عبد الرزاق عيد ينصف طه حسين من منتقديه

أراد الكاتب السوري عبد الرزاق عيد أن يقدم تقييما لدور عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين فأنصفه من منتقديه في اليمين واليسار.
بواسطة Shahem Shareef
الأربعاء, 06 فبراير , 2008

أراد الكاتب السوري عبد الرزاق عيد أن يقدم تقييما لدور عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين فأنصفه من منتقديه في اليمين واليسار كما أشاد بالقراءة الماركسية الشامية لأفكاره قائلا إنها أكثر تفاعلا وحماسا مع مشروع العميد من القراءة الماركسية المصرية "الفاترة" له.

وفي كتابه (طه حسين رائد العقلانية الليبرالية العربية) يقول عيد أن حسين "مكتشف قارة التاريخ في الفكر العربي الحديث" ورغم ذلك وربما بسبب ذلك واجه انتقادات مستمرة إذ "أثمه" الأزهر والماركسيون و"مدرسة (ثورة) يوليو" وكان التفريط في أفكار العميد من أسباب نزيف ميراث التنوير الليبرالي منذ السبعينيات حيث شهدت "النزوح الجماعي للعقل العربي" باتجاه التراث والانغلاق على الذات بدافع الخصوصية.

ويضيف أن الجغرافيا بين الشرق والغرب بالنسبة لحسين هي جغرافيا الروح لا جغرافيا الطبيعة. فعلى سبيل المثال كانت أوروبا في كتابه (مستقبل الثقافة في مصر) 1938 خارج ثانية الأنا-الآخر "بل هي المنجز الحضاري الكوني للجميع" والحدود بين العالم العربي وبينها ليست جغرافية وإنما فكرية تفصل بين التقدم والتخلف والاستبداد والحرية والعلم والجهل.

ويقول عيد أن مشروع طه حسين اغتيل في المرحلة الناصرية بتعدد خطاباتها "القومية-الماركسية-الإسلامية" كما اغتيل في السبعينيات وما تلاها مع تصاعد المد الديني وظهور وكلاء للتراث الإسلامي ووكلاء للحداثة الغربية "أي السمسرة على الدين والعلم معا".

ويقع الكتاب في 307 صفحات متوسطة القطع وأصدرته دار (رؤية) في القاهرة.

ومازال طه حسين (1889-1973) يحظى بمكانة مرموقة في الفكر العربي كنموذج للمفكر الموسوعي الذي يؤمن بأن له دورا اجتماعيا يتجاوز حدود المنهج الدراسي وأسوار الجامعة فهو الذي أطلق صيحة "التعليم كالماء والهواء" حين كان وزيرا للمعارف (التعليم) في مصر (1950-1952).

كان طه حسين في مصيف بإيطاليا حين قامت ثورة 23 يوليو تموز 1952 التي أنهت حكم أسرة محمد علي (1805-1952) للبلاد بدون إراقة دماء ثم غادر الملك فاروق مصر بعد ثلاثة أيام. وكان طه حسين أول من وصف ما قام به ضباط الجيش بأنه "ثورة.. ليست حركة جيش" وفي عام 1953 أبلغه اللواء محمد نجيب أول رئيس مصري بعد الثورة بموافقة مجلس الوزراء على اختياره عضوا بلجنة التعليم ثم أرسل إليه يخبره بتعيينه عضوا باللجنة التي ستضع مشروع الدستور الجديد.

وشهد شهر يناير كانون الثاني 1953 حل الأحزاب السياسية المصرية واحتدام الصراع بين أنصار الديمقراطية وأعدائها في مجلس قيادة الثورة وبعد نحو عام أقصي رئيس البلاد ثم أعيد ثم استبعد نهائيا في نهاية عام 1954 وحددت إقامته.

لكن عيد يذكر بأن حسين واجه "سندان شعبوية الخطاب الشمولي العسكري" حين كتب في مجلة (الكاتب) في يناير 1953 قائلا.. "فمصر لا تحتاج إلى شيء بمقدار ما تحتاج إلى أن تتحرر عقول أبنائها.. والعقل الحر هو الذي لا يقبل أن يفرض السلطان السياسي عليه رأيا من الآراء ومذهبا من المذاهب.. والعقل الحر هو الذي لا يقبل دكتاتورية مهما يكن غرضها ومهما يكن أسلوبها في الحكم. لن نرضى من الثورة إلا بأن يتسع سلطان العقل حتى يغزو بالمعرفة نفوس المواطنين جميعا وبأن تتسع آفاق العقل حتى يتلقى المعرفة من أقطار الأرض جميعا وبأن يعظم سلطان العقل حتى لا يخشى رقيبا حين يعلن ما يرى خطأ كان أم صوابا."

ويعلق المؤلف السوري قائلا "لن نستغرب في عرمرم الاندفاعة الشعبوية- الثورية الفلاحية أن يرمى العقل الليبرالي الراديكالي المشبع بأرقى تقاليد قيم التنوير والنهضة والحداثة بأنه إقطاعي" مضيفا أن أصحاب هذا الاتهام نموذج لثقافة "التسطيح والعموميات الغوغائية المعبرة عن ضيق أفق حثالات المدن ورعاع الريف."

ويقول عيد أن العميد لحقته تصنيفات إعلامية وتوظيفات أيديولوجية وسياسية حجبت عن الثقافة العربية "الأهمية الجليلة لمشروعه الفكري والحضاري فلقد أنهك مشروعه الطليق الرحب ضيق أفق نزوعات التصنيف والترتيب والتبويب والترهيب ومن ثم التكفير دينيا والتخوين وطنيا وقوميا...عندما يقوم الماركسيون العرب بإعادة قراءة طه حسين فإنما هم يقومون بإعادة قراءة منهجهم ذاته في الفكر والسياسة والاجتماع.. يعيدون ترتيب علاقتهم بطه حسين ورعيله... هي شهادة على رد الاعتبار لأنفسهم كمثقفين."

ويضيف "هناك أمم كثيرة دخلت حضارة عصرنا دون أن يكون في تاريخها عمر بن الخطاب أو علي بن أبي طالب. ابن رشد أو ابن خلدون. لكن ليس هناك أمة دخلت حضارة هذا العصر دون أن يكون لديها طه حسين الخاص بها يفكك بنى العقل القديم ويؤسس للعقل الجديد" إذ حث قبل 70 عاما في كتابه (مستقبل الثقافة في مصر) على ضرورة أن نكون أندادا للأوروبيين وشركاء لهم في الحضارة لأن عقولنا لا تختلف عن عقولهم.

ويتهم عيد قوى اليسار واليمين التي تجاهلت مشروع طه حسين ثم دعت لتأسيس ما تعتبره بنية عقل عربي جديد بأنها "ليست متهمة بضميرها الأخلاقي بأنه تضليلي فحسب بل هي ستكون تعبيرا مكثفا عن لحظة الوحل التي يغوص بها مشروع التحرر والتقدم العربي الراهن لأنها تلغي قرنا من التقدم على هذا الطريق... عندما تتوهم أنها بداية الشروع والتأسيس."

ويعرض المؤلف قراءات عربية لما يصفه بالظاهرة الليبرالية العقلانية للعميد "أكبر مثقف عرفه هذا القرن (العشرون)" مسجلا مفارقة تتلخص في أن القراءة الماركسية الشرقية الشامية (السورية-الفلسطينية-العراقية) مازالت أكثر تفاعلا وانفعالا من "الفتور المصري تجاه العميد" ممثلا في بعض رموز التيار الماركسي.

ويفسر الحفاوة الشرقية بأفكار طه حسين بأنها تعبير عن الحماس للمشروع المدني الديمقراطي من قبل الماركسية الشامية وهو ما يعكس "عمق أزمة هذا المشروع في مجتمعاتها بشكل أكثر فجاجة وفجائعية من المجتمع المصري الذي حافظ رغم كل الالتواءات الدكتاتورية أو الديمقراطية الشائهة على موروث مدني أكثر عمقا ورقيا مما في بلاد الشام التي مازالت تفقد إلى نوياته الأولى بعد الانقلاب العسكري الفلاحي الشمولي عليه والهبوط إلى مستوى ما دون الدولة."

ويضيف تفسيرا آخر لذلك هو ارتفاع درجة "الحضور الفاعل لظاهرة طه حسين ورعيله" في الثقافة المصرية التي لم تنظر إلى العميد كظاهرة عرضية بل كحلقة في سياق متصل لتطور "بناء مجتمع المؤسسات المدنية والحقوقية (في مصر)... الدكتاتورية الشمولية المصرية لم تستطع أن تقوض كيان الدولة المصرية كبنيان حقوقي وقانوني كما فعلت السلطة في بلاد الشام."

ويلخص الأمر قائلا أن مشروع طه حسين الحضاري-المدني-العقلاني ظهر في مجتمع "سباق على باقي المجتمعات العربية" وأن مصدر الحماس الشامي له يرجع إلى حرمان هذه البلاد من المكتسبات المدنية التي أتيحت لمصر منذ محمد علي في مطلع القرن التاسع عشر في حين استمرت بلاد الشام "تحت ظلام العصور الوسطى العثمانية حتى الحرب العالمية الأولى" فكانت أقل رسوخا من مصر في بنيانها المدني.

اشترك بالنشرةالإخبارية

اشترك بنشرة أخبار أريبيان بزنس لتصلك مباشرة أهم الأخبار العاجلة والتقارير الاقتصادية الهامة في دبي والإمارات العربية المتحدة ودول الخليج

أخبار ذات صلة