Posted inمجتمع

مصر: الانفجار الكبير

تقف مصر، أكبر الدول العربية سكاناً، بملايينها الـ 83 على مفترق طرق كبير، منذ أن بدأت فيها الاحتجاجات المطالبة بالتغيير الشامل في الخامس والعشرين من يناير/كانون الثاني الماضي. وللمرة الأولى في التاريخ، ظهر إجماع مصري وعربي وعالمي، على أن بقاء الحال المصري على ما هو عليه طيلة العقود الثلاثة الماضية، صار من المحال.

مصر: الانفجار الكبير

تقف مصر، أكبر الدول العربية سكاناً، بملايينها الـ 83 على مفترق طرق كبير، منذ أن بدأت فيها الاحتجاجات المطالبة بالتغيير الشامل في الخامس والعشرين من يناير/كانون الثاني الماضي. وللمرة الأولى في التاريخ، ظهر إجماع مصري وعربي وعالمي، على أن بقاء الحال المصري على ما هو عليه طيلة العقود الثلاثة الماضية، صار من المحال.

يجمع المراقبون والمحللون أن مصر ما قبل الـ 25 من يناير الماضي، هي غير مصر ما بعد ذلك التاريخ، لا بل أن منطقة الشرق الأوسط والعالم العربي ككل، لن تكونا أبدا على ما كانتا عليه خلال العقود الماضية، لأن الانفجار الكبير الذي تشهده مصر، يثبت مجدداً أنها مفتاح التغيير الكبير في هذه المنطقة.

وأيا كان الوضع الذي ستؤول إليه الأحول في مصر خلال الأيام المقبلة، فان المحللين يجمعون على أن الشرارة المصرية، التي أخذت زخمها واستمدت قوتها ونهجها من الشرارة التونسية التي انتهت برحيل الرئيس التونسي السابق زين العابدين بن علي إلى مدينة جدة السعودية، وبرحيل أفراد أسرته والمقربين منه ومن زوجته وباقي أفراد عائلته إلى منافي العالم، حاملين معهم ما خف حمله وغلا ثمنه، هو ذات السيناريو الذي ستشهده مصر، ودول عربية أخرى في الأشهر القليلة المقبلة، إن لم يكن في الأسابيع المقبلة.

وبعد المظاهرات المليونية التي شهدتها مدن القاهرة والإسكندرية، والسويس والإسماعيلية وغيرها بتاريخ الأول من فبراير/شباط الجاري، فان السباق، مهما كان طوله، يكون قد قطع خط النهاية. ومع أن الدول العربية المرشحة لخوض ذات لتجربة المصرية رغم خصوصيتها الشديدة، هي كثيرة، بل أكثر من عدد أصابع اليدين معا، فإن هناك خلاصة واحدة هي أن لا سياسة بلا اقتصاد بعد اليوم، ولا اقتصاد بلا سياسة، وأن الطلاق بين هذين العاملين ليس واقعياً أبداً ولا يمكن أن يحث.

حين غضبت مصر

بينما تُصعّدُ الجموع المحتشدة في شوارع وساحات مصر موقفها في وجه الرئيس مبارك، تَصعدُ طائرات خاصة صغيرة وكبيرة تنقل أبناء مبارك وعائلته وجموع من رجال الأعمال باتجاه أكثر من عاصمة إقليمية ودولية. تمثل صورة الخروج من مصر لبعض رموز مرحلة الرئيس مبارك وخروج الملايين إلى الشوارع عنوان مرحلة جديدة تشهدها المنطقة لأول مرة ربما في تاريخها. ومايعطي هذا المشهد أهميته الموقف العفوي غير المدفوع من أية جهة أو تنظيم أو تيار معارض. فقد خرج شباب مصر بنداء تناقلوه على نحو واسع عبر الفيس بوك والرسائل النصية. وما يزال هؤلاء الشباب يبتدعدون طريقة حركتهم ونشاطهم اليومي. غير عابئين بالرد العنيف الذي حدث في الأسبوع الأول والمتوقع خلال الأيام المقبلة.

اتسم الأسبوع الماضي بحركة تاريخية للشعب المصري، تمثلت في مواجهات عنيفه مع الشرطة والأمن. وطوال الأسبوع الماضي ظل الموقف على الأرض لصالح المتظاهرين، بعد أن خرجت قوات الأمن ليحل محلها الجيش، الذي بدا أقرب إلى صف المعارضين، ولكن الأيام الماضية حملت بوادر تغير في موقف الجيش هدفها عودة المتظاهرين إلى بيوتهم. ومن شأن هذا الموقف أن يقلب معادلة الأسبوع الأول وذلك تجاوباً ربما مع كلمة الرئيس الاخيرة بالتزامن مع ومواقف إقليمية ودولية بضرورة انتقال سلمي وسلس.

في ختام الأسبوع الأول على الثورة الشعبية الأكبر في تاريخ مصر والعالم العربي، نزل الملايين من المصريين إلى شوارع القاهرة والمدن الكبرى كافة، في واحدة من أهم مظاهر الاحتجاج والتغيير، على حين اتخذ الرئيس حسني مبارك خطوة إضافية إلى الوراء، لا تستجيب لمطالب الشارع الذي يناديه بالتنحي الفوري، ويلح على التغيير الجذري للنظام، لكنها تمهد لتراجعات رئاسية إضافية في ظل الصرخات التي دوت في ميدان التحرير وسط العاصمة المصرية رافضة عرض مبارك عدم الترشح لولاية رئاسية سادسة في الانتخابات المقررة في سبتمبر/أيلول المقبل، واقتراحه تعديل الدستور لتوسيع فرص الترشيح للرئاسة ولائحة المرشحين التي كانت تقتصر على نجله جمال ونفر من المقربين منه.

وبدا أن كلمة مبارك جاءت تنفيذاً حرفياً لمضمون رسالة تلقاها من الرئيس الأمريكي باراك أوباما، حملها مبعوثه فرانك ويزنر (المقرب من مبارك شخصيا) وأذاعت مضمونها واشنطن في ساعات الليل الأولى وأكدت أن الرئيس المصري سيضمنها كلمته إلى المصريين، التي أعلن البيت الابيض عن قرار توجيهها قبل أن يأتي الإعلان من التلفزيون المصري نفسه. وسبقتها تحذيرات أمريكية متزايدة من احتمال غرق مصر في المزيد من الفراغ والفوضى، ما يمكن أن يؤدي بالتالي إلى تقدم الإسلاميين الصفوف الأولى، وربما إلى السلطة، وسط أنباء عن ان حركة الأخوان المسلمين كانت المساهم الأكبر في الحشد المليوني في مختلف الشوارع المصرية، بعدما ظلت تعمل في الكواليس منذ بدء الانتفاضة الشعبية في 25 كانون الثاني الماضي.

ولم تنفع التعابير الانشائية التي جاءت في كلمة مبارك وقال فيها: “الوطن يتعرض لأحداث عصيبة واختبارات قاسية بدأت بشباب ومواطنين شرفاء مارسوا حقهم في التظاهر السلمي تعبيراً عن همومهم وتطلعاتهم، لكن سرعان ما استغلها من سعى لإشاعة الفوضى واللجوء إلى العنف والمواجهة وللقفز على الشرعية الدستورية والانقضاض عليها”. ويبدو أنه كان يحاول شق الصف الشعبي وربح مزيد من الوقت.

وتابع “لقد بادرت لتشكيل حكومة جديدة بأولويات وتكليفات جديدة تتجاوب مع مطالب شبابنا ورسالتهم. وكلفت نائب رئيس الجمهورية بالحوار مع كافة القوى السياسية حول كافة القضايا المثارة للإصلاح السياسي والديموقراطي وما يتطلبه من تعديلات دستورية وتشريعية. لكن هناك من القوى السياسية من رفض هذه الدعوة للحوار تمسكا بأجنداته الخاصة”.

وعلى الرغم من تلميح مبارك الى وجود قوى لها مصلحة بالفوضى وتتحرك من الخارج، إلا أن كل المتابعين للتحرك الشعبي يجمعون أنه جاء من وحي الشعب الذي خرج طوعا دون أية تدخلات من أي جهة. وأكد مبارك أن دعوته للحوار “لا تزال قائمة”، قائلاً “لم أكن يوما طالب سلطة أو جاه، ويعلم الشعب الظروف العصيبة التي تحملت فيها المسؤولية وما قدمته للوطن حربا وسلاما. كما أنني رجل من أبناء قواتنا المسلحة، وليس من طبعي خيانة الأمانة أو التخلي عن الواجب والمسئولية”.

وأضاف ان “مسئوليتي الأولى الآن هي استعادة امن واستقرار الوطن لتحقيق الانتقال السلمي للسلطة في أجواء تحمي مصر والمصريين وتتيح تسلم المسئولية لمن يختاره الشعب في الانتخابات الرئاسية المقبل. وأقول بكل الصدق وبصرف النظر عن الظرف الراهن انني لم أكن انوي الترشح لفترة رئاسية جديدة فقد قضيت ما يكفي من العمر في خدمة مصر وشعبها. لكنني الآن حريص كل الحرص على أن اختتم عملي من اجل الوطن بما يضمن تسليم أمانته بما يحفظ الشرعية ويحترم الدستور”.

وتابع “سأعمل خلال الأشهر المتبقية من ولايتي الحالية كي يتم اتخاذ التدابير والاجراءات المحققة للانتقال السلمي للسلطة بموجب ما يخوله لي الدستور من صلاحيات. وأدعو البرلمان بمجلسيه إلى مناقشة تعديل المادتين 76 و77 من الدستور بما يعدل شروط الترشيح لرئاسة الجمهورية ويعتمد فترات محددة للرئاسة”.


وطالب مبارك البرلمان “بالالتزام بكلمة القضاء وأحكامه في الطعون الانتخابات التشريعية الأخيرة من دون إبطاء”، كما دعا جهاز الشرطة “للاضطلاع بدوره في خدمة الشعب وحماية المواطنين بنزاهة وشرف وأمانة وبالاحترام الكامل لحقوقهم وحرياتهم وكرامتهم”، والسلطات الرقابية والقضائية “لاتخاذ ما يلزم من إجراءات لمواصلة ملاحقة الفاسدين والتحقيق مع المتسببين في ما شهدته مصر من انفلات أمني”.  وبدا الحديث عن قوات الشرطة التي واجهت الشعب في بداية الأحداث، إشارة إلى أن مبارك يحاول الضغط ملوحاً بالورقة الأمنية ضد الحشود التي تطالب برحيله.

وختم بأن “الوطن باق والأشخاص زائلون ومصر العريقة هي الخالدة أبدا، تنتقل رايتها وأمانتها بين سواعد أبنائها”، مؤكداً “ولدت في مصر وسأموت في مصر والتاريخ سيشهد ما لي وما علي والشعب المصري يرد”.

في الشارع

جاء الرد الشعبي على خطاب مبارك سريعاً، إذ ما كاد الرئيس المصري يعلن بقاءه في منصبه حتى موعد الانتخابات الرئاسية، حتى ارتفعت حناجر عشرات الآلاف في ميدان التحرير مرددين “ارحل!”. وقال شاب من منظمي الانتفاضة المصرية، في اتصال مع أريبيان بزنس من ميدان التحرير بعيد انتهاء خطاب مبارك، إن ما قاله الأخير شكل “استفزازاً خطيراً للشارع المصري”. وأضاف، وسط هتافات “يسقط يسقط حسني مبارك” و”ارحل… ارحل”، إن المتظاهرين سيرفعون سقف مطالبتهم من “إسقاط مبارك إلى محاكمته”، معتبراً أن “الرئيس السابق يستخف بإرادتنا. ونحن لن نغادر الميدان حتى يحاكم”، وأن “أمامه حتى يوم الجمعة كحد أقصى للاستقالة، وإلا فإنه سيتحمل نتيجة موقفه هذا”.

من جهتها، قالت الفنانة التشكيلية المصرية “اسماء الأمين علي” أنها تخاف من التفاف محتمل على مطالب الشعب وأن المتظاهرين سوف يقفون بقوة في وجه أي محاولة كهذه. أما الناشطة المعارضة نوارة نجم فقالت أيضا إن “هذا الخطاب كمين للثورة”، محذرة المصريين من أن “مبارك يريد أن يقتلنا جميعاً وينتقم من الشعب الذي احتج على وجوده، ويتهمه بالسلب والنهب». واضافت “كنا كرماء حين طالبناه بالرحيل، لكننا لن نكون كرماء منذ الآن، فسنحاكمه على ما فعله في هذه البلاد”.  فيما تواجدت ريتا الشعراني من ميدان التحرير مع اخ لها وأصدقائه وقد صمموا على عدم الخروج من ميدان التحرير قبل رحيل مبارك”.

من جهته قال الفنان الكبير محمد صبحي بعد اتصال من أريبيان بزنس، أنه يؤيد حركة الشباب المصري الذي يقدم سابقة في تاريخ المنطقة، وأشاد صبحي بالسلوك الحضاري للشباب المصري مؤكدا أنه كان سيكون في طليعة المتظاهرين لولا مرضه الشديد”. أما الصحفي محمد الحميد فقال من وسط تجمعات صاخبة في ميدان التحريرأن شباب مصر يقفون صفا واحدا للحفاظ على الممتلكات العامة.

من جهته، قال أوباما بعد اجتماع في البيت الأبيض مع كبار مستشاريه، أنه أبلغ مبارك بأن عملية الانتقال السلمي للسلطة يجب أن تبدأ “الآن”، من دون أن يدعوه إلى التنحي فورا. وهنأ اوباما الجيش المصري على تسهيله القيام بالتظاهرات السلمية، مؤكدا في الوقت نفسه للشباب المصريين “اننا نسمع صوتكم”، ومشيدا بـ”كرامة المتظاهرين التي هي مصدر إلهام، لنا جميعا”، كما أعرب عن “اعتقاده الراسخ بأنكم “الشباب” ستحددون مصير البلاد”. واعتبر اوباما أن مبارك يدرك أنه لا بد من حدوث تغيير في البلاد. وفيما اعتبر أن مصر تبدأ صفحة جديدة في تاريخها، أكد أوباما أن أمريكا مستعدة لتقديم أي عون لازم لمساعدة الشعب المصري في أعقاب الاحتجاجات.

8 ملايين مصري

وعلى صعيد الشارع فقد أشارت معظم الوكالات أن عدد المتظاهرين في أرجاء المدن المصرية وصل إلى 8 ملايين متظاهر، وكان مئات الآلاف تدفقوا إلى ميدان التحرير، الذي اكتظ عن آخره ولم يعد هناك موضع قدم فيه. وأشار المنظمون إلى أن عدد المشاركين في التجمّع تجاوز المليون متظاهر، فيما قدرت مصادر أخرى عدد المتظاهرين بنحو مليونين. في ميدان التحرير والعاصمة، وانضم إلى الحشود في ميدان التحرير مواطنون من مختلف فئات الشعب المصري. وبجوار الشباب الذين بدأوا التظاهرات، شاركت سيدات وأطفال وشيوخ وعدد كبير من شيوخ الأزهر الذين هتفوا «مسلم مسيحي كلنا مصريون”.

وشارك في التجمّع أيضا عددٌ من الفنانين المصريين، من بينهم الفنان خالد النبوي الذي قاد إحدى المسيرات، مردداً هتافات منددة بالنظام. كما انضم إلى المتظاهرين المستشار زكريا عبد العزيز، وهو قاض في محكمة استئناف القاهرة، وقد قاد مسيرة محمولاً فيها على الأعناق وكان يردد هتاف “الشعب يريد إسقاط النظام”.

وكانت معظم الشعارات التي يرفعها المتظاهرون موحدة إلى حد كبير ويبدو أنها ستبقى كذلك إلى أن يتم التوصل إلى حل مقبول من قبل ممثلي المعارضة. وجدد المتظاهرون مطالبتهم برحيل الرئيس المصري حسني مبارك ونظامه، كما رفضوا تعيين عمر سليمان نائبا له مؤكدين أنه جزء من النظام. وقامت اللجان الشعبية بدور كبير في حفظ أمن المتظاهرين  عندما قامت بمراجعة بطاقات الهوية للمتظاهرين قبل السماح لهم بالدخول إلى ميدان التحرير، وكان دور الجيش إغلاق الطريق الرئيسي المؤدي إلى ميدان عبد المنعم رياض، في حين يقوم جنوده بتفتيش كل شخص يدخل الميدان تفتيشا دقيقا خوفا من وجود أي أسلحة. وباءت جهود الحكومة في إخماد التظاهرات بالفشل، حتى بعد إيقاف خدمات السكك الحديدية بشكل كامل وقطع خدمات الإنترنت، حيث تمكن المتظاهرون من إسماع أصواتهم للجميع.

وفي مدينة الإسكندرية أجمعت تقارير إلى مشاركة نحو مليون متظاهر في تجمع في ميدان محطة سيدي جابر قرب وسط المدينة، فيما اكتظت شوارع بقية المدن المصرية، كطنطا والمحلة والسويس وحلوان، بمئات الآلاف الذين هتفوا لإسقاط مبارك.  بينما تتحضر المعارضة الشعبية لتنفيذ إعتراضات ومظاهرات أكبر في الأيام المقبلة إذا لم تتم الاستجابة لمطلبها الأساسي برحيل الرئيس. الذي جاءت كلمته مخيبه لأملهم في قرب انتهاء خروجهم إلى الشارع.

لا انتماءات سياسية أو حزبية

لم تتلون الجموع الشعبية في مدن مصر بالوان تنظيمات سياسية، وربما كانت هي المرة الأولى التي يخرج فيها متظاهرون بهذا الحجم إلى الشوارع دون دوافع حزبية أو رايات لأحزاب أو تيارات سياسية.  وكثيرون منهم ليس له أي انتماء سياسي أو حزبي معين، متمسكين بالبقاء في الشوارع، وتحركت القوى المعارضة السياسية للمرة الأولى لتتخذ أول خطوة ملموسة نحو تطوير أجندة سياسية، فأصدرت قائمة مطالب وجهتها للسلطات القائمة، بحيث تكون قاعدة للتفاوض.

وإذا كانت المعارضة قد تمثلت خلال الأسبوع الأول في تنحي مبارك ونظامه، وتشكيل قيادة انتقالية، وتأسيس لجنة لوضع دستور جديد، وحل البرلمان الذي يهيمن عليه الحزب الوطني الديموقراطي الحاكم. إلا أن الأيام المقبلة قد تحمل مطالب أكثر تطرفاً للمعارضة، فقدأرسلت المعارضة قائمة المطالب لنائب الرئيس المصري اللواء عمر سليمان، الذي قال إنه سيفتح باب الحوار مع كل الأطياف السياسية، فيما أعلنت جماعة “الإخوان المسلمين” أنها لن تعارض إجراء محادثات مع سليمان، لكنها شددت على أن تركيزها ما زال منصبا على تنحية مبارك وإلغاء قانون الطوارئ.


من جهته، قال الدكتور محمد البرادعي إن “مصر جديدة” في سبيلها للظهور، معتبراً أنه يجب على مبارك أن يتنحى بحلول يوم الجمعة، الذي أعدت له الجموع الشعبية، ليكون يوما حاسما، ولكن يبدو أن على الجموع التي توقعت أن مطالبها ستجاب التفكير مجددا باسبوع آخر على الأقل فخطاب الرئيس الأخير لايبشر بقرب انتهاء الأزمة والوصول إلى حل إلا إذا حدث تطور مفاجيء عبر ضغط شعبي أكبر أو تغير مواقف خارجية لها دور في التغيير. لكنه دعا إلى “خروج آمن” للرئيس الذي أصبح الكثير من المتظاهرين يشيرون إليه بصيغة “الرئيس السابق”.

أمريكا دخلت على خط العمل من أجل انتقال سلس للسلطه وإن كان البعض يرى أنها جاءت متأخرة، فليس من مصلحة أمريكا الوقوف في صف النظام، بعد موجة الغضب التي شهدتها شوارع وساحات مصر. وكانت وزارة الخارجية الأميركية أعلنت أن السفيرة مارغريت سكوبي تحدثت مع البرادعي، وذلك في أول اعتراف رسمي من جانب الإدارة الأمريكية بإجراء اتصال مباشر مؤخراً مع المعارضة المصرية. وقال المتحدث باسم الوزارة فيليب كراولي إنه “في إطار تواصلنا العلني لدعم انتقال منظم للسلطة في مصر تحدثت السفيرة سكوبي مع محمد البرادعي”، من دون أن يقدم مزيداً من التفاصيل حول مضمون المكالمة.

وذكرت مصادر سياسية مصرية أن البرادعي تلقى اتصالات هاتفية من مسؤولين ودبلوماسيين من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي لاستطلاع رأيه في مرحلة “ما بعد مبارك” في مصر. في هذا الوقت، أعلن البنتاغون أن وزير الدفاع الأميركي روبرت غيتس أجرى اتصالا هاتفياً مع نظيره المصري المشير محمد حسين طنطاوي. وقال المتحدث باسم البنتاعون ديف لابان للصحافيين “أنهما تحادثا. للبقاء على اطلاع على تطور الوضع”، من دون مزيد من التفاصيل عن المكالمة. إلى ذلك، قال رئيس الوزراء المصري أحمد شفيق إن حكومته شرعت في إعادة النظر في كل المواقف السياسية والدستورية والتشريعية بما يتناسب مع الظروف المصرية، مضيفاً ان كل شيء قابل للتعديل، وبلا حدود، وان السياسة الجديدة تعمل على تلبية مطالب الأغلبية العظمى من أبناء الشعب المصري.

نخر متبادل

في مصر وفي غيرها من دول المنطقة، تنخر السياسة الاقتصاد، كما ينخر الاقتصاد السياسة، وإذا كان الاقتصاد يتعرض لسندان السياسة فان السياسة تتعرض هي الأخرى لسندان الاقتصاد، كما أن الاثنان معاً، هما الخاسر الأكبر وهما أيضاً المحرك الأكبر لحركة الشعوب. ومع كل يوم سياسي يمر تزداد جروح الاقتصاد المصري عمقاً حيث تقدر الخسائر اليومية المصرية بعدة مليارات من الدولارات بسبب حالة الشلل الكاملة التي تعيشها أرض الكنانة منذ نحو أسبوعين. وعلى الرغم من أن لدى مصر احتياطيات لا بأس بها لتجنب أزمة في المدفوعات الخارجية، فان هذه الاحتياطيات يمكن أن تستنفد خلال بضعة أسابيع إذا استمرت الاحتجاجات، في حين أن البنوك التي أغلق القسم الأكبر منها، قد تواجه تدافعاً على سحب الأموال.

وتفيد بيانات البنك المركزي المصري أن الاحتياطيات بالعملات  الأجنبية بلغت 36 مليار دولار في نهاية ديسمبر/كانون الأول الماضي. وأفادت مذكرة أعدها سيتي بنك يوم 27 يناير/كانون الثاني، أن الحكومة كان لديها كذلك 21 مليار دولار من الأصول الإضافية لدى البنوك التجارية حتى نهاية أكتوبر/تشرين الأول، في ما يطلق عليه الاحتياطيات غير الرسمية.

الإماراتيون يترقبون مصير 10 مليار دولار

يترقب مستثمرون إماراتيون مصير استثماراتهم في مصر.  وقدرت مصادر رسمية حجم الاستثمارات الإماراتية في مصر بنحو 4.3 مليار دولار من خلال نحو 492 شركة تعمل في مختلف القطاعات الاقتصادية، عدا عن المشاريع المتعلقة بقطاعي النفط والغاز والعقار. وتصل استثمارات شركة اعمار العقارية، صاحبة أكبر محفظة استثمارية أجنبية مباشرة في القطاع العقاري المصري، إلى أكثر من 5.8 مليار دولار، ليتجاوز حجم الاستثمارات الإماراتية في مصر 10 مليار دولار.

وتقوم شركة اعمار مصر للتنمية، المملوكة بالكامل لـ “اعمار العقارية” الإماراتية، حالياً بتطوير 5 مشاريع بالسوق المصرية هي “أب تاون كايرو” و”مراسي” و”ميفيدا” و”بوابة القاهرة” التي سيكون من أعلى المباني في القاهرة، إضافة إلى مشروع تطوير مدينة الشيخ خليفة بن زايد السكنية في مصر، الذي وقعت الشركة مذكرة تفاهم في شأنه مع بلدية أبوظبي.

ورغم القلق الذي يشعر به مستثمرون إماراتيون، فان الرئيس التنفيذي لشركة دانة غاز احمد العربيد أكد أن عمليات الشركة في مصر تسير بصورة اعتيادية من دون انقطاع، ولم يتأثر الإنتاج بالأحداث الجارية في مصر في الوقت الراهن. ودخلت الشركة التي تتخذ من إمارة الشارقة مقراً إقليمياً وهي مدرجة في بورصة أبوظبي، قطاع التنقيب عن الغاز وإنتاجه في مصر عام 2006، عندما أصبحت سادس أكبر شركة منتجة للغاز في البلاد، من خلال استحواذها على شركة سنتريون انترناشونال الكندية، مقابل 1.15 مليار دولار كندي، لتصل حجم استثماراتها في مصر إلى 1.08 مليار دولار.

وأكدت المصادر انه تم تأسيس 277 شركة إمارتيه في مصر على الأقل خلال السنوات الخمس الماضية، حيث يستحوذ القطاع الصناعي على 20 % من حجم الشركات الإماراتية المستثمرة في مصر، فيما يشكل قطاع الإنشاءات  15 %، وقطاع التمويل 10 % وقطاع الزارعة 10 % والسياحة 8 %، فيما يشكل قطاع الاتصالات 50 % من الاستثمارات الإماراتية من حيث رأس المال المصدر للشركات.

ويعترف الخبير الاقتصادي الإماراتي أحمد البنا، بأن الاستثمارات الإماراتية في مصر تأثرت بالفعل بما يحدث هناك، لاسيما في قطاع أسواق المال والصناعة والزراعة. وأشار إلى أن الهبوط الكبير للبورصة المصرية قبل أن تصاب بحال الشلل الكامل، أثر في كل المستثمرين بمن فيهم الإماراتيون.

وقال: “إذا كان الضرر مباشراً في ما يتعلق باستثمارات المتداولين في أسواق الأسهم، فإن الضرر الذي سيلحق بالقطاعات الصناعية والزراعية سيكون بعيد المدى، حيث أن المصانع ترتبط في شكل كبير بعمليات الاستيراد والتصدير والأمور اللوجستية. أما في ما يتعلق بالقطاع الزراعي، فإن إنتاجيته ستتأثر حتماً جراء تركيز المصريين على ما يحدث في الشارع”.


.. والسعوديون لن يسحبوا استثماراتهم

وفي السعودية قال نائب رئيس مجلس الأعمال السعودي المصري فهد الحمادي إن المصانع التي يمتلكها مستثمرون سعوديون في مصر لا زالت تعمل. وأكد الحمادي أنه لا خوف على تلك الاستثمارات، مضيفاً أنه اتصل بمستثمرين ورجال أعمال لديهم أعمال في مصر لكن الحميع أبدوا تفهمهم، ولا توجد أي مؤشرات على سحب استثماراتهم من مصر.

تهريب الأموال

وفي الوقت الذي تأكد فيه حصول عمليات تحويل أموال مصرية كبيرة إلى الخارج منذ اندلاع الاحتجاجات، واحتمال وصولها إلى مستويات أكبر في حال استمرارها، فان جون سفاكياناكيس كبير الاقتصاديين في البنك السعودي – الفرنسي يرى إن لدى مصر احتياطيات طوارئ لكنها يمكن أن تستنفد خلال بضعة أسابيع. وأضاف أنه عندما تعود الأسواق للعمل من جديد في تداول الجنيه المصري، سيكون هناك أثر حاد . الوضع المالي برمته في الاقتصاد المصري سيواجه اختباراً صعباً للغاية إذا استمرت أعمال العنف والشغب لعدة أسابيع .

ورغم عدم توافر بيانات رسمية، فان بعض المتعاملين البنكيين قدروا قيمة السحوبات والتحويلات إلى خارج البلاد من بنك واحد بحوالي 150 مليون دولار منذ بدء الاضطرابات. وقال بعض المصرفيين أن إجمالي التدفقات الخارجة من مصر ربما بلغ 500 مليون دولار يومياً، وأنه إذا استمرت التدفقات بهذا المعدل فان مصر يمكن أن تفقد مصر ربع احتياطياتها الرسمية خلال شهر واحد.

وقد تشهد مصر سحباً لاستثمارات ضخمة كانت قد اجتذبتها بالعائدات المرتفعة للسندات الحكومية المحلية. وقدرت باركليز كابيتال ما بحوزة الأجانب من الأصول المصرية قبل الاحتجاجات، بما يقرب من 25 مليار دولار نصفها تقريباً على شكل سندات وأذون خزانة. وبينما تأثرت الاستثمارات الأجنبية المباشرة التي تستند إلى تخطيط طويل الأجل بالاضطرابات السياسية، فان الاستثمارات الأجنبية المباشرة بلغت 76 .6 مليار دولار في السنة المالية الماضية منها   نحو 6 .3 مليار دولار في قطاع النفط.

ورجح أستاذ الاقتصاد وعميد أكاديمية السادات سابقًا حمدي عبد العظيم بأن تشهد الاستثمارات الأجنبية المباشرة في مصر تراجعًا خلال الفترة القادمة، إذا ما استمرت المظاهرات. واعتبر أن ذلك يعكس حالة من عدم الاستقرار السياسي والأمني، والاستثمار الأجنبي بطبيعته يخشى المخاطر، متوقعا تراجع الاستثمار الأجنبي الفترة القادمة لمستوى أقل من مليار دولار. وبسؤاله عن مدى تأثر الاستثمارات في قطاع البترول الذي يمثل الشريحة الأكبر من هذه الاستثمارات، فأجاب عبد العظيم بأن الاستثمار في الاكتشافات البترولية يتوقف على أسعار النفط العالمية.

وفي حال ارتفاع الأسعار تزيد المخاطرة، ويتجه الاستثمار إلى الأماكن غير الآمنة، أما في صناعة المشتقات البترولية، فإنها تتوقف على الظروف الداخلية للدولة، وهذه بلا شك سوف تتأثر به مصر في حالة عدم الاستقرار السياسي. كما تخوف عبد العظيم من اتجاه بعض الاستثمارات للتصفية والخروج من مصر في ظل استمرار حالة التوتر السياسي، لتبحث عن دول أخرى أكثر استقرارًا من مصر. ومع أن حجم الاستثمارات الدولية المتدفقة إلى مصر لا يتجاوز 15 مليار دولار سنوياً، ولا يزيد في مجمله على 200 مليار دولار منذ بدء الانفتاح، إلا أن مصر تمثل ثقلاً للصادرات الغربية والآسيوية لا يماثلها في منطقة الشرق الأوسط والخليج سوى إيران.

ضرر سياحي

أما الضرر من تعطل السياحة لفترة طويلة فسيكون هو الآخر كبيراً. حيث بلغت إيرادات مصر من السياحة 59 .11 مليار دولار العام الماضي. وبلغ عجز ميزان المعاملات الجارية 802 مليون دولار في الفترة من يوليو/تموز إلى سبتمبر/أيلول من عام 2010 . وبسبب السياحة من المتوقع أن يرتفع العجز بدرجة أكبر في الربع الجاري. ويوفر قطاع السياحة فرصة عمل واحدة من بين كل ثماني فرص عمل في البلاد، ويحقق أكثر من 11 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي. والقطاع من أكبر مصادر العملة الصعبة للبلاد.

وسيعتمد الكثير على كيف ستدير السلطات الجنيه المصري عندما تستأنف أسواق المال العمل نشاطها بعد انتهاء الأحداث الراهنة. وفي الأسبوع الماضي هبط الجنيه المصري 7 .0 في المئة فقط إلى 855 .5 جنيه للدولار. وقال البنك المركزي إنه لم يتدخل سواء بشكل مباشر أو غير مباشر في السوق.

توقف تحويلات المصريين من الخليج

وقد منع إغلاق البنوك المصرية المصريين العاملين في منطقة الخليج  والذين يمثلون الأغلبية بين المصريين بالخارج، من إرسال تحويلاتهم الحيوية إلى ذويهم في مصر. وقدر البنك الدولي إجمالي تحويلات المصريين العاملين في الخليج بحوالي 7.6 مليارات دولار في عام 2010. وتمثل تحويلات المصريين العاملين بالخارج مصدرا مهما للأموال في مصر، لكن أغلب شركات تحويل الأموال تنجز أعمالها من خلال البنوك المصرية التي أغلقت أبوابها منذ مطلع الأسبوع بناء على أوامر البنك المركزي.

ونقل عن مسئول بالخارجية المصرية قوله الشهر الماضي إن التحويلات من المصريين بالخارج ارتفعت بنسبة 39 % إلى 9.75 مليارات دولار العام المالي 2009-2010. ويعمل حوالي 6 ملايين مصري بالخارج، 70 % منهم في دول الخليج. ويأتي الجزء الأكبر من تحويلات المغتربين المصريين من الولايات المتحدة حيث بلغت العام الماضي 2.2 مليار دولار. فيما جاءت التحويلات من الكويت بالمركز الثاني وبلغت 1.5 مليار دولار، في حين أرسل المصريون المقيمون بالسعودية مليار دولار.


ارتفاع تكلفة التأمين على ديون المنطقة

ومع اتساع نطاق الإضطرابات في مصر وانتقالها إلى دول أخرى، ارتفعت تكلفة التأمين على ديون مصر ودول أخرى في الشرق الأوسط. فقد ارتفعت تكلفة التأمين على ديون مصر لمدة 5 سنوات 22 نقطة أساس إلى 450 نقطة أساس، لتسجل أعلى مستوياتها منذ أبريل/نيسان 2009. وزادت تكلفة التأمين على ديون السعودية لمدة 5 سنوات 29 نقطة أساس إلى 120 نقطة أساس، كما زادت بالنسبة لديون البحرين 39 نقطة أساس إلى 230 نقطة أساس وهو أعلى مستوى في 13 شهراً.

وارتفعت تكلفة التأمين على ديون لبنان لمدة 5 سنوات 38 نقطة أساس إلى 405 نقاط أساس وهو أعلى مستوياتها منذ مايو/أيار 2009، وارتفعت تكلفة التأمين على ديون تركيا 4 نقاط أساس إلى 171 نقطة أساس وهو أعلى مستوى في 4 أشهر.

تخفيض التصنيف الائتماني لمصر

كما خفضت وكالة التصنيف الائتماني “موديز إينفستر سرفيس”  علامة مصر إلى “بي أي 2” مخفضة إياها درجة واحدة، وأكدت أنها قد تقوم بتخفيضها مجددا. وغيرت الوكالة توقعاتها للتصنيف إلى سلبية من مستقرة. وعزت موديز هذا الخفض إلى تنامي المخاطر السياسية بشكل كبير وإلى القلق من أن رد الفعل قد يقوض الأوضاع المالية الضعيفة بالفعل في البلاد.

وقالت موديز إن مصر تواجه تحديات سياسية واجتماعية واقتصادية متجذرة، ومن بين تلك التحديات ارتفاع معدل البطالة والتضخم وانتشار الفقر. وأضافت أن هذه العوامل إلى جانب الاحتجاجات والمظاهرات الشعبية المتواصلة مطالبة برحيل الرئيس حسني مبارك أذكت الشعور بالإحباط لدى الشعب، ورجحت أن تقرر القاهرة تيسير السياسة المالية في إطار جهود الحكومة لاحتواء الغضب الشعبي. يذكر أن وكالة تصنيف عالمية أخرى وهي “فيتش” سبق أن قامت بتخفيض النظرة المستقبلية لمصر إلى سالب، ولكنها أبقت التصنيفات السابقة تمهيدا لتخفيضها في حال تطور الأمور.

العاصفة تضرب الأسهم الخليجية

تكبدت جميع مؤشرات أسواق الأسهم الخليجية (باستثناء السوق السعودية) خسائر قاسية  منذ بداية الإضطرابات في مصر وكان على رأسها سوق دبي المالي. وطالت التراجعات بورصة عمان لتصل الخسائر إلى نحو 700 مليون دينار (مليار دولار) بعد أن سجلت السوق تراجعا بنسبة 4.5 % في يوم واحد. وقال المحلل المالي مازن ارشيد إن السوق المالية الأردنية تأثرت كغيرها من الأسواق العربية بالأحداث التي تشهدها مصر. وكان أكبر تراجع في البورصة من نصيب سهم البنك العربي الذي سجلت خسائره بأكثر من 300 مليون دينار (430 مليون دولار).

رفع تكلفة ديون العالم الثالث

كما ألقت حالة عدم اليقين السياسي والأمني التي تشهدها الساحة المصرية، بظلال سلبية على أسواق المال والبورصات الدولية التي لم تتعاف بعد من ذيول أزمة الائتمان، كما رفعت الأحداث سعر الفائدة على الإقراض لدول الشرق الأوسط وللعالم الثالث، وارتفع سعر القطن عالمياً. ولوحظ أن خطر وقف صادرات القطن المصري، ولو لفترة وجيزة حتى استقرار الأوضاع وعودة حركة الشحن من المرافئ المصرية، رفع سعره إلى أعلى مستوى منذ سبتمبر/أيلول 2008. وارتفع مؤشر ديون العالم الثالث في “جي بي مورغن” من 1.74 % في ديسمبر/ كانون الأول الماضي إلى 2.5 %.

الأزمة تعصف بأسواق الأسهم والبنوك عالمياً

وقد أعادت الأحداث التي تعصف بالشارع المصري خلط الأوراق في الأسواق العالمية كافة التي لم تكد تتعافى بعد من أزمة المال العالمية، إذ خيم الغموض على سوق النفط العالمية والقطاع المصرفي وأسواق الأسهم. وقال محللون إن البنوك الفرنسية هي الأكثر تعرضاً للمخاطر في مصر عن نظيراتها الأمريكية والأوروبية، لأنها قد تشهد أكبر خسائر للقروض المشكوك في تحصيلها مع انزلاق أكبر دولة عربية سكاناً إلى أزمة سياسية. وقال محلل مصرفي مقره باريس أن من المحتمل جداً أن نرى زيادة في مخصصات القروض المشكوك في تحصيلها.

ووفقاً لأحدث البيانات المتاحة بشأن الإقراض عبر الحدود فإن بنوكاً فرنسية مثل سوسيته جنرال وكريديه أغريكول تقدم أكثر من ثلث جميع القروض الدولية إلى مصر. وأظهرت بيانات من بنك التسويات الدولية أن القروض الدولية إلى الشركات والحكومة المصرية بلغت 49.3 مليار دولار في نهاية سبتمبر الماضي بما في ذلك 17.6 مليار دولار من فرنسا و10.7 مليار دولار من بريطانيا و6.3 مليار دولار من إيطاليا و5.4 مليار دولار من بنوك أمريكية. وهبطت أسهم سوسيته جنرال الذي ينظر إليه على أنه الأبرز بين البنوك الفرنسية المتعرضة للمخاطر في مصر 2.2 بالمئة في يوم واحد، مظهرة أضعف أداء بين أسهم القطاع المصرفي في أوروبا.


وتدير وحدة سوسيته جنرال في مصر 140 فرعاً سجلت أرباحاً صافية بلغت 148.6 مليون يورو في 2009. وقال بنك باركليز البريطاني إنه يراقب الوضع عن كثب بعد أن أغلق شبكته التي تضم 65 فرعاً بناء على نصيحة من البنك المركزي المصري. وقال تريستان كوبر، كبير محللي السندات السيادية الشرق الأوسطية لدى «موديز» لوكالة أنباء رويترز، أن الدوافع الرئيسية لخفض تصنيف مصر هي تنامي المخاطر السياسية بشكل مفاجئ والتداعيات المالية المحتملة لذلك. وقال كوبر أنه نظراً لأن نحو نصف النفقات الحكومية في مصر يذهب إلى الدعم والأجور، فمن الواضح أن هناك احتمالاً لتدهور الأوضاع المالية بشكل ملموس.

,توقعت صحيفة أمريكية استمرار هبوط أسواق الأسهم الأمريكية  وارتفاع سعر صرف الدولار الأمريكي كملاذ آمن مع تداعيات الأحداث السياسية في مصر. وقالت وول ستريت جورنال إن أحداث مصر رفعت أسعار سندات الخزينة الأمريكية والدولار في مقابل هبوط أسواق الأسهم، مع زيادة القلق إزاء احتمال انتقال الأحداث إلى دول أخرى في الشرق الأوسط أو أن تؤدي إلى إغلاق قناة السويس وبالتالي إلى زيادة كبيرة في أسعار النفط.

.. وتشعل أسعار النفط

واصلت أسعار النفط الخام ارتفاعها مقتربة من مائة دولار للبرميل بالأسواق العالمية جراء تصاعد الاحتجاجات بمصر. ويأتي ارتفاع أسعار النفط وسط مخاوف من أن تثير الاحتجاجات المناهضة للحكم بمصر اضطرابات مماثلة في دول أخرى بالمنطقة العربية، وهي منطقة تنتج أكثر من ثلث النفط العالمي. وارتفع سعر برنت (خام القياس الأوروبي) للعقود الآجلة تسليم مارس/آذار المقبل إلى 99.97 دولارا للبرميل، وهو أعلى مستوياته منذ الأول من أكتوبر/تشرين الأول 2008.

ويجري تداول برنت بفارق نحو عشرة دولارات عن سعر الخام الأمريكي الخفيف الذي ارتفع بتعاملات للعقود الآجلة إلى 89.55 دولارا للبرميل. ورجح المحلل الاقتصادي وانغ تاو أن يتجاوز سعر برنت مستوى 100 دولار إذا ما تواصلت الاضطرابات في مصر، وتطورت لتؤثر على تدفق نفط الشرق الأوسط عبر قناة السويس في مصر إلى أوروبا. من جانبه قال الخبير الاقتصادي لدى البنك الأسترالي الوطني بن ويستمور أن “ارتفاع الأسعار يعكس التوتر في مصر، واحتمال حصول مصاعب على مستوى العرض بسبب قناة السويس”.

ويقول توم بنتز من (بي أن بي باريبا) إن نحو مليون برميل نفط تمر يوميا عبر قناة السويس. وقال “هناك توتر بخصوص العرض، وذلك من شأنه أن يؤثر على أوروبا أكثر من تأثيره على الولايات المتحدة”. وفي محاولة لطمأنة الأسواق، أبلغ أحمد المناخلي العضو بمجلس إدارة هيئة قناة السويس أن القناة تعمل كالمعتاد وحركة مرور السفن تسير بشكل سلس، وأن الهيئة مازالت قادرة على نقل الموظفين الضروريين للمحافظة على حركة السفن عبر القناة إلى مواقع عملهم.

الأحداث ترفع أسعار القمح

حذرت مصادر أمريكية في قطاع القمح من أن الاحتجاجات المستمرة في مصر قد تعطل وارداتها من القمح مع تأخر بعض الشحنات من الولايات المتحدة وهي أحد مصادر القمح الرئيسية لمصر. وجراء المخاوف من الأوضاع في مصر، التي تعد أكبر مستورد للقمح في العالم، سجلت العقود الآجلة للقمح الأميركي أعلى مستوى في 29 شهرا. ففي مجلس شيكاغو للتجارة بلغت العقود الآجلة للقمح تسليم مارس/آذار سعر 8.97 دولارات للبوشل (27 كلغ).

وقال مسئول في شركة كبيرة للحبوب في أمريكا إن الشركة ترفض تحميل سفينتين بالقمح إلى مصر بسبب مشاكل مرتبطة بخطابات الائتمان، حيث تمت مطالبة القاهرة بتعديلات محددة على خطاب ائتمان أصدره بنك مصري وأنه لم يتم إنجازها بسبب إغلاق البنوك في مصر. وتابع أن خطاب الائتمان كان أصدره بنك تتعامل معه الهيئة العامة للسلع التموينية، المشتري الرئيسي للقمح في مصر.

وأشار إلى أن هناك سفينة أخرى تابعة لشركته محملة بالقمح الأمريكي على مسافة 5 أيام من ميناء الإسكندرية المصري، مضيفا أنه واثق من أنه سيتم السماح بتفريغ الشحنة بمجرد وصولها. وتستورد مصر نحو 40 % من حاجاتها، ومنذ بداية السنة المالية الحالية التي بدأت في الأول من يوليو/تموز الماضي اشترت الهيئة المصرية العامة للسلع التموينية نحو 4.465 ملايين طن من القمح الفرنسي والأمريكي والكندي والأسترالي والأرجنتيني. ويخشى التجار الأميركيون من أنه ما لم تكن خطابات الائتمان متاحة فقد يعلن المشتري أنه يواجه ظروفا قهرية بشأن الشحنات وهو ما يمكنه من رفض استقبال الشحنات.

شركات أجنبية تعلق أعمالها

وقد علّقت مجموعة الشحن والنفط الدنمركية “ايه.بي مولر- ميرسك” أنشطتها لمحطات الموانئ في مصر وأغلقت مكاتبها الملاحية في مصر. وقالت الشركة التي تعد وحدتها “ميرسك لاين” أكبر شركة لشحن الحاويات في العالم، إن عدم الاستقرار في مصر قد أثر على أنشطتها التجارية والتشغيلية لكن كل موظفيها في البلد بخير.

وأضافت أن “لا عمليات لمحطات الموانئ في مصر ومكاتب ميرسك لاين وسافمارين ودامكو مغلقة.” وأكدت أن “قناة السويس مفتوحة أمام حركة النقل.” وفي السياق نفسه، أعلن متحدث باسم مجموعة “بي.جي” البريطانية للغاز أن المجموعة علقت أعمال الحفر في مصر، لكن إنتاج الغاز والغاز المسال مستمر كالمعتاد. وأضاف المتحدث أن “كل العاملين في المجموعة في مصر بخير ولم يصبهم أي أذى  في الاضطرابات التي تشهدها البلاد”.