حسين درويش.. بين الإعجاب والتساؤل

في مجموعة الشاعر السوري حسين درويش التي حملت عنوان "شامة ليل" ما يثير إعجاباً من جهة وتساؤلاً من جهة أخرى.
بواسطة Shahem Shareef
الأربعاء, 26 ديسمبر , 2007

في مجموعة الشاعر السوري حسين درويش التي حملت عنوان "شامة ليل" ما يثير إعجاباً من جهة وتساؤلاً من جهة أخرى.

الإعجاب ينتج عن "مشاهد" وصور موحية مؤثرة في غالبها تتنقل بين الرمزي والواقعي من جهة بدفء حيناً وببرودة فكرية حينا آخر. أما التساؤل فهو ينبع من كون كثير مما تلامسه هذه الصور والمشاهد يصل إلى ابعد من الموضوع الأساسي الذي انطلقت منه وكأنه أحياناً يعيش في حالة استقلالية تكاد تقطع صلته بالموضوع الأساسي. والموضوع الأساسي يكاد يختصر في عدة حالات بشامة على خد محبوبة أو بغسيل منشور على سطح البيوت أو بياسمين في حديقتها.
من السهل عادة إيجاد الرابط بين الحب والحبيب في صفاته الحسية المادية والمعنوية النفسية وبين الحياة عامة أي المصير وآلام الناس وأمالهم والشقاء والسعادة وما بين كل ذلك من مشاعر وحالات. إلا أننا عند حسين درويش نجد كل ذلك يكاد يكون متتابعا في شبه حركة آلية أي أن القارئ يمضي وحيداً من دون أن يأخذ النص الشعري نفسه بيده ليوصله إلى تلك المشاعر والحالات في نمو وتدرج. المقصود هنا أن القارئ يجد نفسه معلقاً بين وصف وجه الحبيبة أو منزلها مثلا وبين صور لاحقة جيدة موحية تبدو منفصلة عما سبقها على الرغم من "تتابع" في الكلمات. ومن هنا يبدو القارئ كأنه يحلل الأمر منطقياً فيقول في نفسه أنه لا بد من أن الحالات الثانية ترتبط بالأولى وذلك من دون أن تحمله تجربة الشاعر إلى هذا الاستنتاج تلقائياً.
صدرت مجموعة حسين درويش عن دار رياض الريس للكتب والنشر وجاءت في 116 صفحة متوسطة القطع حملت بين طياتها 16 قصيدة.
مجموعة درويش هي من نوع قصيدة النثر الحديثة. وعلى الرغم من رسم الشاعر لنفسه شخصية واضحة مميزة فإننا في مجالات متعددة نشعر بخيوط " تتلمذ" وتأثر بمعلم كبير راحل هو الشاعر محمد الماغوط. والكلام هنا ليس انتقادا بل هو إشارة إلى سمات شبه تجاور سمات أخرى في بنية شخصية درويش الشعرية.

القصيدة الأولى "ياسمينها" على ما فيها من تصويرية ورمزية وماغوطية تذكر بأجواء شعراء لبنانيين مثل سعيد عقل والأخوين رحباني خاصة في نتاجهم باللغة المحكية. يقول درويش "ياسمينها/ ياسمينك مر بالباب/ عندما كنت اطرق حوائط البيت/ بحثا عن شال يرف خلف حديقتك/ حيث يجتمع الغرباء/ بثيابهم الضيقة/ وقبعاتهم المخرمة/ يلوحون لظلال ثيابك/ خلف النافذة./ عندما كنت غريبا واعزل/ كنت أمر على ياسمينك/ كما يمر نهر قرب غيمة/ هادرا.. ولا بحر لي.

"وعندما قرأت فصلا/ من شجر الحديقة../ حديقتك السرو/ رأيت نفسي قميصاً/ على أغصانها../ يدلني الياسمين إلى نافذتك."
ويختم القصيدة بهذا المزيج نفسه ويعود في نهايتها إلى ربط منطقي وسببي بين حالته أو حالاته النفسية والشعورية والفكرية المختلفة وامتداداتها البعيدة وبين ما كان يمكن أن يكون أي بينها وبين السبب الذي حال دون أن يكون في النهاية في كل هذه الحالات اليائسة والمطفأة.
قال "حيث يموت الغرباء من الحب/ وتموت الغيمة من المطر/ ويموت السرو في مدفأة الليل/ كدت أن أكون:/ غريبا تحت النافذة/ قطرة في غيمة عابرة/ غصنا في ظلام المدفأة/ لولاه.../ ياسمينك."

وفي قصيدة بعنوان "تمارين حارس وحدتها" نقرأ الشاعر في بعض مقاطع القصيدة يبدأ بمجازات أو برموز من "عاديات" الحياة لينتقل بها إلى بعض حالاته وأوضاعه النفسية والفكرية فيقول "كل مفاتيحك التي جربتها.. تثلمت/ كل أبوابك التي طرقتها...صدتني/ كل همساتك التي أسمعتني/ نسيت وقع أنفاسي" وينتقل بعد ذلك إلى القول "شبابيكك التي لوحت لي/ عيونك التي صعدت قامتي/ بحارك التي شتت جزري/ حقولك التي قلمت طفولتي/ ها أنا ذا أراها/ من ثقب الباب تسهر قرب روحي/ ها أنا ذا أعدها/ ليلة اثر ليلة".

في "التمرين الثاني" من القصيدة يجول جولات بعيدة حلوة ليعود بعدها إلى رمز من رموز حبها لم يعد الياسمين هنا بل صار "منديلها". يقول وان بصورية ميكانيكية نوعا ما عند الحديث عن النجوم "سامحيني أيتها الشفاه/ لقد سقطت نجومي/ خلف ستائرك/ وتركت الحواف طيفا ينوس بين أناملك/ سامحيني يا عصافير/ تنقشت بين الخدين/ وتجمعت قرب الشطآن/ شطآنك التي تفيض/ نهرا يغسل قلبي/ صدأ أبوابي المثلمة.../ لقد لهثت كثيرا تحت شرفاتك/ انتظر منديلا يسقط/ على كتفي/ أغنية تدعوني/ إلى شباكك".

في "التمرين الرابع" تدرج لحالات تجريدية لكنه تدرج منطقي بل ميكانيكي بين حالة وأخرى أو بين سبب ونتيجة على رغم بداية حلوة تذكر ببعض قصيدة "لماذا" لنزار قباني حيث يقول "لماذا...؟ منحت لقلبي الرجاء/ فلما أضاء.../ رحلت بركب المساء..." هنا يقول درويش "امنحي قلبي هذا الرجاء/ لينبض صحوا/ هذا النشيد ليبتل صمته/ امنحيه نعومة ليلك/ زهرة الخلود/ سطوة عينيك/ رحيق مودتك/ ستمر الليالي/ ليلة بعد قمر/ قمرا اثر رجاء/ ستمر أطيافك/ بيضاء فوق وحدتي/ بين الأرائك/ اجمّلها لمجدك."

ويختم بما بدا في السطر الأخير كأنه يسير لغوياً وفق تفسير غير عادي لمقولة "يجوز للشاعر ما لا يجوز لغيره." فيقول "لنبالة عينيك/ حين أغمض عليهما روحي/ لتخلدان."

في قصيدة "أبوابها" أجواء حلوة موحية إجمالا وغوص شبه صوفي في بعض الحالات. يقول "في الطريق إلى بيتها/ حارس الليل/ يرصد سابلة الحب/ حارس الحب/ يقرع الأبواب/ الأبواب المواربة/ الأبواب التي أيقظها الحنين/ الدرج الغامض/ كسطر صيني/ في كتاب العرافات/ الضوء الواهن/ كشجرة سرو نسيتها الريح/ قرب النافذة.../ كلما أوغلت الطريق/ إلى بيتها/ كلما حط سرب حمام/ على شباكها/حمام يقود العاشق إلى فتنتها".
يختم القصيدة بجمال ربما نقلنا إلى أجواء أغنية فيروز للرحبانيين " ما في حدا" وفي بعض الصور إلى قصيدة انجليزية هي "المنصتون" للشاعر وولتر دي لا مار. يختم درويش قصيدته قائلا "حيث ليل يتآخى/ عيون ترصد الطريق/ خلف أبواب الحنين/ أبواب مواربة/ أبواب من صدى.../ أبواب من انتظار طويل."

اشترك بالنشرةالإخبارية

اشترك بنشرة أخبار أريبيان بزنس لتصلك مباشرة أهم الأخبار العاجلة والتقارير الاقتصادية الهامة في دبي والإمارات العربية المتحدة ودول الخليج

أخبار ذات صلة