ينظر أصحاب الثروة بحذر شديد في شأن تسليم زمام أعمالهم إلى الأجيال التالية. إلا أنهم، وفي الحين ذاته، يأملون لأن تُحدث ثرواتهم فرقاً في العالم. ولحسن الحظ يتفق أبناءهم معهم بالرؤية.
هل يمكن للاستثمار المستدام أن يوازي هذه الدوافع الأساسية؟
يقول هرقليطس، الفيلسوف اليوناني من عصر ما قبل سقراط، إن “التغيير هو الثابت الوحيد في الحياة” وينطبق هذا بدقة على العائلات التي تكافح، بالتغيير، بهدف التقدم الاقتصادي والإجتماعي. بينما تسعى لضمان إرث ناجح لثرواتهم.
لا تكون عملية نقل الثروة، عادةً، من جيل إلى آخر يليه مهمةً سهلة. حتى في بعض العائلات في دول مجلس التعاون الخليجي ذات الخبرة الاقتصادية، لا يزال مالكو الثروات من الأجيال الكبيرة سناً قلقين من مخاطر انتقال الثروة. بينما يتطلع أبناء الجيل الرقمي الصاعد، ممن يسعون إلى تغيير الأعراف الاجتماعية، نحو تبني آفاق استثمارية جديدة، وهو الكفيل ببث شعور عدم الثقة أثناء عملية نقل الثروة.
تظهر الأبحاث التي أجراها بنك باركليز الخاص أن نسبة كبيرة من مالكي الثروات في الشرق الأوسط (68%) سلمون زمام أمور ثرواتهم بحذر شديد للجيل التالي. ويكمن سبب وجود هذه الحواجز في اختلاف السلوك، والرغبة في المخاطرة والخلفية العلمية والثقافية المتفاوتة بين الجيلين. فيسعى مالكي الثروة وصناع القرار الحاليين إلى تجنب أكبر قدر من المخاطر في محاولة للحفاظ على ثرواتهم للأجيال القادمة، بعكس الأجيال الشابة التي ترغب في زيادة ثروتها بما يتماشى مع قيمها المستدامة.
التفكير المستدام
بالمقارنة مع غيرهم، يعير جيل الألفية والجيل الذي يليه، اهتماماً استثنائياً بالاستثمار المستدام. إذ لم يعد يُنظر إليه على أنه بدعة استثمارية، أظهر بحث بنك باركليز الخاص على العائلات في المنطقة، أن 23% قد اعتمدوا الاستثمار المستدام، وأن آخرين بنسبة 48% يفكرون في اعتماده بجدية. تعكس هذه الأرقام الوعي المتزايد للأجيال الصاعدة بالتحديات التي قد تواجههم عند انتقال الثروة لهم، كما يرغبون في تمكين هذه الثروات لأهداف خيرية على المدى الطويل.
وهو التوجه الذي لا يعتبر جديداً، فلكل جيل اهتمام خاص باستثمار ثروته وتخصيص جزء منها لما يعنيه من القضايا. ومع ذلك، وفقًا لبحث بنك باركليز الخاص، فيقوم الجيل الأكبر بتخصيص مبالغ للأعمال الخيرية بشكل تقليدي بدلاً من إيجاد استراتيجيات للإستثمار فيها. كما يشير البحث إلى أن الأجيال الشابة في دولة الإمارات تميل إلى المشاركة في النشاط الخيري بالمقارنة مع أقرانهم في دول مجلس التعاول الخليجي الأخرى.
ومع ذلك، فإن القيم الشخصية، التي تدفع بجيل الألفية والذي يليه إلى الاستثمار المستدام لتحقيق التغيير الإيجابي، هي انعكاس لقيم الجيل الأكبر سناً التي تُعنى بالعمل الخيري. ومع بدء تحول النهج بين الورثة، يشكل الاستثمار المستدام جسراً لمواءمة القيم العائلية وتقريب الأجيال المتعددة من خلال إيجاد دوافع خيرية مشتركة.
إحداث فرق معًا
يُظهر البحث الذي أجراه بنك باركليز الخاص أن آراء الأجيال الشابة حول هذا النمط من الاستثمار يمكن أن تساعد في تغيير وجهات نظر الأجيال الأكبر سناً. يقول واحد من كل عشرة (بنسبة 11%) من جميع الأجيال أن التأثير البيئي الإيجابي هو هدف شخصي كبير.
ومن المثير للاهتمام، أن ما يقارب 60٪ من الأشخاص في الشرق الأوسط يتفقون على أن الاستثمار المسؤول أصبح الآن مهمًا بالنسبة لهم، مما يدل على تماشي مسائل الحوكمة البيئية والاجتماعية والمؤسسية مع الأهداف الإجمايلة للثروة عبر الأجيال.
عادةً ما يتم ربط الاهتمام بالاستثمار المستدام بالأجيال الشابة، فنلاحظ أن الحديث عن فوائده يركز على المحافظ، الناس، والكوكب. ما يمكننا الآن من الاستفادة من خلق مصالح وقيم مشتركة بين العائلات تساعد في عملية نقل الثروة بين الأجيال.
يساهم الاستثمار المستدام كأداة حوار بين الأجيال، حيث ستدفع الأهداف المشتركة إلى توحيد النظرة العامة للاستثمار والإرث العائلي. كما تساعد، المبادئ الكامنة للاستثمار المستدام، الأجيال على تحديد الأسباب المشتركة التي تعكس القيم العائلية المشتركة. هذا التواصل بين الأجيال قد يجنبهم الكثير من النزاعات التي تنشأ غالبًا أثناء عملية نقل الثروة.
تزداد اليوم أهمية القضايا التي تعنى بتغير المناخ والاحتباس الحراري، كما أصبحت الحاجة لصناعة التغيير والعمل من أجلها أكثر إلحاحاً بين جيل الألفية والجيل الذي يليه. إذ أصبحت الاستدامة من الركائز الأكثر أهمية بالنسبة لهم، هم يدفعون أسرهم على مراعاتها عندما يتعلق الأمر بمصالحهم التجارية.
مواءمة الدوافع المستدامة
ومع ذلك، فإن الاستثمار المستدام والثروة المتزايدة هما جزءان لا يتجزءان من من الصورة الشاملة لإدارة الثروة. وفي الواقع، تعد العناصر طويلة الأجل التي تقود الاستثمار المستدام، مثل التحولات الديموغرافية، التخضير، ظهور الذكاء الاصطناعي، والعولمة، جميعها مفاتيح لاستثمارات فاعلة من المستقبل. هذا التركيز على خلق القيمة و ضمان العوائد على المدى الطويل هو أمر طبيعي للعائلات التي تريد أن تعكس ثروتها أهدافها الشخصية، وأن تصمد أمام اختبار الزمن للأجيال القادمة.
عادة ما يتضمن الحوار مع العائلات أحد الدوافع الأربعة للاستثمار المستدام. أولاً، أنه غالباً ما يعتبر وسيلة لتعزيز إرث ثروة الأسرة بشكل عام. ثانيًا، يساعد في ضمان تطبيق القيم العائلية.
كما يحفز ورثة الثروة من الأجيال الشابة على القيام باستثمارات ذات جدوى. ويتحقق ذلك من خلال منحهم فرصة للاستثمار منذ سن مبكرة أو مساحة لمناقشة القضايا المتعلقة بالمستدامة. وأخيرًا، قد يساعد الاستثمار المستدام على توطيد الروابط الأسرية.
وتتجلى هذه الدوافع عند سؤال العائلات عن الذي تريد أن تفعله بالثروة، أو عن أسباب اهتمامهم بالاستثمار المستدام على المستوى المالي أو الشخصي. فهم حريصون بشكل أساسي على تنمية أموالهم، مع الأخذ في عين الاعتبار مدى تأثير التحديات المجتمعية الكبيرة على أسواق معينة. وفي النهاية، من منظور شخصي يعود الأمر إلى قيمهم ودوافعهم.
رحلة اكتشاف
نرى هذه المحادثات أكثر أهمية من أي وقت مضى، بعد تأثير Covid-19 على الاقتصادات والتقلبات الصعبة لأسواق المال. بالفعل، تشير الأرقام إلى أن الصناديق المستدامة قد نجت بشكل أفضل من الركود الذي ألحقه فيروس كورونا على الأسواق في النصف الأول من العام، مقارنة بالمحافظ التي لا تركز على الحوكمة البيئية والاجتماعية والمؤسسية. لم يعد ينظر لهذا النوع من الاستثمار على أنه يعرض الثروة المكتسبة بشق الأنفس لمخاطر أعلى على حساب العائدات.
يمثل الوباء نقطة تحول للقطاع ومن المرجح أن يدرك المزيد من المستثمرين فوائد الاستثمار المستدام، إذ كان كوفيد-19 أول اختبار للشركات المستدامة. مما أثار إعجاب ودفعهم لطرح أسئلة حول الاستثمار المستدام وكيف يمكننا مساعدتهم في استثمار أموالهم.
ومن منظور أعمق، أدى الوباء إلى جعل العديد من صانعي الثروات يعيدون النظر في الإرث الذي سيتركونه وراءهم، وما إذا كان يعكس قيمهم بشكل مناسب. ومن خلال تجربتنا في تقديم الاستشارة للعائلات المحلية، ندرك أن المساعدة في تسهيل ذلك مجزية رغم صعوبتها.
من خلال إيجاد آفاق مشتركة بين الأجيال، هنالك فرصة للنظر في الاستثمار من منظور جديد يحافظ على الثروات على المدى الطويل ولكنه يساهم أيضًا في كوكب أكثر استدامة للبشرية ولأجيالنا المقبلة.
داميان بياتاكيس، رئيس الاستثمار المستدام والتأثير في بنك باركليز الخاص
