جميلة حسين: الشعر بين المجاملة والنقد الذي يطور الطاقات

مجموعة الشاعرة اللبنانية جميلة حسين على ما فيها من سمات دفء وجمال تشكل مجالا لطرح تساؤلات عن الحدود بين المجاملة والنقد.
بواسطة Shahem Shareef
الإثنين, 18 فبراير , 2008

مجموعة الشاعرة اللبنانية جميلة حسين على ما فيها من سمات دفء وجمال تشكل مجالا لطرح تساؤلات عن الحدود بين المجاملة والنقد ومدى المرونة والطواعية التي قد يكون مقبولا أن تكون عليها هذه الحدود.

وتبرز تساؤلات كهذه في شكل صارخ عندما تتحدث أسماء أدبية بارزة معروفة عن عمل جديد لشاعر أو شاعرة من جيل الشباب فلا يأتي الكلام مقنعا في جديته وموضوعيته ولربما جاء متناقضا مع صفات عرفت عن الكاتب الناقد ونظرته إلى الشعر.

كتاب جميلة حسين هو مجموعة شعرية بعنوان "اغتيال أنثى" كتب مقدمتها شاعر وكاتب وناقد ادبي واجتماعي معروف هو جورج جرداق. وقد وردت المجموعة في 110 صفحات متوسطة القطع اشتملت على ما يزيد على 60 قصيدة يحتاج تصنيفها إلى عرض بعضها.

صدرت المجموعة عن "دار الحداثة" في بيروت وبلوحة غلاف للفنان اللبناني شربل فارس.

لابد البداية من عرض بعض ما قاله جرداق في مقدمة المجموعة. يبدأ بداية عامة وبعمق وألم فيقول "في محيط هذه الاستهلاكية الطاغية التي تجتاح العالم وفي زمن صحر فيه الإنسان كما صحرت الأرض لا يزال في الناس من يتشوقون إلى تقديس الحياة..."

ويستمر في الكلام العام فيقول "ومن كان هذا الاهتمام مدار سيرته يدرك تلقائيا أن صوت الفن يعلو كل ما عداه من أصوات لارتباطه الوثيق بالحياة والحب والجمال وبالذات الإنسانية..."

يضيف "ويلفت النظر في هذا الباب أن أصحاب الموهبة التي تؤدي إلى هذا الواقع يكثر في صفوف الحسناوات أو القصائد التي تلبس أجسادا أنثوية جميلة... ومنهن جميلة حسين..."

ننتقل بعد ذلك إلى أسلوب الشاعرة أو ما يسميه "أداة التعبير" فيتحدث جرداق -الكلاسيكي في شعره ومفهومه الشعري والذي غنت له السيدة أم كلثوم- عن مشاعر الشاعرة الدافئة وأفكارها -وفي قوله عامة- كثير من الصحة.

يقول "أما من جهة أداة التعبير في أدب جميلة حسين فان طريقة الكاتبة في التعامل مع اللغة هي الطريقة التي يلجأ إليها أهل الصدق والعفوية من حملة الأقلام ومن عناصرها اللغة البسيطة المعبرة التي تحل محل اللغة المجازية وتدل على صدقية الكاتبة...

"فصاحبة هذا الكتاب لا تلهث وراء الحشد اللفظي الفارغ والتراكيب الغريبة والتعابير المعقدة والمصطنعة التي لا تعبر عن شيء كتلك التي نراها في معظم ما يصدر في أيامنا هذه من منشورات موصوفة بأنها شعر حديث. ويا للغرابة... أن صاحبة هذه المجموعة تنسج قصيدتها المنثورة من خيوط الذاتية ولا تضع ريشتها في محابر الموضة الدارجة التي يلبس جلبابها الآخرون..."

لكن هذا مستغرب على شاعر كلاسيكي الأسلوب يعرف عنه أنه يأخذ على الشعر الحديث تفلته مما سارت عليه التقاليد الأدبية. فالشاعرة لم تكتف بالخروج على أركان القصيدة الكلاسيكية العربية فحسب بل خرجت على مألوف قصيدة النثر. فهي لم تكتب قصيدة عمودية ولم تكتب قصيدة تفعيلة متعددة الأوزان والقوافي ولا كتبت قصيدة النثر العادية.

لقد كتبت قصيدة نثر وجردتها من أهم ما تقوم عليه وهو الخروج من أسر بعض ما يعتبره شعراؤها "قيودا" ثقيلة لا مبرر لها. لقد قيدت نفسها بقافية هنا وهناك فكانت قوافيها تقضي أحيانا على دفق المشاعر وما تبدو عليه من عفوية. انها بعملها هذا أضحت كأنها "لا هنا ولا هناك" وجعلت مشاعرها الدافئة وشاعريتها الحقيقية تنحصر في ما هو أقرب إلى "نثر مسجع".

نقرأ القصيدة الأولى وعنوانها "طيف" حيث تقول الشاعرة "طيفه يلاحقني/ ومن بعيد يناديني/ يرتسم أمامي/ احتضنه في عيني وعليه اقفل جفوني/ حرك دمي واختصر احلامي/ حتى بات وحده يمتلكني أتحسسه أتوهمه ابتسم له/ ويرافقني في منامي .../ بعد أن زينت أحلامي/ وكسرت وحدتي/ وخاطبت حرماتي/ وفي العيش بعثت له رغبتي/ أنت نخلة في صحرائي/ وغيمة تبلل جفائي..."

ننتقل إلى نموذج آخر هو قصيدة "عيناك" فنقرأ مع جميلة حسين إذ تقول "عيناك عتمة ليل بعد مساء/ وغيوم كثيفة تنذر بالبكاء/ عيناك ضفائر بدوية سمراء/ وشامة تلمع على خد فتاة..."

ونقرأ مطلع قصيدة "يوم السفر" حيث تقول الشاعرة "وجاء يوم السفر/ والدمع غزيرا على وجهي انهمر/ والغصة خنقت الكلمات في صدري/ ولم اعد اعرف ما ادري..."

هذه القيود المفتعلة تقضي على الشعري وتحوله إلى نثر بل إلى نثر غير سوي تماما.

مقابل ذلك -بل نقيض ذلك- نجده في بعض ما كتبته جميلة حسين متفلتة من هذا السجن الاختياري حيث تدفقت قدرتها الشعرية منسابة مؤثرة وذات موسيقى داخلية. وكانت القافية المصطنعة تقضي على كل ذلك أو تشوهه. نقرا قصيدتها الأخيرة "أيام من خشب" وفيها تقول "حينما تسقط من أكمامك كل الأقمار/ وتنهار تحت قدميك كل السلالم/ وتذوي الأحلام كما العمر/ وتتلاشى الآمال والأحلام الجميلة.../ وحين تهشمك مخالب الخوف/ وتتبعثر عائلتك في الأصقاع/ وتدفنين شبابك في حقل الانتظار/ وتلفك العتمة كل الأوقات/ وتعيشين أياما من خشب..."

اشترك بالنشرةالإخبارية

اشترك بنشرة أخبار أريبيان بزنس لتصلك مباشرة أهم الأخبار العاجلة والتقارير الاقتصادية الهامة في دبي والإمارات العربية المتحدة ودول الخليج