الفن التشكيلي في سورية رواد الحداثة يعرضون في دبي

لم تتجلّ الحداثة على نحو واضح في مختلف مجالات الفنون والآداب في سورية كما تجلت في مجال الفنون التشكيلية، ولاسيّما في الرسم وفن النحت.
الفن التشكيلي في سورية رواد الحداثة يعرضون في دبي
بواسطة Richard Dcruze
الأحد, 18 مايو , 2008

لم تتجلّ الحداثة على نحو واضح في مختلف مجالات الفنون والآداب في سورية كما تجلت في مجال الفنون التشكيلية، ولاسيّما في الرسم وفن النحت.

وعلى الرغم من أنها جاءت متأخرة نسبياً هنا بالمقارنة مع الأنواع الأدبية الأخرى كالرواية والمسرح، إلا أنها سرعان ما فرضت نفسها كتعبير يتجذر بعمق يوماً بعد يوم، وينهل في آن واحد من مدارسها الأولى في الغرب مثلما يتشرّب من طبيعة الأرض التي ينمو ويتطوّر فيها وينتمي في الوقت نفسه إليها.

عشاق الفن والجمال على موعد مع معرض لرواد الحداثة الجديدة في سورية يوم الأول من الشهر المقبل في جميرا سنتر صالة بوزار للفنون الجميلة. واللوحات المعروضة تمثل اتجاه الفن الحديث في سورية ورواده الاوائل عندما كانت اللوحة الجديدة تلاقي استهجانا من قبل اوساط واسعة من الجمهور..

في نظرة سريعة على ما أنتجه الفنانون التشكيليون السوريون من جيل الرواد أو من الأجيال التي تلته ممن يُقدّم بعضٌ من أعمالهم اليوم أنه ليس إلا بضاعة مستوردة كما قال بعض الباحثين عن الأصالة بأي ثمن حتى ولو غاب الإبداع. كما يمكن لبعض النقاد، وقد فعل بعضهم ذلك، أن يأخذوا على هذا الإبداع أنه جمع في وقت واحد مدارس في التعبير التشكيلي قضى الغرب قروناً في تكوينها وفي تحديد ملامحها.

لكن النظرة المتعمقة تنقض مثل هذه الأقوال جميعها وتؤكد في الوقت نفسه أن الفنان في سورية، بل وينسحب الأمر أيضاً على بقاع عديدة من الوطن العربي، كان في إبداعه وريث حضارة تشكيلية عريقة متجذرة في الأرض منذ آلاف السنين. وأنه كان عليه ليصل لحظة الحاضر بماضيه أن يختصر المسافات الزمنية وأن يمارس أشكال التعبير كلها معاً أو على التتالي.

وسيكون من العبث الافتراء على التاريخ بابتكار بدايات له مصطنعة. إن الألوان التي تفنّن في مزجها بابتكار الجديد منها فاتح المدرس والياس زيات هي ألوان هذه الطبيعة التي كانوا يعيشون فيها؛ والوجه الواحد دوماً المتعدد إلى مالا نهاية، والوجوه في أيقونات الياس زيات الحديثة ترسم الآلام، آلام هذا الوطن الذي لم يكفّ لحظة عن المعاناة.

ولا يمكن لأيّ ناقد فني إلا أن يتعرّف في تكوينات محمود حمّاد وأدهم إسماعيل ونصير شورى ونعيم إسماعيل ونذير نبعة على الفنان السوري في كل ملامحه ولاسيّما في عمق خصوصيّته التي تتجلى في هذه الصلة شبه الدموية بالأرض وبالبيئة وبهمِّ الإنسان فيها. ولقد بات لؤي كيالي الذي مضى في قمة شبابه هذا الرمز لفنانٍ يصير فنه قضيّته وقضيّته فنّه.

وليس من قبيل الصدفة أن الفنان التشكيلي السوري عاش وهو يطوّر فنه وأدواته مستوحياً حضارة عريقة ميزتها على وجه الدقة الوحدة والتعدد أن يتسم مبدعه بهده الميزة التي تصل به فعلاً إلى مقام التصوف الذي ما هو إلا هذا النزوع نحو الوحدة في التعدد والتعدّد في الوحدة.


وكان نذير نبعة في تجلياته الجديدة يسلك هذا الطريق نحو هذا المقام الذي لو أنعم الإنسان في مبدعاته منذ نهاية الستينات لوجد أنه كان يسير في اتجاهه أصلاً وها هو يبلغ منه مرحلة التجليات.

وفي محاولة لتقريب وجهة نظر الفنانين السوريين الجدد يقول الفنان نذير نبعه يتخذ سطح اللوحة مسرحا للوجود ملعبا لسيولة المادة تحت سطح سكين الرسم أرضا خصبة للأشكال تنمو وتتوالد تحت ضغط الحذّّّ وحنان الأصابع ورحمة العاطفة نافذتي هي فراغ اللوحة فراغ اللوحة هو طريقي إلى الأشياء أطلق بصيرتي في فضاء حر المدى ليرى البصر نكهة النور ويقرأ العقل أبعاد الزمان ويحس الفوْاد روعة المكان فيتحول يقين الواقع إلى مكان للحلم.

هذا الكلام ربما يكون مثالا لنظرة الفنان التجديدي في رؤيته غير التقليدية للفن والتي كانت نظرة تقليدية ومقولبة في نظرة لم يرضى بها الفنانون الجدد.

وفي الحقيقة، فقد حقق الفنان التشكيلي في سورية حضورا متميزا على الساحة الفكرية والفنية. ولجأ إلى مختلف أشكال التعبير الفنية التي قدمت إليه من الغرب، فعمل على تمثلها واحتوائها ومن ثم تجاوزها بما يتلاءم مع واقعه وتراثه.

وهكذا خرج بشخصية فنية ذات أبعاد كاملة تتمتع بملامح خاصة به ولغة فنية حديثة لها جذورها العريقة، متفاعلة مع الواقع وقادرة على التغيير، هدفها تقديم فن معاصر يتوافق مع العام والخاص وقادر على البقاء والاستمرار.

مر الفن التشكيلي السوري بظروف ومراحل متعددة, تبلور أثناءها ليصل إلى ما هو عليه اليوم.

وهي آخر فترة من الحكم العثماني 1900-1918 وفترة الانتداب الفرنسي 1920 - 1946 وفترة الاستقلال 1947-1956.


فترة الحكم العثماني

بعيدا عن الصياغات الفنية التقليدية المتوارثة منذ أقدم العصور وإبان فترة الحكم العثماني، انبثقت أولى المحاولات الفنية التشكيلية التي وضع الفنانون الرواد أسسها الجديدة مازجين بين التقنيات العربية وما جاءهم من الفن الأوروبي.

وهنا كان المنعطف التاريخي الهام حيث دخلت الحركة الفنية ضمن مرحلة جديدة تتماشى مع بداية اليقظة العربية ومع نمو الأفكار القومية، وانتشار هذه الأفكار في الوطن العربي ومترافقة مع حركة تمرد على الحكم العثماني ومفاهيمه السائدة آنذاك.

فإذا بدأت نهضة فنية فكرية عربية حديثة، هذه النهضة عكست كل التغيرات التي طرأت على الواقع العربي ككل.وهنا برز دور الفنان التشكيلي الذي عكس أحداث هذه المرحلة عن طريق الصياغة التشكيلية والواقعية.

فترة الانتداب الفرنسي

برزت متغيرات جديدة على الساحة السورية أدت إلى تبدل وجه الحركة الفنية، حيث تفاعل الوافد من المفاهيم والأساليب الجديدة مع الواقع المحلي وما يحمله من مواضيع ومطامح،تفاعل الرواد مع هذه المتغيرات وأصبحت هذه الفترة الجديدة بمثابة مرحلة تكوين وبناء للحركة الفنية السورية.

أقيم أول معرض للفنانين التشكيليين في(دار الموسيقى الوطنية) عام 1940ومن ثم معرض آخر في(معهد الحرية) عام 1944.

فترة الاستقلال

بعد رحيل المستعمر توسعت الحركة الفنية وازدادت الأنشطة وبدأت تجربة الرواد تسير إلى مرحلة النضج. وأولت الدولة رعاية الحركة الفنية فأرسلت العديد من الموهوبين إلى الغرب لمتابعة الدراسة الفنية والتعرف على الفن العالمي ومن ثم تعيين مدرسين للتربية الفنية في المدارس والجامعات.


وقد قامت الدولة بتنظيم معرض فني سنوي جماعي لكل فناني القطر السوري.

في هذا الجو من الازدهار الفني أخذت الانطباعية المحلية مكانها ووصلت إلى أقصى شاعريتها بلونها المحلي المتماشي مع البيئة.

أما بالنسبة إلى الواقعية فلقد حلت لوحات الطبيعة الصامتة ومشاهد الريف محل اللوحات التاريخية. ثم ظهرت بعض التجارب التعبيرية والسريالية والرمزية ولكنها لم تلق نفس الاهتمام الذي لاقته الانطباعية.

وكان أول معرض دوري سنوي في (متحف دمشق الوطني) في عام 1950.

وفي نفس العام بدأت الدولة باقتناء بعض الأعمال لتشجيع الفنانين مما خلق روح المنافسة الجميلة بين الفنانين. وكذالك تحول الكثير من الجمعيات الأدبية إلى صالات عروض فنية.

ثم تأسست (الجمعية السورية للفنون الجميلة) وقد ضمت هذه الجمعية التشكيليين والكتاب والموسيقيين والمثقفين من جيل الشباب مما خلق جوا ثقافيا وفنيا رائعا يتألق في المعارض الفنية والندوات والحفلات الموسيقية والمحاضرات الثقافية.

لعبت هذه الظاهرة دورا هاما في تقريب الفن إلى الجمهور فتشكلت جمعية (محبي الفنون الجميلة) عام 1952. ومن ثم تشكلت (رابطة الفنانين السوريين للرسم والنحت) عام 1956. وقد كان هذا العام ولادة لحركة جديدة هي مرحلة الحداثة الفنية التي بدأت تتمرد على كل ما سبقها.

مدير المتاحف والمعارض بمعهد العالم العربي - باريس

اشترك بالنشرةالإخبارية

اشترك بنشرة أخبار أريبيان بزنس لتصلك مباشرة أهم الأخبار العاجلة والتقارير الاقتصادية الهامة في دبي والإمارات العربية المتحدة ودول الخليج

أخبار ذات صلة