لاحظنا أنك تحجب الإعلانات

واصل دعمك للصحافة اللائقة بتعطيل أدوات حجب الإعلانات

في حال وجود استفسار عن سبب ظهور هذه الرسالة ، اتصل بنا

حجم الخط

- Aa +

Wed 5 Jun 2013 08:21 AM

حجم الخط

- Aa +

المسؤولية الاجتماعية للشركات في العربية السعودية: هل هي في تراجع أم أنها تتخذ منحى آخر؟

 المسؤولية الاجتماعية للشركات في الشرق الأوسط تتميز إلى حدٍّ بعيد بعقلية الأعمال الخيرية إلا إن طبيعتها أعمق وأبعد من ذلك بكثير

المسؤولية الاجتماعية للشركات في العربية السعودية: هل هي في تراجع أم أنها تتخذ منحى آخر؟

بقلم دايفيد رونيغارد، كبير الزملاء الباحثين في المعهد الأوروبي لإدارة الأعمال

شرع الغرب في الدراسة المعمّقة لدور الشركات في المجتمع منذ حوالي أربعين عاما مضت. وكان جُلّ اهتمام المسؤولية الاجتماعية للشركات في ذلك الحين منصبّا بشكل رئيس على التبرعات والأعمال الخيرية التي تقدمها الشركات. أما اليوم، فالبحث يهتمّ بشكل أكبر بالتخطيط الهادف الخاص بالمسؤولية الاجتماعية للشركات، الذي تحاول من خلاله الشركات إيجاد طرق لتحقيق الملاءمة بين مصالح المساهمين بطريقة تحقق الربحية وبين البقاء على المدى الطويل. غير أن المسؤولية الاجتماعية للشركات في الشرق الأوسط تتميز إلى حدٍّ بعيد بعقلية الأعمال الخيرية. ولهذا فمن السهل على المحللين الأجانب أن ينظروا إلى المبادرات الحالية المتعلقة بالمسؤولية الاجتماعية للشركات في المنطقة باعتبارها عتيقة الطراز، وإلى الشركات في الشرق الأوسط باعتبارها "متخلفة" في تفكيرها حول المسؤولية الاجتماعية للشركات، وإلى تطوير المسؤولية الاجتماعية للشركات في الشرق الأوسط باعتبارها مسألة الهدف منها هو "اللحاق بالغرب".

يسود الاعتقاد القائل إنّ المسؤولية الاجتماعية للشركات هي شكل من أشكال الزكاة التي تخرجها الشركات، والزكاة هي أحد أركان الإسلام الخمسة التي تقضي بإيتاء المسلمين لنسبة محددة من أموالهم ودفعها إلى الفقراء، وذلك ما يفسّر اهتمام المسؤولية الاجتماعية للشركات في المنطقة بالأعمال الخيرية. في شهر ديسمبر 2012 حضرتُ مؤتمرا عن المسؤولية الاجتماعية للشركات في السعودية عقد في مدينة جُبيل التي تقع على ساحل العربية السعودية المطل على الخليج. وقد عكسَت المشاركات الصادرة عن الشركات الاعتقاد القائل إن المسؤولية الاجتماعية للشركات هي في الأساس شكل من أشكال الأعمال الخيرية. وقدّم المصرف التجاري الوطني السعودي مساعدته لمنظمة تعنى بالمعاقين، بينما أظهرت شركة مصفاة آرامكو السعودية شل (ساسرف) أنها تبرعت بأموال لمشروع عن السلامة المرورية، وكلّها مشاريع لا تمتّ إلى النشاطات الأساسية لتلك الشركات بصلة.

أما المجال الرئيس الثاني للنشاطات الناتجة عن المسؤولية الاجتماعية للشركات في السعودية فيُعرَف بمصطلح السَّعْوَدَة، وهي عبارة عن أنشطة تهدف إلى تقديم الدّعم والتشجيع للمواطنين السعوديين الشباب للانضمام إلى القوة العاملة، وفي الإمارات العربية المتحدة يُشار إلى البرامج المشابهة باستخدام مصطلح التوطين. وغالبا ما يفتقر أولئك المواطنون الشباب إلى القدرة أو الرغبة في التنافس مع العمالة الأجنبية الأفضل تعليما والأرخص. وتتكون تلك المشاريع في جزء منها من توجيهات حكومية تحدّد نسبة العمالة الوطنية التي ينبغي أن تقوم الشركات بتوظيفها، ولكنها تتكون أيضا من مبادرات طوعية تقدّم الشركات من خلالها برامج تدريبية. ولكن ثمة شكوك حول نجاعة النسب المفروضة من جانب الحكومة. وتوحي الكثير من القصص أن الكثير من "العمّال الأشباح" يُستَخدمون لتحقيق الالتزام بالنسب المفروضة على الشركة من دون أن يكون على أولئك العمال أن يذهبوا إلى العمل. أمّا العمالة الوافدة في السعودية فتغطي طيفا واسعا، فمنهم المغتربون من ذوي المستوى التعليمي العالي ويأتون من الغرب في المقام الأول. وهؤلاء المغتربون غالبا ما يعيشون في "مجمّعات" تديرها الشركات التي يعملون بها، إذ تقوم الشركات بتوفير مساكن وبنية تحتية قادرة على استيعاب ما يصل إلى عشرة آلاف شخص، بما في ذلك المحلات التجارية الكبرى والمنشآت الترفيهية ومراكز التسوق والمستشفيات والحماية الأمنية الخاصة بهم. وعلى الطرف الآخر من الطيف، ثمة الأشخاص الذي ينتمون إلى الأجزاء الأكثر فقرا من جنوب شرق آسيا، فالكثير منهم يذهبون إلى هناك للعمل كخدم في المنازل وعمّال بناء. وتعج وسائل الإعلام الأجنبية بتقارير عن ظروف العمل المريعة، والعنف الجسدي، والعمال الوافدون الذين تتم مصادرة جوازات سفرهم حتى لا يتمكنوا من مغادرة البلاد من دون إذن الشركة.

المَنسيّات

ثمة صمت مطبق فيما يتعلق ببعض المجالات الأخرى، ففي مؤتمر جُبيل حيث الصناعة النفطية المهيمنة بشكل تام في المدينة، لم تلق الاهتمامات البيئية إلا إشارة عابرة. ولم يكن ثمة أي ذِكرٍ للهموم المتعلقة بحقوق الإنسان للعمالة الوافدة أو لملساواة في المعاملة التي يجب أن تتمتع بها المرأة في مكان العمل. وفيما يتصل بالمسؤولية الاجتماعية للشركات   لا تعدّ المساواة بين الجنسين قضية تستحق الاهتمام، ففي مؤتمر جُبيل الذي شارك فيه 160 شخصا لم تكن أية امرأة حاضرة. ولا تمثِّل النساء العاملات في السعودية إلا 15% فقط من القوة العاملة، كما أن النساء السعوديات لا يمثِّلن إلا رقما صغيرا من تلك النسبة، وكثيرة هي المواقف السلبية التي يتم اتخاذها إزاء النساء العاملات. وخلال إقامتي نقلت مقالة واردة في الصفحة المقابلة لافتتاحية صحيفة أخبار العرب عن أحد الشيوخ تشبيهه للنساء العاملات في قطاع الرعاية الصحية علانية بالعاهرات.

ولكن ثمة إشارات نحو التغيير، إذ بدأت شركة الأزياء السويدية (إتش آند إم) بتدريب نساء سعوديات للعمل في فروعها المحلية، وهذا ما يدلّ على وجود توجه عام لدى الشركات الأجنبية في السعودية والإمارات العربية المتحدة للمشاركة بشكل متزايد في المسؤولية الاجتماعية للشركات وبشكل يفوق نظيراتها المحلية، على الرغم من أن أداء تلك الشركات الأجنبية ما زال دون مستوى أدائها في بلادها الأصلية. والتفسير لذلك هو أن الشركات متعددة الجنسيات تتأثر  بشكل أساسي بضغوط المساهمين في بلادها الأصلية، والمثال المعبّر على ذلك هو سيل الانتقادات الذي تعرضت له شركة (آيكيا) من جانب السويديين وذلك لحذفها كل صور النساء تقريبا من النسخة السعودية لكتاب منتجاتها (كاتالوج).

التطور الموازي

لا تعدّ الاختلافات التي نراها اليوم بين الشركات الغربية والمحلية مسألة نضوج فحسب، إذ إن اهتمام المسؤولية الاجتماعية للشركات المنصب على الأعمال الخيرية والذي قد يبدو للمحللين الأجانب أمرا ينم عن تخلف هو في الواقع أمر متأصل في الموروث الديني. ومن المحتمل أن نشهد كيف يمكن للشركات الرائدة في المنطقة أن تتبنى تصورات صحيحة  للتخطيط الهادف، كما أنه من المرجح أن نرى كيف تتم ترجمة ذلك إلى تبرعات خيرية مصممة بحيث تكون أكثر خدمة للخطط الهادفة. غير أنّ المسؤولية الاجتماعية للشركات في الشرق الأوسط لا يمكن لها أن تكون ولن تكون مجرّد مسألة لحاق بركب الشركات الغربية فيما يتصل بالتخطيط الهادف الخاص بالمسؤولية الاجتماعية للشركات. ففي الوقت الذي تكافح فيه الشركات الغربية لتطوير قوانينها الناظمة للأخلاق المهنية وإيصالها للآخرين، تستمر الشركات السعودية بعملها في بيئة ثقافية ودينية محددة تتخلل قطاعات المجتمع بأكملها، بما في ذلك قطاع الأعمال. ثمة احتمال كبير أن يصبح الإسلام أساس القوانين المهنية للشركات في العربية السعودية، وربما في الشرق الوسط بشكل عام. ورغم أن المسؤولية الاجتماعية للشركات في الشرق الأوسط قد تأثرت بالتطورات الغربية، إلا أنها ستتخذ منحى تطويريا خاصا بها.

 

كلية انسياد-  INSEAD