Posted inمجتمع

الدوسري يصل برواية الصخب والعنف والقسوة إلى مستحيل الرواية

حين تبدأ قراءة رواية “رجل عادي بطعم المهانة” للأديب “الدوسري” ستعلق بفخ السرد الجميل الذي يطل به علينا من خلال أسلوبه الدرامي.

الدوسري يصل برواية الصخب والعنف والقسوة إلى مستحيل الرواية

حين تبدأ قراءة رواية “رجل عادي بطعم المهانة” للأديب الدكتور “أحمد الدوسري” ستعلق بفخ السرد الجميل الذي يطل به علينا من خلال أسلوبه الدرامي الذي يكتنز لغة شيقة، تأخذ بمجامع النفوس حين يكون علينا ألا نتركها قبل أن تنتهي.

وعبر ذاكرة استرجاعية ترجيعية تقول لنا، مباشرة ومواربة.. ما تراكم في جسد وروح الإنسان العربي من أوجاع وآلام وأحزان وقهر وقمع وسجن وموت ومقابر.. حيث كل شي مقوض، منقوص، فيما مزامير القمع والقهر جاهزة كي تلقى على أي مولود يجيء الدنيا.. وحيث عقلية القطيع، ولا وجود لمواطن إنسان.. بل شبهة الحيوان تعلق به دائماً بسبب الاستبداد الذي يحيا به الكائن ويودي به إلى جحيم الحياة، فيما الرغبات مبتورة مجتثة، وفيما التعذيب سمة الوجود في هذه المنطقة أو في هذا التابوت الممتد من المحيط إلى الخليج.

وكأن سرديات الرواية تبدأ بشاعر في الجامعة يحب فتاة اسمها “ندى” الفتاة ثرية والشاعر فقير مشرد صعلوك.. لكأنه يحبها عن طريق صديقه.. ففهد يتحرى أخبارها من خالد صديقه الذي يلزمه بعشاءات كي يحدثه عنها.. حين يقول له أنها قرأت مقاطع من قصيدة لفهد تحفظها.. خالد يهيب به ألا يتطلع إلى فوق بسبب التفاوت الطبقي بينه وبينها.

وتعلق هذه الانفجارات العاطفية ليعود فهد الى طفولته في قرية وبلدة البدوية.. الواقعة على تخوم البحر والصحراء، يتحدث عن ملحمة البحر وكيف يأكل الرجال صيادي اللؤلؤ والاسماك الغذاء والثروة.. كما يتحدث عن نشأة البدوية ثم عائلته أمه، وأبيه وجده في ترحالة إلى الهند، وجدته التي تروي الخرفات.. يتحدث عن المقبرة ثم عن الصحراء وعن بئر ليال وقصة الحب بين حمد ونورة واستحالة لقائهما سوى بالموت وفي قبر واحد، وكأنه يتخايل رواية الحب العربية، قيس وليلى أي “مجنون ليلى”.

فوزية أمه، أخوته السبعة، أبوه: محمد الناصر، خاله في العمل الفدائي، حنان الأم عليه، وشيطناته الطفولية، وأسئلته في المدرسة عن الأرض: فيما لو اخترقناها ماذا سنجد؟ سنجد أرضا أخرى! يتأكد حينها من هذا الجحيم الأرضي ومن ورطة الحياة.

“يغرب” مدينة الغربة، وعبد الحميد صديقه الشاعر، وعروبة حبيبته المتوهمة المشتهاة الرمزية ووحشة الشوارع والأرصفة والليالي والبارات وجماليات المطر والخصوبة التي حملها معه من البدوية إلى الغربة.. الأصدقاء الذين يحلمون بتغيير العالم ولو من المنافي! إنها فداحة الرعب في المنافي واشتجار واحتراب الحنين في جسد وروح فهد الشاعر الذي يروي الدراما أو التراجيديا التي يعيش، وكأنه في نفس ملحمي كما لو أنه يوليس في الأودية، ورحلته في متاهات الغربة أو يغرب المدينة التي تتوسط العالم والجحيم.

إنها البرزخ الجحيمي الذي يكره الغرباء وأخبار عن موت حمدان، واعتقال عمران وعشق عبدالحميد للفتاة بيروت وزواجه منها.. ذهاب الأصدقاء إلى النادي، كريم الناعور، محمد شهاب الدين، سالم خلف، حسين سليمان، شعراء وكتاب ممسوسون يحلمون بمدنهم الفاضلة “يسأله سالم خلف: هل قرأت ديواني “عند منتصف الموت؟ أطلقوا الرصاص على حمدان في المئذنة، ومات صلاح بالسرطان حين عاد إلى البدوية. ماتت عروبة وحيدة قرب الجسر.. الجسر مات قربها.. حسناً فعل الجسر!.

من نبوءات الشيخ له ولأصدقائه، إلى زيارة علي السعيد في يغرب ورحيله والحديث عن المرأة للحب أو السرير، أو كليهما معا، والسؤال هل يصلح الوطن للسرير ؟ ثم يشتّق الكاتب كلمات البلادولوجية، والعربلوجية.. ثم أن فهد من السجن إلى البيت، بعد حديثه مع شقيقته منال، ثم ورقة مغادرة بدون عودة وقصة المطارات العربية تجاه الفلسطينيين، ثم الاعتقال والتعذيب، وكابوس ولادة مهيوب من نطفة في البحر، وعشق عائشة.

ولادته كبيراً ثم تراجعه في العمر إلى الطفولة والتلاشي.. وترد الإشارة إلى شالح، وكأنها مسرحية برنارد شو العودة الى ميتو شالح، وفي كابوس مهيوب، مونولوجات قاسية، والبوح بعذابات لا حصر لها، ثم الإشارة إلى المتنبي وهل عاش سابقاً أم أنه سيعيش لاحقاً، المتنبي وهوميروس، الفرزدق، عروة بن الورد، ووضاح اليمن الذي مات عشقاً في صندوق أم البنين، أطياف ندى والشوكلاته، ثم التحقيق وعدم انتماء فهد إلى أي دولة! أي أنه خلو من المشاعر الوطنية أو القومية! وهنا يقع كابوس الانفصام والشرطي الذي تغلغل في داخل الراوي فهد مع التباس كابوس عشق عائشة لمهيوب وعدم تلبية مهيوب لرغباتها بسبب تناقص عمره وارتكاسه السريع.

يصارع فهد الشرطي في داخله، يحاول تقيؤه أو تهديده بالانتحار كي يموت وإياه! إنه التباس القمع الطويل الذي تسرب إلى أرواح الكائنات وأجسادهم في هذه المنطقة، إلى درجة أن فهد الذي لا يأمن الخارج يذهب طائعاً إلى مركز الشرطة ويطلب منهم سجنه! فيطلبون منه إيجار السجن لأن الإقامة ليست مجانية فيه.. وكانت هومانات مهيوب الأول وعائشة والابنة من الكلب هضبان الوفي، وأن لا أحد وفي في البدوية!.

إن جرد الذاكرة، ذاكرة الحياة، وترجيعها عبر هذه التخييلات والمرارات والمراودات الشهية الشجية والرغبات المبتورة تجعل الكاتب يتغول ويتغور في مسروداته الروائية عبر فيزيائية وبيلوجية الكائنات والأشياء في التطور الخلاّق لهذه اللغة الكثيفة المتينة المضيئة الشفافة والشاعرية، المرهفة والدرامية العنيفة التي تصل لغة شكسبير بترجمة جبرا إبراهيم جبرا.

إلا أنها العربية الصافية التي تنسج الحكاية الرواية لرجل عادي بطعم المهانة، التي فيها من ملكة القص العربي في حكايات ألف ليلة وليلة العربية، وفي الرواية الحديثة التي أثبت الكاتب فيها تفكيك حياة البطل، مجازاً فهد، وهي ليست رواية بطل، كما تفكيك الأحداث، وهي ليست رواية أحداث فقط، كما أن الروائي يفكّك المكان بين البدوية ويغرب كبلدة الأصل، ومدينة المنفى، واستحالة تكوين وطن في المكانين وجحيم الحياة في كلتيهما بين الريف والمدينة، ثم تفكيك البحر والصحراء، وحتى تفكيك أواليات القمع والعنف والحياة والولادة والموت، وخاصة تقاليب الموت وفلسفاته الوجودية.

كما أن الراوي يرغب في التخلص من الزنازين والسقف، وحتى أنه يفكك أولويات الزمن، زمن الرواية، وأزمنة الواقع، أزمنة الحلم، وأزمنة الكابوس، ونقاشة الساعة آلة الزمن، كما في رواية فوكنر: “الصخب والعنف”.

إن رواية أحمد الدوسري موازية لذلك برفعتها الأدبية الفنية وأسلوبها حيث لا قيمة لما يروي سوى بالكيفية التي يروي فيها.. وكم تطورت رواية القسوة والعنف منذ “شرق المتوسط” لعبدالرحمن منيف، و”العين ذات الجفن المعدنية” لشريف حتاته، إلى رواية “رجل عادي بطعم المهانة” حيث يصل الروائي أحمد الدوسري إلى مستحيل الرواية وكأنه في الساعة الخامسة والعشرين لجورج سانيانا التي كتبت في الحرب العالمية الثانية.

ربما كانت الرواية في مناخ السيرة الذاتية كونها كتبت عبر أعوام امتدت إلى خمسة عشر عاما وأكثر 1989-2005، ولكنها تخرج عن ذلك من خلال اشتباك الذات عبر تحرّكها، وتحولها مع الموضوع والأحداث، خاصة في طاقة الكاتب الأدبية على التخييل بين الواقع المتحول وخلطة الماضي بالحاضر، وحتى ذهابه إلى المستقبل بنوع من الخيال العلمي في قصة ولادة مهيوب الأول وحياته وعشقه، وجواءات حضوره وإشكلات رواية الجدة وتخريفها تجاه هذه العوالم الماورائية.

وكان الكاتب كان ينزاح ويتحول إلى ذلك التخييل للهرب من قسوة الواقع، وربما كي يخفف كابوس المنفى.. إن الرواية كتابة منفى بامتياز! كما تحدث عنها إدوارد سعيد وكأنها معادل موضوعي للحياة المستحيلة التي عاشها الكاتب ودفعته إلى الهذيان والجنون.

لكن قمة العقل يا حيبي الجنون.. كما يقول “نزار قباني”، وهكذا سرديات “أحمد الدوسري” في روايته هذه حيث يقف على الخيط السري بين الابداع والجنون لأن طاقته الأسلوبيه واللغوية على تحفيز نفسه منذ الطفولة حتى الآن، وكأنه يساور نفسه ويساررها على طريقة الكاثرسيس: التطهّر في الدراما الأرسطية.

حيث يتخفّف من الكابوس بروايته، عبر هذه التداعيات وتيار الوعي كما هو في يوليسيس عند جيمس جويس.. حيث التباس الزمان والمكان، والأحداث بداخله، ومتوازيات المكان: البدوية، ويغرب، ومناجاة البحر والصحراء، الموت والمقبرة، وحتى الحب: ندى، وعروبة ومتوازياتها في حمد ونوره، وفي محبة الأم فوزية لفهد الذي اعتبرها جنية، وتفاجأ بأن أمهات أصدقائه يأكلن بينما أمه لا يريد أن يعرف أنها تأكل! وفيما هي مقموعة من أبيه محمد الناصر وصابرة على قمعه، يتضامن معها ويكاد يصطدم بالأب مرات لأجلها، ثم جلوسه إليها ومناجاتها بالصمت. وكأن أوديبيةً ما تجعل الكاتب منحازا بقوة وحميمية إلى أمه التي اسمها فوزية.. وهي خاسرة سواء من أخيها عبدالله، خال الكاتب الذي يجيء لزيارتها من عمله الفدائي في لبنان على حدود فلسطين حيث للراوي فهد أيضا صديق لبناني شاعر من جنوب لبنان.

إن الرواية جسد حي من عصب ودم وعظم ولحم، وهي جسد لغوي متوتر متواتر، وجسد أسلوبي ملتئم، ملتحم، متعض، صحيح أن تفكيك هذه العوالم والكائنات هي سمة الرواية، لكن في أقانيم التحليل والتركيب، والبناء السيمفوني والهارموني. وهي من باب الوحدة في الكثرة، والتعدد من تفريعات الينابيع.

ولأنها من منبع شاعري فإن الانشاد الكورالي والأوبرالي رفيع وعال، وصاخب ومشتجر ومحترب في جوائاتها، التي تتموسق وتتواقت وتتواقع من دخيلة الكاتب إلى العوالم الغارقة في التشبيح والتطييف بين الأحلام والكوابيس، حيث الليالي والصباحات والمساءات المنهارة، المنهدمة.. وحيث كل سياقات الرواية تنبي بهندساتها المرئية واللامرئية عبر الذات التي تعكسها لغويا في مراياها اللامتناهية.

هكذا تكون رواية “رجل عادي بطعم المهانة” لأحمد الدوسري، من الروايات الطليعية والحداثية في الرواية العربية الجديدة التي غادرت أسلوب نجيب محفوظ، وربما لا أرى أثر هذا الأسلوب القوي العنيف في رواية القسوة والعنف، وتفكيك أواليات القمع والاستبداد، سوى في أسلوب ادوار الخراط، بسبب احتفائها بجماليات اللغة والأسلوب واشتقاقها، وكيماوياتها اللغوية، كما يقول فهد: المرأة المذهّبة، والمرأة المألمسة. والرواية هذة مذهبة، مألمسة، براقة، متوهجة في لغتها الرائعة المروّعة وحيثياتها الإنسانية.