لاحظنا أنك تحجب الإعلانات

واصل دعمك للصحافة اللائقة بتعطيل أدوات حجب الإعلانات

في حال وجود استفسار عن سبب ظهور هذه الرسالة ، اتصل بنا

حجم الخط

- Aa +

Wed 2 Sep 2015 01:44 PM

حجم الخط

- Aa +

عملة نادرة!

مشاكل العالم الذي نعيش فيه في الوقت الراهن، أكثر من أن تعد، أو أن تحصى.

عملة نادرة!
أنيس ديوب

مشاكل العالم الذي نعيش فيه في الوقت الراهن، أكثر من أن تعد، أو أن تحصى.
مشاكل عالمنا، أي مشاكلنا نحن بني البشر، هي مشاكل سياسية وعسكرية واقتصادية ومالية وبيئية وحدودية. وفوق كل ذلك هي أيضاً فكرية وأخلاقية وسلوكية أيضاً. وبعكس ما هو متوقع، أو بالأحرى بعكس ما يجب أن يكون، فإن عالمنا، وعلى الرغم من تقدمه التكنولوجي والعلمي والفلكي والطبي المذهل، يتراجع من الناحيتين السياسية والدبلوماسية.
في عالم اليوم، نرى اختراعات مذهلة، وتقنيات لم نكن نحلم بها يوماً، وسبل علاج طبي ولا أروع، ومع ذلك فإن ميداني العمل السياسي والعمل الدبلوماسي يتراجعان يوماً بعد يوم.

وحتى الأمس القريب، كان عالمنا: دولاً وحكومات، وقوى عظمى، وإقليمية، ووزراء، ومسئوولين، يمارس الكثير من السياسة والدبلوماسية، أكثر بكثير من عصرنا الراهن.
ومنذ مطلع القرن الماضي، وعلى الرغم من الحروب التي شهدها كوكب الأرض، وكذلك رغم الويلات والمآسي التي خلفتها تلك الحروب، كان هناك فسحة كافية للسياسة والدبلوماسية. وكان هناك سياسيون ودبلوماسيون يشار إليهم بالبنان في كل أزمة، وفي كل مفصل من مفاصل التاريخ، وحتى في كل حرب.
لكن، وبنظرة فاحصة حالية على عالمنا الراهن، سنجد أن عالمي الدبلوماسية والسياسة، يتلاشيان، كما سنجد أن الدبلوماسيين والسياسيين الحقيقين، الذين يمارسون هذه المهنة على أصولها، صارا عملة نادرة، لا بل أستطيع أن أقول، أنهم باتوا يعدون على أصابع اليد الواحدة. وفي عصرنا أيضاً ، اختفت عن الخارطة السياسية والدبلوماسية، دول كانت تعد في ما مضى، قلاعاً سياسية ودبلوماسية، كفرنسا وبريطانيا على سبيل المثال لا الحصر. وتلك الدول كانت مدارس في الدبلوماسية والسياسة، وفي تعليم فنونهما للآخرين، غير أنها الآن تخلت عنها تماما، ولم تعد تمارسها على الإطلاق.  

والغريب أن غياب فن الدبلوماسية، وفن السياسة، وغياب السياسيين والدبلوماسيين، يأتي في وقت يحتاج فيه العالم، إلى الدبلوماسية والسياسة أكثر من أي وقت مضى منذ بدء الخليقة وحتى اليوم.
وهذه الحاجة سببها بسيط، هو أن الكرة الأرضية وشعوب الأرض، لم تشهد في تاريخها هذا الكم الهائل من الأزمات والمشاكل والحروب.
سياسيو اليوم ودبلوماسيوه، يمارسون مراوغة تصل حد الكذب والنفاق، بدل السياسة والدبلوماسية (وهنا لا أتحدث عن رئيس فرنسي، أو عن رئيس وزراء بريطاني، حالي أو سابق) .

كما أن أروقة الأمم المتحدة ومنابرها، بما فيها منبرا الجمعية العامة، ومجلس الأمن الدولي، صارت هي الأخرى، منابر للنفاق الدولي، وأماكن للتضليل والمداهنة السياسية والدبلوماسية المفضوحة والعلنية.  وكل هذا يمارس دون أن يرف لـ «السياسيين والدبلوماسيين» الذين يمارسون ذلك، أي جفن. هل تذكرون طوني بلير وجورج بوش الإبن وغيرهم الكثير، عندما كانوا يتحدثون عن أسلحة الدمار الشامل العراقية، وضرورة القضاء عليها، ثم يعترفون، وبابتسامة عريضة، بل وخبيثة بعد ذلك، بأنهم «كذبوا» كما في حالة بلير، أو ضللوا، كما في حالة بوش الإبن.

 يشهد العالم تغيرات مؤلمة منذ وقت طويل، ولكن عدم الثقة ينتشر الآن بشكل كبير. وعدم الثقة الذي نراه في أيامنا هذه، لا يقتصر على المستقبل فحسب، بل في الواقع يشمل أيضاً جميع الطرق المعروفة حالياً والمستخدمة دولياً، لحل المشاكل السياسية والاقتصادية والاجتماعية بشكل عام. فهناك حديث متواتر عن حرب كبرى، كما أن الخوف الذي كان يبدو أنه ذهب إلى غير رجعة في مطلع تسعينيات القرن الماضي، يعود للظهور من جديد. وفي عالمنا الحالي مُحيَت عملياً تلك الحدود التي تفصل ما بين الواقع والخيال. لذلك أقول أن السياسة والدبلوماسية أصبحتا عملة نادرة، أليس كذلك؟!.