2000 وحتى الآن، وتمت اعادتهم إلى بلدانهم الاصلية كلفوا القارة الأوروبية أكثر من 11 مليار جنيه إسترليني (17 مليار دولار) وهو ما يعني أن طلبات اللجوء المرفوضة وحدها تكلف أوروبا أكثر من 1.1 مليار دولار أمريكي سنوياً.

مخاوف البطالة
ورغم التخوفات الكبيرة من الانعكاسات الاقتصادية المحتملة على تدفق المهاجرين، بما في ذلك المخاوف من ارتفاع نسب البطالة، وزيادة تكاليف الإعانات الاجتماعية، الا أن الكثير من الاقتصاديين يبدون اعتقادهم بأن تدفق هذه الايدي العاملة على القارة الأوروبية سوف يؤدي إلى انعاش اقتصاداتها، وهو ما يذهب اليه أيضا أستاذ الاقتصاد السياسي في جامعة لندن الدكتور ناصر قلاوون الذي قال في تصريحات لصحيفة «القدس العربي» إن اقتصادات أوروبا الكبـرى لن تتضرر من هذا العدد الكبير من تدفق المهاجرين، حيث أن دولا مثل ألمانيا وهولندا وبريطانيا يمكن أن تستفيد من وجودهم.
ولفت قلاوون إلى أن غالبية المهاجرين وطالبي اللجوء الذين يقصدون أوروبا هم من فئة الشباب، أو الاطفال صغار السن، وهؤلاء يمكن أن تستفيد منهم اقتصادات مثل ألمانيا التي تسجل نسب بطالة متدنية وتحتاج إلى أيدي عاملة لانعاش قطاعها الصناعي.
لكن قلاوون تحدث عن فائدة تجنيها الدول الصناعية الكبرى مثل ألمانيا بسبب تدفق أيدي عاملة رخيصة على البلاد، مع حالة من القلق تعتري دول أوروبية أخرى مثل اليونان وأسبانيا التي تسجل البطالة في كل منهما نحو 25 %، وهي نسبة مرتفعة جداً.

القارة العجوز هل تبقى عجوزاً
وعلى أية حال فإن لقب القارة العجوز الذي حملته أوروبا منذ القرن الماضي، ما زالت تحتفظ به من دون منازع حقيقي، نظرا لمعدلات الهرم العمري الذي بلغ مستويات مخيفة في دولها، حيث معدل الوفيات هو الأقل في العالم كما هو معدل الولادات أيضاً.
وفي الوقت نفسه يسجل في أوروبا أعلى معدلات متوسط العمر عالمياً، ما سيجعل هذه القارة كما يتوقع البعض في العام 2030 قارة ليست عجوزاً، وإنما قارة هرمة بفعل النقص الحاد في الأيدي العاملة.
وعلى هذه الخلفية الديمغرافية، طالب وزير الداخلية الألماني توماس ميزير، قبل أشهر بضرورة العمل على رفع أعداد الكفاءات المهاجرة إلى ألمانيا التي ترى نفسها اليوم أمام فرصة مناسبة وقوية لاستيعاب هؤلاء المهاجرين سريعاً في سوق العمل، في ظل واقع العمالة الصعب في أوروبا.
فمؤسسة بروغنوس تتوقع نقصاً في العاملين في جميع قطاعات الاقتصاد الألماني يُقَدّر بـ 1.8 مليون شخص في العام 2020، و3.9 مليون في العام 2040، وذلك إذا لم تحصل تبدلات ديموغرافية.

13 مليون مهاجر سنوياً حاجة أوروبا
ويبدو هنا النموذج الألماني هو التعبير الأمثل عن خلفية التفكير الأوروبي وتطلعه إلى فوائد الهجرة إلى أوروبا لاسيما وأن بعض الأرقام تفيد بأن حاجة أوروبا للأيدي العاملة تصل إلى 13 مليون مهاجر سنوياً، وذلك إذا  ما أرادت تعويض ارتفاع نسبة المسنين المحالين إلى التقاعد لديها. كما أن النسبة المنخفضة للولادات بين الأوروبيين تثير الرعب في أوساط المختصين في الشئون الديموغرافية.
ونقلت صحيفة «الاقتصادية» السعودية عن ويلرد ليموان الباحث في قضايا الهجرة، أن الفائض في الميزانية الألمانية 301 مليار يورو ومن ثم فإن 10 مليارات مبلغ زهيد، ولهذا السبب تحديدا لم يعارض وولفجانج شويبله وزير المالية استيعاب المهاجرين واللاجئين.
وعندما طلبت وزيرة العمل زيادة 1.8 مليار يورو للميزانية المخصصة للاجئين للعام المقبل المقدرة بـ 3.3 مليار لتعليم اللغة وتقديم تدريب مهني لم يعترض وزير المالية، مضيفاً أن «التقديرات الأولية تقول إن قضية المهاجرين واللاجئين ستكلف ألمانيا سنويا 7 مليارات يورو ابتداء من عام 2019».

ماذا عن أوروبا الأخرى؟
وتشير التقديرات إلى أن ألمانيا بمفردها تتوقع أن يسجل ما يراوح بين 240 و260 ألف لاجئ ومهاجر العام المقبل في سجلات الباحثين عن عمل، وسيكون لديها القدرة الاقتصادية على توفير وظائف لما يراوح بين 175 و235 ألف شخص.
ويتوقع أن يقفز العدد إلى مليون شخص بحلول عام 2019، إذ ترجح الحكومة الألمانية قدوم نحو 800 ألف لاجئ سنويا، ولن تسمح إلا لما يراوح بين 35 و45 في المائة منهم فقط بالبقاء على أراضيها.
ولكن إذا كانت ألمانيا ستتحمل بمفردها نحو 10 مليارات يورو لاستيعاب القادمين الجدد، فماذا عن البلدان الأوروبية الأخرى وهل لديها القدرة المالية على تحمل تلك التكلفة؟ وعلى هذا السؤال يجيب الدكتور توم كورن كبير الباحثين في مركز الأبحاث الاقتصادية الأوروبية، أنه يصعب وضع صورة موحدة لأوروبا بهذا لشأن.

تمويل تكلفة الاستيعاب
وأضاف لـ «الاقتصادية»، أن «الاقتصادات الكبرى مثل ألمانيا وبريطانيا وهولندا وبلجيكا وفرنسا ستكون لديها المقدرة على تمويل تكلفة استيعاب المهاجرين واللاجئين، سواء من خلال رصد مبالغ مالية أو بتحويل المدفوعات المالية من بند إلى آخر كما فعل جورج أوزبورن، وزير المالية البريطاني، فقرر تمويل تكلفة استيعاب القادمين الجدد من أموال المساعدات البريطانية للبلدان النامية والفقيرة».
وأشار كورن إلى أن الدول الأوروبية الفقيرة لن يكون في مقدورها تمويل استيعاب اللاجئين، وهو ما قد يدفع الاتحاد الأوروبي إلى تحمل التكلفة، مقابل بقاء هؤلاء المهاجرين واللاجئين على أراضي تلك البلدان، وفي هذه الحالة فإن التقدير الأولي وحتى تعلن الإحصاءات النهائية، يشير إلى أن التكلفة الإجمالية لكافة البلدان الأوروبية لاستيعاب القادمين الجدد يمكن أن تراوح بين 18 و23 مليار يورو هذا العام.

استبعاد تام للمستقبل
أما الدكتورة جوليا آرنيست الاستشارية السابقة للمفوضية الأوروبية والمختصة في شؤون الهجرة، فتعتبر أن حصر البحث في قضية المهاجرين واللاجئين في سؤال واحد، يتمحور حول القيمة المالية التي سيكلفها كل قادم جديد للميزانية، سؤال يستبعد تماما المستقبل ويحصر القضية في لحظة زمنية محددة، ومن ثم تغيب الفوائد الاقتصادية التي ستعود على المجتمعات الأوروبية نتيجة استيعاب المهاجرين واللاجئين الجدد على الأمد الطويل، ويخلق شعورا بالرفض من قبل الرأي العام.
وأوضحت آرنيست لـ «الاقتصادية»، أن التكلفة الراهنة على الرغم من أهميتها، فإنها لا يجب أن تكون العامل الحاسم في التعامل مع ملف الهجرة واللجوء، وأغلب الدول الأوروبية إن لم يكن كلها تتمتع باقتصادات قوية قادرة على استيعاب الأعداد المتدفقة من طالبي اللجوء أو الهجرة، والتكلفة التي سيتم تحملها حاليا سيتم الحصول على أضعافها لاحقا جراء دمج هؤلاء الأشخاص في سوق العمل.
وتشير آرنيست إلى أن البعض في بريطانيا طرح في بدايات الأزمة ترحيل المهاجرين أو اللاجئين، وذلك على الرغم من أن عمليات الترحيل التي قامت بها الحكومات البريطانية المتعاقبة منذ عام 2000، ووفقا لبعض المواقع البحثية الجادة كلفت الخزانة العامة 11 مليار يورو، إضافة إلى بضعة مليارات أخرى دفعتها لندن للاتحاد الأوروبي بدعوى حماية الحدود الأوروبية من المهاجرين، وإذا تم استخدام تلك المليارات لاستيعاب هؤلاء البشر ودمجهم في المجتمع لكانت النتيجة أكثر جدوى وفائدة اقتصادية لنا.

دول تعلمت الدرس
وتعتقد آرنيست أن ألمانيا وفرنسا والسويد إلى حد ما تعلموا الدرس، وأن المهاجرين واللاجئين سيحققون مصالح اقتصادية ضخمة على الأمد الطويل، فأغلبهم ينتمي إلى فئة الشباب، وسيعملون لسنوات طويلة في المستقبل، وسيدفعون الضرائب، ومن ثم سيسددون تكلفة الاندماج وسيربح المجتمع، وأغلب الدراسات الاقتصادية الموثوق بها، تؤكد أن الإضافة المالية التي تصب في المجتمع نتيجة عمل هؤلاء أعلى مما ينفق عليهم.
ولا تمنع تلك النظرة الإيجابية تجاه المساهمة الاقتصادية للمهاجرين واللاجئين، البعض من الدعوة إلى إدراك أن المساهمات الصافية للقادمين الجدد في الاقتصاد تتطلب بين ثلاث وخمس سنوات بعد حصولهم على التدريب المهني اللازم، ودرجة مقبولة من الاندماج في المجتمع، وهو ما يجعل كثيرا من السياسيين أكثر تركيزا على مفهوم التكلفة منه على مفهوم العائد.
وتقول السلطات في الاتحاد الأوروبي أنها استقبلت أكثر من 218 ألف طلب لجوء خلال النصف الأول من العام الحالي، الا أن العدد مرشح للارتفاع بصورة حادة مع نهاية العام، حيث سجل تدفق اللاجئين تسارعاً كبيرا في أول شهرين من النصف الثاني من العام.
وتتوقع ألمانيا وحدها، وهي الاقتصاد الاكبر في أوروبا، أن تستقبل أكثر من 800 ألف طالب لجوء خلال العام الحالي 2015، وهو رقم قياسي تاريخي لم يسبق أن شهدته البلاد في تاريخها.

ما هي اتفاقية عام 1951 الخاصة بوضع اللاجئين؟
بدأت عملية وضع مجموعة من القوانين والاتفاقيات والمبادئ التوجيهية التى تستهدف حماية اللاجئين فى الشطر الأول من القرن العشرين فى ظل عصبة الأمم، وهى الهيئة الدولية التى سبقت الأمم المتحدة، وبلغت ذروتها يوم 25 يوليو/تموز 1951، عندما وافقت الجمعية العامة للأمم المتحدة على الاتفاقية الخاصة بوضع اللاجئين.
وتبين الاتفاقية بوضوح من هو اللاجئ ونوع الحماية القانونية، وغير ذلك من المساعدات والحقوق الاجتماعية التى يجب أن يحصل عليها من الأطراف الوطنية الموقعة على هذه الوثيقة. وهي تحدد، بقدر متساو، التزامات اللاجئ تجاه الحكومات المضيفة، كما تحدد بعض الفئات المعينة من الأشخاص، من قبيل الإرهابيين غير المؤهلين للحصول على صفة اللاجئ.
وقبل شهور من الموافقة على هذه الاتفاقية، بدأت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين عملها فى الأول من يناير/كانون الثانى 1951، وأثناء العقود الخمسة التالية، ظلت هذه الاتفاقية تشكل أساس الجهود التى تبذلها المفوضية من أجل توفير المساعدة والحماية لما يقدر بـ 50 مليون لاجئ.
وكان هذا الصك الأول مقصورا على توفير الحماية بصفة أساسية للاجئين الأوروبيين فى أعقاب الحرب العالمية الثانية، غير أن بروتوكول عام 1967 وسع بدرجة كبيرة من نطاق الولاية المنوطة بالمفوضية بعد أن انتشرت مشكلة النزوح فى مختلف أرجاء العالم. ولقد كانت الاتفاقية الأصلية ملهمة أيضاً لعدد من الصكوك الإقليمية من قبيل اتفاقية منظمة الوحدة الإفريقية لعام 1969، وإعلان كارتاخينا لعام 1984 الخاص بلاجئي أمريكا اللاتينية.
وقد وقع ما مجموعه 139 دولة على أحد صكي الأمم المتحدة أو كليهما. بيد أنه مع تغير نمط الهجرة على الصعيد العالمي، ومع تزايد أعداد الأشخاص الذين يتنقلون من مكان إلى آخر، تغييراً جذرياً، فى السنوات القريبة العهد، ثارت شكوك حول مدى مناسبة اتفاقية 1951 مع الألفية الجديدة، ولا سيما فى أوروبا، التى تعتبر ـ بما ينطوى عليه ذلك من مفارقة ـ مكان مولدها.
وتوفر المفوضية فى الوقت الحاضر المساعدة لما يزيد على 22 مليون شخص، ولا تزال هذه الاتفاقية، التى أثبتت مرونتها بقدر ملحوظ فى الأوقات السريعة التغير، تشكل حجر الزاوية فى ولاية المفوضية الخاصة بالحماية.