المحرم: جيل جديد من المبتعثين السعوديين إلى الخارج

قبل أيام طلعت علينا الصحف السعودية بخبر مفاده أن نحو 283 طالباً وطالبة تظلموا من قرار باستبعادهم من فرص الإبتعاث على الرغم  من حصولهم على معدلات علمية مميزة.
المحرم: جيل جديد من المبتعثين السعوديين إلى الخارج
بواسطة Shahem Shareef
الأحد, 06 أبريل , 2008

قبل أيام طلعت علينا الصحف السعودية بخبر مفاده أن نحو 283 طالباً وطالبة تتنوع تخصصاتهم بين علوم طبية وهندسية وتسويق وحاسوب تظلموا من قرار وزارة التعليم العالي باستبعادهم من فرص الإبتعاث على الرغم  من حصولهم على معدلات علمية مميزة في الوقت الذي تم فيه قبول طلبات من هم أقل منهم درجات.

وكالعادة تباينت الأقوال إذ أن الوزارة قالت بأن الطلاب لم يقوموا بإدخال بياناتهم الأولية في التسجيل بطريقة صحيحة وأعطوا معلومات مضللة وفي الناحية المقابلة أكد الطلاب والطالبات أن السبب الرئيسي هو المحسوبية التي لعبت دوراً في عدم إتاحة الفرصة لهم.

خبر كهذا يترك انطباعا عند المرء أن الأمل الوحيد للشباب السعودي في الحياة حالياً هو الإبتعاث للخارج. وعندما يكافح الشاب أو الشابة جاهدين للإبتعاث في ظل صعوبة إيجاد فرص العمل فلا بأس ولكن عندما يكافح ويناضل أي مواطن سعودي لتلتحق زوجته أو أخته أو أبنته بالبعثة لكي يسافر معها إلى الخارج بصفته "محرماً" لها فإن هذه هي المصيبة التي تدعو إلى القلق على مستقبل جيل وشعب.

إن إفلاس الشباب والرجال السعوديين في زمان العولمة أمر لم يعد بالإمكان تجاهله. وأصبح الغالبية في السعودية يتقاتلون على الزواج بامرأة عاملة بعد أن كان الزواج بامرأة عاملة قبل عشرة سنوات على الأقل أمراً لا يجذب الكثير ممن يرغبون في حياة زوجية هانئة.

تختلف الزمن واختلفت الظروف وأصبحت المرأة "رأس مال" ومصدر من مصادر الدخل لدى الرجل السعودي القادم بقوة لينافس العالم في زمن العولمة. ولكن المرأة هي المرأة مستغلة في البيت أو مستغلة عند خروجها للعمل أو حتى عند خروجها خارج حدود الوطن.

إذ أفلس الرجل في القيام بالمسئولية الاجتماعية التي فرضها الإسلام عليه من ناحية القوامة على المرأة وهو في مجتمعه فلا بأس، فالبيوت "أسرار". ولكن عندما ترسل الدولة المفلسين من الرجال الذي فقدوا أحد الصفتين التي أعطتهم حق القوامة على المرأة (وهي الإنفاق) إلى الخارج بصفتهم محارم فهذه مشكلة.

ولكن الدولة أصبحت تتبع سياسة التخفيف من الأعباء الداخلية والتخلص من غير المرغوب فيهم بطريقة قد تؤدي في بعض الأحيان إلى تطور المفلسين وإن كانت المخاطرة عالية جداً ومن يترك بلده مفلساً من ناحية الأفكار والمسئوليات لا يعود إليها إلا مفلساً.

وإذا رجعنا إلى الوراء سنجد أن إبتعاث المرأة السعودية ليس أمراً جديداً على المجتمع السعودي ولكن غالبية المبتعثات في السبعينات والثمانينات كان يتم إبتعاثهن ضمن إبتعاث الزوج والزوجة فالدولة في ذلك الوقت لم تكن تتكفل بالكائنات الطفيلية التي تعيش على دم النساء باسم المحارم.

ومن المؤسف أن تمر الأزمنة ونرى جيل من الشباب يضحي بمنزله وبوظيفته وباستقراره ليسافر إلى الغرب للنوم بجانب زوجته لحمايتها في الليل أو لانتظارها لحين عودتها من الجامعة.

توجه غريب لدى الدولة التي ستصنع جيلاً من الرجال الذي يعيشون عالة على زوجاتهم وتصنع زوجات قوامات على الرجال بما أنفقن من أموالهن على الرجل وبالفارق العلمي الكبير.

لقد رأيت ولم أكن أتمنى أن أرى رجلاً بدوياً أمياً لا يعرف القراءة والكتابة كبيراً في السن لا دخل له ولا عمل في السعودية يجهز مؤن الترحال والسفر ليترك ورائه زوجة وأولاد وبنات آخرين وأحفاد من أجل أن يذهب إلى دولة أوروبية لا تتكلم الإنجليزية لتدرس فيها ابنته تخصصاً طبياً لمدة ست أو سبع سنوات.

ولو كان التخصص نادراً لوجدت لهما العذر ولكن عذرهما أن الفتاة لم يتم قبولها في جامعات المملكة لدراسة نفس التخصص ولهذا أصبح السفر حاجة وضرورة ملحة. والغريب في أمر هذا الرجل أنه لديه العديد من البنات كلهن يردن دراسة الطب بينما لديه ابن يعمل في وظيفة متواضعة.

وهذه الأسرة هي أحد الأسر المهاجرة القادمة إلى جدة من أحد القرى القريبة من مدينة جدة. جاء الأب منذ سنين ورأس ماله في الحياة "سيارة" يترزق منها بينما تعمل زوجته التي جاءت معه من القرية في أحد مدارس جدة الأهلية. ولم يكن أمام هذه الأسرة سوى الاستثمار في الأبناء وحيث أنه لا يوجد لديها إلا ابن واحد يصغر البنات فكان البنات هن رأسمالها.

ولا يوجد تخصصات تعود على الأسرة بعوائد مالية ضخمة سوى التخصصات الطبية ولهذا بدأت الأم في التعبئة وتجهيز الاحتياطي العسكري من أجل حشد القوات وإرسال البنات إلى جبهة الكليات الطبية.

وعندما كبرت أحدى الفتيات وتخرجت من الجامعة جاءها أحدى الكائنات الطفيلية في المجتمع السعودي الذي جاء هو الأخر من منطقة تبعد عن جدة مئات الكيلومترات جنوباً لكي يتزوجها ويعيش على دخلها. فالفرق بينهما في الدخل كبير جداً فمرتبها ثلاث أو أربع أضعاف مرتبه وأتذكر نوع السيارات التي كان يقودها هذا الكائن الطفيلي قبل الزواج من "رأس المال العامل" وبعد الزواج منها. ودخله مستقر كالريال أمام الدولار كما هو منذ سنين والتضخم يزداد والمعيشة تزداد وهو يزداد ترفاً و "رأس المال العامل" يوفر المال للزوج وللأب الفقير.

وتدور الأيام وتكبر أحدى الفتيات ويعيد التاريخ نفسه ويجد الأب نفسه هو الكائن الطفيلي الذي سيذهب على نفقة الحكومة للعيش ست أو سبع سنوات قابلة للزيادة مع ابنته في دولة أوروبية لا يستطيع أن يتواصل مع مجتمعها ولا يستطيع أن ينتج أو يعمل فيها لمجرد أنه "محرم" وبذلك يصبح عالة على المجتمع الأوروبي هناك كما كان في السعودية.

وجاء دور الكائن الطفيلي الأخر ليشجع الأخت الكبرى على السفر للإبتعاث في الخارج وقدم من التضحيات الشيء الكثير فهو مستعد للتخلي عن وظيفته ذات المرتب الشهري البسيط في سبيل أن تكمل زوجته دراستها العليا. وسيذهب هو بصفته محرماً معها للعيش في الخارج مثلما فعل والد زوجته مع أختها. وإن كان هو لديه فرص أكثر للاستفادة من "التجربة الدينماركية" أكثر من والد زوجته وبالنسبة للدخل فما تنفق عليه الدولة شهرياً ليكون "محرماً" يكبر مرتبه الوظيفي.

لا أعلم كيف ستكون نظرة هؤلاء النساء إلى "محارمهن" طوال هذه السنين ولا أعلم ما هذا الجيل الذي سيعود إلى أرض الوطن بعد أن تعود على أن يكون عالة على الدولة والمجتمع وعلى زوجته أو ابنته أو أخته.

أنا لا أرى إبتعاث ولكن أرى تصدير لمشاكل السعودية الاجتماعية التي لم تستطع الدولة حلها وأصبح دفنها في التراب كما يفعل النعام حلاًَ. وبدأت الدولة تتعامل بمبدأ "لندع الأمريكان والأوروبيين يعانون قليلاً كما تعاني الدولة ولعل وعسى أن يأتي الإبتعاث بفائدة".

أن سياسة الإبتعاث في المملكة سياسة فاشلة لم يتم التخطيط لها قبل إرسال الطلاب ولم يتم التخطيط لها لاحتواء المشاكل الاجتماعية والثقافية التي سيحضرها المبتعثين معهم بعد رجوعهم خصوصاً جيل المحارم الذي سيقود المجتمع من وراء امرأة عظيمة.

ليس ما أقوله هو نوع من الأنانية للذكر ولكن محاولة لإنقاذ نظام أسري واجتماعي يقوم على مبدأ الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا. وإذا انهار جزء من النظام انهارت المنظومة وأصبح في المجتمع أنصاف رجال لأنهم أنصاف قوامون على النساء.

ولكن في زمن تفاوت المداخيل بين من عليهم القوامة ومن ليست عليهم القوامة خصوصا إذا كان الرجل غير قادر على الإيفاء بمتطلبات القوامة، فإنه من الطبيعي أن يظهر جيل المحرم الذي يتهرب من مسئولياته ويسلم الزمام للمرأة.

جيل ظهوره في ظل النظام الإسلامي يعد فشلاً للنظام الاجتماعي لهذا الدين. وإذا فشل النظام الاجتماعي فشلت باقي الأنظمة تدريجياً مثل ما حصل في أثينا القديمة قبل انهيارها وقبل قيام الحرب البولينيزية. فلم تنهار أثينا عسكرياً إلا عندما انهارت اجتماعيا وثقافياً وأخلاقياً ولم تنهار إمبراطورية فارس وروما إلا عندما تفكك النظام الاجتماعي والأخلاقي لهذه الدول والإمبراطوريات.

اشترك بالنشرةالإخبارية

اشترك بنشرة أخبار أريبيان بزنس لتصلك مباشرة أهم الأخبار العاجلة والتقارير الاقتصادية الهامة في دبي والإمارات العربية المتحدة ودول الخليج