لاحظنا أنك تحجب الإعلانات

واصل دعمك للصحافة اللائقة بتعطيل أدوات حجب الإعلانات

في حال وجود استفسار عن سبب ظهور هذه الرسالة ، اتصل بنا

حجم الخط

- Aa +

Thu 23 May 2013 12:39 PM

حجم الخط

- Aa +

Qnet «الشبكة» لصيد الحالمين بالثراء السريع!

حلم الثراء السريع له قدرة عجيبة على تطويع البشر. فباستخدامه تمكن تشارلز بونزي، وهو من أشهر النصابين في عشرينيات القرن الماضي، من تنفيذ واحدة من أشهر عملية الاحتيال عندما ابتكر ما يسمى بـ"السلسلة الهرمية".

Qnet «الشبكة» لصيد الحالمين بالثراء السريع!
رسم يظهر الهيكل التنظيمي لشبكة Qnet ومبدأ التفرع الثنائي.

حلم الثراء السريع له قدرة عجيبة على تطويع البشر. فباستخدامه تمكن تشارلز بونزي، وهو من أشهر النصابين في عشرينيات القرن الماضي، من تنفيذ واحدة من أشهر عملية الاحتيال عندما ابتكر ما يسمى بـ"السلسلة الهرمية".

تمثلت حيلة تشارلز بونزي في إيهام العملاء أنهم سيجنون أموالا طائلة بالاستثمار معه واعطائهم أرباحا مبدئية مذهلة حتى يأتوا بعملاء آخرين يريدون انتهاز الفرصة نفسها. وفي واقع الأمر تُستخدم أموال المستثمرين الجدد لتسديد أرباح من هم أقدم منهم. هذا تحديدا ما يتهم به البعض شركة Qnet التي تتبنى ما يعرف باسم التسويق الشبكي، حيث يقوم الممثل المستقل بـشراء منتج ثم إقناع آخرين بالشراء و الإنضمام للشبكة لاجتذاب المزيد من المشتركين بدورهم. تعتمد الفكرة على العلاقات الإجتماعية للإنتشار من شخص إلى آخر، و تمثل إستراتيجية تنطوي على قدر من الفطنة، و لا يبدو منها ضرر بشكل مبدئي. ولكن عند التعمق في تفاصيل نظام الإنتساب والعمولات، يتأكد قول ابن المعتز: لا تحقرن صغيرة إن الجبال من الحصى.

في احدى مقاهي الفنادق بدبي، جلست نحو نصف ساعة استمع لرأي قاتم عن واقعي الأليم من شخص التقيته للتو يبدو له أنني أفني عمري كالعبيد من أجل أن يجني الآخرون ثمار عملي! كما يبدو أنني لن أجد مفراً على الإطلاق: فمهما ارتقيت وظيفياً لن يسمح لي دخلي الا بتغطية الاحتياجات الأساسية، ولا أمتلك ما تطلبه ريادة الأعمال من حنكة وخبرة وجرأة ورأس مال. إذاً المصير محتوم والإحباط مكتوب على أمثالي. ولكن في هذه العتمة الحالكة السواد شمعة مضيئة. ففرصتي الأخيرة لتنمية نفسي تكمن في شركة عمالتها هي عملاءها واسمها Qnet.

فكرة عبقرية

وبعد التأكيد على الانسداد المزمن لجميع آفاقي يتعطف ممثل الشركة بمد يد العون لي. سيسمح لي أن أعطيه بضعة مئات من الدولارات لشراء منتج من منتجات Qnet وكي أصبح هكذا ممثلا مستقلا للشركة مثله. ولكن قبل أن أعرف أي شيء عن الشركة ومنتجاتها يجب أن أجيب سلسلة من الأسئلة عن نفسي وعملي وخلفيتي الاجتماعية وأصدقائي وأقاربي ومعارفي ومستوى دخولهم وانتشارهم الجغرافي وثقتهم بي. وبعد التأهل من خلال هذا الاستجواب بدأ ممثل الشركة يعرفني بها. أول ما عكف على شرحه هو مبدأ التسويق الشبكي. فهي فكرة عبقرية تلغي الوساطة عن طريق البيع المباشر بين الأشخاص وتشركهم في الربح من خلال توزيع العمولات وفقا للعرض المرئي الذي تصفحناه معا. وأهم مميزات ذلك الأسلوب توفير كلفة التسويق المعتادة من إعلانات ومواد دعائية ودعم من المشاهير مقابل أموال طائلة. فتُفضل Qnet «أن تقدم أسعارا تنافسية لعملائها وأن تشركهم في الربح» بدلا من أن تكبدهم الملايين التي قد تنفقها على وكالات الإعلان وحملات المشاهير.

غير أن الفقرة التالية من العرض المرئي تناقض كل ما سبق ذكره وتستعرض عددا من الأنشطة الدعائية تتمثل في تمويل حفلات غنائية ضخمة ورعاية إحدى فرق سباقات السيارات العالمية. كما تُعدد الفعاليات الرياضية والخيرية التي تمولها الشركة. ثم يتم عرض فيديو يتوالى خلاله فنانون من الدرجة الثالثة على إلقاء رسائل دعائية تحث الشباب على الإنضمام للشبكة. وعند السؤال عن تكلفة هذه الحملات عجز ممثل Qnet عن الإجابة وسارع بتغيير الموضوع.

وصل بنا العرض إلى المنتجات و أكد لي المتحدث أننا لن نطيل بالتركيز عليها كي نناقش لب الموضوع ألا وهو كيفية الحصول على دخل من خلال الشبكة. تصفحنا المنتجات «زهيدة الأسعار» ما بين قرص زجاجي يحمل الأكواب فيزيد «طاقتها الحيوية» سعره 560$ وساعات يدوية ينتجها مصنع تابع للشركة أسعارها قد تفوق 2000$ ودورات تعليم عن بعد متوسط قيمتها 1000$ وغيرها.

هيكل العمولات

استحضر ممثل Qnet كل تركيزي وذلك بعد أكثر من ساعة ونصف من الإعداد لكي يستعرض النموذج الربحي لفكرة الشبكة. يقوم هيكل العمولات على مبدأ أساسي ألا و هو ثنائية التفرع. فالحد الأقصى لأي مستوى من الشبكة فردان و كل منهما يندرج تحته شخصان إلى آخره. أول مصدر للدخل حين الانضمام هو العمولة المباشرة والتي تتراوح بين 6 % و13 % عند بيع منتجات لأفراد جدد وهو أسلوب العمولات التقليدي ويدر على المشترك اول مبلغ ( حوالي 50$). وعند انضمام مشتركان آخران تحت كل منهما تأتي العمولة الأهم و هي مبلغ حوالي 150$. و بذلك يحصل العضو على 200$ عن كل 6 أعضاء ينضمون إلى مستوى أسفله في الشبكة شرطة احترام ثنائية التفرع والذي يضمن استمرار التوسع. ويكون مجمل محصول الاشتراكات على هذه المجموعة اذا افترضنا اختيارها لقرص الطاقة (وهو من أرخص السلع المعروضة) 7x560= 3920$. يأخذ رأس الهرم 200$ والشخصان الذين تحته 50$ كلاهما أي أن Qnet تتقاضى ما يزيد عن 3600$ لقاء 7 أقراص من الزجاج! ويتعارض ذلك مع مفهوم «الشبكة» في حد ذاته حيث أن «التشابك» أي تعدد وتداخل الأطراف هو ما يعرفها في الأصل. فحين يضاف مبدأ ثنائية التفرع تظهر مستويات متصاعدة في تشكيل ذو قاعدة عريضة وقمة مدببة وذلك أقرب إلى الهيكل الهرمي. و في حال تمكن أحد الأعضاء من إقناع اكثر من الفردين الذي بدأ بهما يقوم بإدراج الأفراد الجدد تحت من يجدون صعوبة في التجنيد من فريقه كي لا يتوقف الامتداد الطولي أسفل الشبكة. لذلك لا ترى الكثير من الأطراف أي فرق بين التسويق الشبكي والسلاسل الهرمية. ففي كلتا الحالتين يعتمد النموذج الربحي على انضمام أعضاء جدد للشبكة وليس على تنافسية المنتجات في حد ذاتها. فعلى عكس سائر الأنشطة الاقتصادية لا تخلق السلاسل الهرمية قيمة حقيقية مما يتسبب حتميا في انهيارها اذا ما توقف عدد المنضمين إليها عن التزايد المضطرد.

الحرب النفسية

في هذه المرحلة يتم استدعاء بداية الحديث عن الآفاق المحدودة للشباب ومقارنتها بتوقعات الدخل لمندوبي Qnet. عملية حسابية افتراضية كادت أن تنسيني سبب لقائي الحقيقي وتخرج بطاقة ائتمان لا إراديا من حافظتي. نفترض أنني اشتركت في الشبكة وقمت بتجنيد شخصين فقط لا غير بعد عناء دام شهرا كاملا لضيق دائرة معارفي وضعف قدرتي على الإقناع أو عدم تفرغي لتنمية الشبكة. وكل منهما لم يتمكن أن يبلي أفضل من ذلك ثم توالت درجات المشتركين ضعاف الأداء بشكل متطابق تحتنا. وفق ذلك السيناريو سأجني عمولات قيمتها 68.000$ خلال السنة الأولى. وحسبما قال المندوب الجالس أمامي فإنه يجني ضعف هذا الرقم سنويا وقائد مجموعته يحصل على عمولات عن 3 ملايين مشترك في الشبكة!. يستطرد المندوب حديثه فيتطرق إلى الفوائد الإضافية للإنضمام إلى الشبكة. يريني صور الاحتفالات التي تجمع فريقه ويشدد على احتياج المغتربين إلى التعارف وإنشاء مجتمع صغير داخل الشبكة لدعمهم معنويا. كما أضطررت إلى مشاهدة مقاطع فيديو مطولة يشرح من خلالها شباب يرتدون «قلادة الطاقة» (إحدى أنجح منتجات Qnet والتي يقال أنها تقي من الأمراض وتخفف من الضغط العصبي والإجهاد) كيف قامت Qnet بتغيير حياتهم للأفضل. يُعدد المندوبون الفوائد المعنوية لنشاطهم: اكتساب خبرات في مجال الأعمال، وتكوين صداقات من خلال الشبكة، ومكافحة البطالة والإحباط والاكتئاب، وحتى تدعيم الاقتصاد الوطني!

وفي إطار الزاوية النفسية أصر المندوب على بعض التعليمات. فلا يجب تحت أي ظرف أن أناقش قرار انضمامي من عدمه مع أحد. وبعد الانضمام لا يجوز لي الحديث عن الشبكة من تلقاء نفسي. هناك فترة تدريب من عدة أيام يقدم خلالها المنضم قائمة بمعارفه سواء من الأسرة المقربة أو من الأصدقاء والجيران والعلاقات العملية والاجتماعية المختلفة. يقوم الأعضاء الأقدم في فريقه بتحديد أي أفراد من القائمة سيتم مفاتحتهم في الموضوع وترتيب الإتصال بهم وكيفية عرض الفكرة على كل فئة. ولا يجوز للمشترك حديثا شرح الفكرة بالتفصيل لكنه يجتذب الأسماء التي تُحدد له من قائمته إلى اجتماع مع الأعضاء ذوو الأقدمية. ولأقتنع بأهمية اتباع هذه الإرشادات حرفيا ضرب لي المندوب مثالا صاعقا: «قد تُرجح الحديث مع أشخاص في البداية وتستثني أشخاصا هم الأهم. فهل تصدق أنه حسب خبرتي يمثل الأشخاص الذين يعانون من مشاكل مادية مشتركين فائقي الجودة؟»

سر النجاح

في اندهاش مصطنع تسائلت عن سبب هذا الاستهداف فأجابني :"الشخص الذي يسهل عليه دفع ثمن المنتج ليس لديه دافع قوي لتجنيد آخرين. أما من يقومون ببيع ممتلكاتهم أو الاستدانة سيسعون بجميع الطرق الممكن تخيلها إلى اجتذاب أكبر قدر من المشتركين. انها فرصتهم الوحيدة لتحسين أوضاعهم".

تلخص هذه المقولة عبقرية Qnet. ألا وهي اختلاف الفئة التي تجتذبها عن باقي السلاسل الهرمية : Qnet تبحث عن الفقراء في حين أن معظم حيل بونزي تستهدف كبار المستثمرين. و لا تخفي الشركة ذلك انما تؤكد دائما انها تساعد من يواجهون مشاكل مادية على زيادة دخولهم. استراتيجية تتيح عدة مميزات فإحصائيا عدد محدودي الدخل أكبر من عدد الأثرياء حول العالم كما أنه من الأسهل إقناع الشباب الذين يواجهون مشاكل مادية مقارنة بمستثمرين مخضرمين وقدرتهم على المواجهة القانونية في حال أي خلاف مع الشركة شبه معدومة. وبتعليق هؤلاء مجمل آمالهم على Qnet أصبحوا يشكلون جيشا يروج للفكرة وينتفض مدافعا عنها حال أي اعتراض. حين أصدر مفتي الجمهورية السابق بمصر د. علي جمعة فتوى بتحريم التسويق الشبكي حاصره الممثلون المستقلون في دار الإفتاء. وعندما قررت السلطات الأفغانية تعليق الرخصة التجارية للشركة تظاهر آلاف الأعضاء أمام القصر الرئاسي احتجاجا على قطع أرزاقهم. و لذلك نجد انتشارا واسعا للشركة في الدول حيث مستوى المعيشة والإطار القانوني والوعي المجتمعي ليسوا بالنضج الكافي لمواجهة تلك الظواهر. فلم يخف ممثل الشركة عدم اهتمامه بدائرتي الإجتماعية داخل دولة الإمارات وشرح لي بصراحة شديدة أن الهدف وراء تجنيد المغتربين هو التوصل لمصادر وفودهم في مختلف بلدان العالم العربي وأوروبا الشرقية حيث ترتفع معدلات البطالة وتلقى الفكرة نجاحا أكبر. ومن الجدير بالذكر أن المنطقة العربية وحدها تمثل 37 % من إجمالي مبيعات Qnet العالمية بحسب جريدة البيان.

متاعب قانونية

أسباب متعددة جعلت السلطات تلاحق الشركة في مختلف البلدان وتسعى للتضييق عليها. حينها تلجأ Qnet إلى تغيير اسمها التجاري أو الانتقال من دولة إلى أخرى: ففي الهند تم حظر GoldQuestسنة 2009 فعادت Qnet سنة 2011.وفي تركيا منعت QuestNet من المزاولة سنة 2010 فعادت Qnet سنة 2012.

وقامت الوكالة الفيدرالية لمراقبة الأسواق المالية بالولايات المتحدة (و التي كانت قد أوقعت ببيرني مادوف) بالحصول على حكم قضائي أغلقت بموجبه GoldQuest وتم مصادرة أصولها ومقتنيات مديريها بالولايات المتحدة. كما تم الغاء ترخيصها وملاحقتها في دول مثل إيران والهند والفلبين وسريلانكا وأفغانستان وتركيا. أما في العالم العربي ,، فقد أصدرت وزارة التجارة و الصناعة السعودية بيانا صحفيا حذر تفيه مواطني المملكة والوافدين إليها من التعامل مع Qnetأو ممارسة نشاطات التسويق الهرمي والذي اعتبرته «تغرير و أكل أموال الناس بالباطل» . كما أصدرت دار الإفتاء المصرية فتوى بتحريم هذه التعاملات، وهذا ما أكدته مواقع الأوقاف القطرية والسورية و السعودية و السودانية أمام سيل من تساؤلات روادها. ومع تفاقم الأزمة الاقتصادية - خاصةً في دول الربيع العربي – وانهيار قطاعات كثيفة العمالة كالسياحة والترفيه تعددت شركات التسويق الشبكي. وقامت وزارة الداخلية بمصر بالقبض على القائمين على 8 من مثل هذه الشبكات – ليست Qnet من بينها - ولا زالت تحقق في عدد اكبر من الملفات.

من المسئول؟

رغم الحظر والتنبيه لا تكف Qnetعن التوسع واجتذاب المزيد من الراغبين في الإلتحاق بنشاطها. ولا يمكن اتهامها بالاحتيال بشكل موضوعي. فالأغلبية العظمى ممن يشترك يدرك جيدا أنه سيحتاج إلى ضم أعضاء جدد للشبكة كي يحصل على عمولات مجزية ويوافق على ذلك وهو يتمتع بكامل قواه العقلية. بالطبع لا يعي الكثيرون معنى السلاسل الهرمية بشكل كامل ولا يتفهم تداعياتها على المدى الطويل. كما أن البطالة بين الشباب وفقدان الرؤية والدافع للإنتاج تزيد الطين بلة.

يلقى البعض باللوم على السلطات في البلاد التي تتفاقم بها تلك الظاهرة لأنها لا تجد حلا أمنيا حاسما. ولكن يصعب التعامل الأمني في ظل تفاني شركات التسويق الشبكي في العثور على ثغرات قانونية. كما أن ضحايا تلك الممارسات هم أنفسهم شركاء بها وذلك بمحض إرادتهم الحرة الغير مقيدة. ستتوالى الحملات وستعيد الشبكة إنتاج نفسها. فإذا أردنا مقاومتها بشكل فعال علينا أولا أن نقضي على بطالة الشباب ونحرص على تثقيف المجتمع ونكف عن الترويج لفكرة الكسب السريع دون مجهود كقيمة مجتمعية شاملة حول العالم. حينها إن وجدت مثل هذه الشركات حفنة من المشتركين سيمكننا أن نقول «أن القانون لا يحمي المغفلين».