لاحظنا أنك تحجب الإعلانات

واصل دعمك للصحافة اللائقة بتعطيل أدوات حجب الإعلانات

في حال وجود استفسار عن سبب ظهور هذه الرسالة ، اتصل بنا

حجم الخط

- Aa +

Thu 26 Apr 2012 10:08 AM

حجم الخط

- Aa +

الفساد المستشري يلقي بظلاله على الأمل في مصر جديدة

لم تتغير البيروقراطية في دوائر الحكومة في مصر ولا تزال المحاباة والمحسوبيات والفساد قانون عمل الموظفين في هذه الدوائر والمؤسسات، مما يزيد إحباطات المصريين بأن شيئا ما لم يتغير بعد الثورة

الفساد المستشري يلقي بظلاله على الأمل في مصر جديدة
سماء القاهرة

رويترز) - في مكتب لاستخراج تراخيص السيارات في العاصمة المصرية القاهرة تحول الاحباط إلى يأس في نهاية المطاف واندلعت مناوشات بين مواطنين لم يكن بوسعهم ان يفعلوا شيئا طوال فترة الانتظار الا مراقبة حشرات صغيرة على الحائط لقتل الوقت. 

 

 

جلس الموظف خلف الحاجز الزجاجي يحتسي الشاي وبدا أن المناوشات لم تقلقه. ودون أن يعبأ بالطابور ابتسم الموظف إلى رجل وامرأة يرتديان ملابس فاخرة ونظارات شمسية ليتقدما حتى يعمل على إنهاء أوراقهما أولا.  ويألف كثير من المصريين للأسف مثل هذا المشهد ويمقتون التقدم بطلب للحصول على وثائق رسمية لانهم يعلمون أنهم قد يقضون ساعات أو أياما أو حتى أسابيع في طوابير الانتظار بالمكاتب الحكومية لاستكمال الأوراق في عملية تستهلك أعمارهم.  ورغم الفوضى الظاهرة على المشهد فإن نظاما دقيقا يعمل ويصب في جيوب الموظفين الحكوميين ليحرم المواطنين من حق الحصول على الخدمات الأساسية ويضيق الخناق على الاقتصاد المصري. 

 

وكان الفساد المستشري واحدا من المشاكل الرئيسية التي جعلت المصريين ينزلون إلى الشوارع للاطاحة بالرئيس السابق حسني مبارك العام الماضي.  ويحاكم الان مبارك وابناه والكثير من أفراد النخبة السياسية وطبقة رجال الاعمال التي ظهرت في عهده باتهامات بتبديد الثروة الوطنية بينما يعاني ملايين المصريين من الفقر. 

 

 

وصدرت أحكام بسجن بعض ممن علا شأنهم في عصر مبارك مما أحيا آمال في عهد جديد يحاسب فيه الجميع خاصة بعد أن تتشكل حكومة منتخبة عقب أول انتخابات رئاسية حرة تجرى في البلاد في مايو أيار ويونيو حزيران.  لكن هذه الروح لم تصل بعد إلى المكاتب الحكومية في العاصمة. ويشتكي بعض المصريين الذين ينتظرون في الطوابير لاستخراج الأوراق من أن الفساد على مستوى صغار الموظفين أصبح أسوأ بعد الانتفاضة وذلك بسبب التراخي الذي أصاب أجهزة انفاذ القانون. 

 

ويعرف المواطنون في المكاتب الحكومية قائمة كاملة من الايماءات والاشارات والتلميحات والجمل التي تستخدم للتعبير عن رغبة الموظف في الحصول على رشوة.  ومن هذه الجمل التي تقال عادة مع ابتسامة "أتمنى لك يوما دون متاعب" و"قدم لي كوبا من الشاي" و"ساعدني على شراء شيء جيد للأولاد". ويستخدم الكثير من المصريين لفظ "الحلاوة" للاشارة إلى الرشوة.  وقال طارق محمود وهو مصري يبلغ من العمر 35 عاما "اتضح أن الاطاحة بمبارك سهلة لكن القضاء على فساده مهمة مستحيلة." 

 

وأضاف محمود أنه انتظر لشهور لاستخراج رخصة لاقامة كشك بعدما أنهى حادث تعرض له عمله كسائق سيارة أجرة وجعله غير قادر على المشي بدون عكازين.  وقال "ليس عندي معارف ولا أموال لدفع رشاوى لذا لن يستمع إلي أي مسؤول.. لا أريد أن أعود إلى المنزل. أفضل البقاء في الشارع على مواجهة زوجتي وأبنائي الستة الذين ينتظرون مني أن أجلب لهم الطعام." 

 

ووضع مؤشر الفساد التابع لمنظمة الشفافية الدولية مصر عام 2011 في المركز رقم 112 من بين 182 دولة. والدولة التي تحتل المركز الأول هي الأقل فسادا في قطاعها العام.  وتباهى رجل شرطة في الثلاثينيات من العمر كان من بين ثلاثة موظفين حكوميين قالوا لرويترز إنهم يحصلون على رشاوى بالأسلوب الذي يتبعه.  يقف الرجل أمام المباني الحكومية التي تستخرج منها تراخيص السيارات وغيرها من الوثائق ويعرض تقديم خدماته لتسريع وتيرة الاجراءات في مقابل 50 جنيها مصريا (8.27 دولار) للفرد.  ويتعامل الموظفون الحكوميون مع ما يفعله رجل الشرطة هذا بتساهل ويعطيهم في المقابل تسهيلات في خدمات الشرطة أو مجرد كوب من الشاي.

 

 

وقال الشرطي إن الرشاوى التي يحصل عليها كثيرا ما تفوق إجمالي راتبه الشهري الذي لا يتعدى 650 جنيها مصريا (110 دولارات). 

 

 

وأضاف "لهذا السبب يزيد الطلب على مهن مثل مهنتي.. أفضل ألا أسمي ما أحصل عليه من الناس نظير الخدمات رشاوى. أفضل أن أسميها دعما ماليا."  وقال موظف في محكمة يبلغ من العمر 50 عاما إنه يمكن أن يحصل على ما يصل إلى ألف جنيه في اليوم من الرشاوى التي يتلقاها نظير السماح بالاطلاع على وثائق المحكمة. ولا يتعدى الراتب الشهري لهذا الموظف 800 جنيه.  وأضاف "يحتاج كل المحامين إلى وثائق المحكمة من أجل قضاياهم وإذا كان المحامي الذي يعمل في القضية مشهورا أو كانت القضية كبيرة فإنني أطلب 100 أو 200 جنيه وأحيانا أكثر.. لكن إذا لم يكن المحامي شهيرا فلا أطلب سوى 10 جنيهات." 

 

 

وقال موظف حكومي في منتصف الاربعينات يعمل في مكتب حكومي لتسجيل الوثائق الرسمية انه يجني نحو 700 جنيه شهريا من المدفوعات "غير الرسمية".  واستطرد "لا أطلب أي شيء ولكن عندما أرى مواطنا يقف في نهاية طابور طويل أعرض عليه إنهاء المطلوب بسرعة والحصول على مبلغ نظير هذا." 

 

 

واتفق الموظفون الحكوميون الثلاثة على أن معظم زملائهم يفعلون نفس الشيء ويحصلون على رشاوى.  ويعمل الكثير من الموظفين الحكوميين في مبان قذرة ومتداعية لا توجد بها أماكن لجلوس المواطنين خلال فترات الانتظار ولا دورات مياه.  وقال عمرو عدلي وهو محام في المبادرة المصرية للحقوق الشخصية وهي جماعة حقوقية رفعت الكثير من قضايا الفساد ضد الدولة في عهد مبارك إن المكاتب الحكومية مصممة هندسيا بشكل يجعل الناس تكره البقاء فيها وتجبرهم على دفع رشى.  وتعهد وزراء متعاقبون خلال فترة حكم مبارك بامتداد 30 عاما بمواجهة الفساد لكن المشكلة تفاقمت وتأصلت بسبب الفقر ووجود عيوب في تطبيق القانون وبسبب العدد الكبير من الموظفين الحكوميين. 

 

 

واعاقت جهود جماعات المجتمع المدني حالة الطوارئ المفروضة في مصر منذ عقود ومازالت مفروضة بشكل جزئي إلى جانب قانون صدر عام 2002 يحد من نشاط المنظمات غير الحكومية.  وتجنبت الحكومة المؤقتة الحالية المدعومة من المجلس العسكري الذي يدير شؤون البلاد منذ سقوط مبارك قطع وعود كبيرة لحل المشكلة. ومن المقرر ان تترك هذه الادارة الحكم في يونيو.  ويقول نشطون إن الحكومة المقبلة التي ستخضع لمحاسبة أشد وستتولى السلطة في يوليو تموز ستتعرض لضغط شديد لتحسين حياة المواطنين الذين انتخبوها وسيكون الفساد من القضايا المهمة التي ستتصدى لها.  وتوقع عدلي أن يحتاج استئصال الفساد في مصر أكثر من عشر سنوات لأن هناك حاجة لتمرير قانون جديد يعطي سلطة لوكالات مكافحة الفساد ويجعل فصل الموظفين الذين يرتكبون تجاوزات أسهل. 

 

وأضاف أن المدة التي سيستغرقها الأمر تتوقف على سؤال واحد: هل سيكون حكام مصر الجدد على استعداد لكشف الفساد ومواجهة ما يترتب على ذلك من فقد لكيانات ادارية للدولة أم أنهم سيسيرون على خطى المجلس العسكري ولا يفعلون شيئا؟