على هامش قمة مجموعة العشرين التي استضافتها الهند يومي9 و10 من الشهر الحالي (سبتمبر/ أيلول 2023م) في نيودلهي جاء إعلان قادة كل من المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي وفرنسا وألمانيا وإيطاليا والهند والأمارات، بالعمل على تأسيس ممرات عبور خضراء عابرة للقارات.
وهذا المشروع هو مشروع ضخم جدا ولا ينافسه في ذلك إلا ما يطلق عليه “مبادرة الحزام والطريق” الذي يربط الصين بالعالم ليكون أكبر مشروع بنية تحتية في تاريخ البشرية كونه يرتكز على مشاريع النقل والمواصلات البرية والبحرية، لتتجاوز المضايق البحرية التي تتحكم فيها الولايات المتحدة الأمريكية، ومن المعروف أن الصين تعاني من نقطة ضعف خطيرة وتمثل تهديدا لا يستهان به لطموحاتها الاقتصادية وتواصلها مع العالم، وهي مضيق ملقا الذي يعتبره الصينيين “معضلة ملقا”.
فهذا المضيق الموجود في جنوب شرق آسيا يتراوح اتساعه بين 65 و250 كيلومترا ويعتبر ثاني أهم ممر بحري لتجارة النفط العالمية بعد مضيق هرمز.
ولقدرة الدول القريبة التي تمتلك قوة كافية على غلقه بسهولة، فإن ذلك يمثل تهديدا خطيرا بالنسبة للصين في ضوء حقائق الأوضاع السياسية في المنطقة نظرا لأنه محاط في الغالب بدول حليفة للولايات المتحدة مثل سنغافورة.
ولسهولة إغلاقه بإمكانات بحرية بسيطة وبالتالي حرمان الصين من أهم طريق لصادراتها ووارداتها كونه يمثل طريق لأغلب واردات الصين من الطاقة والمواد الخام، وفي نفس الوقت طريقا لمعظم صادراتها لما يقارب 80 % من صادرات الصين يمر عبر هذا المضيق وهو ما يعني أن مصير الصين الاقتصادي يعتمد في الغالب على استقرار الأوضاع.
وبمساندة الولايات المتحدة الأمريكية وأوربا التكنولوجية، والتمويل الخليجي فمن المؤكد أن هذا المشروع الممر الأخضر سيكون منافسا للحزام والطريق الصيني خصوصا وأن العديد من البلدان بدأ يحجم عن المشاركة في الحزام والطريق بسبب مخاوف من أن القروض الصينية الرخيصة لتشييد هذا الطريق بدأت تتصاعد وأن تلك الدول في نهاية المطاف ستكون عاجزة عن سداد تلك القروض.
والمشروع الذي أطلق عليه (الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا) سيسهم في تطوير وتأهيل البني التحتية التي تشمل السكك الحديدية وربط المواني، وزيادة مرور السلع والخدمات وتعزيز التبادل التجاري بين الأطراف المعنية، ومد خطوط الأنابيب لتصدير واستيراد الكهرباء والهيدروجين لتعزيز أمن إمدادات الطاقة العالمي، بالإضافة إلى كابلات لنقل البيانات من خلال شبكة عابرة للحدود ذات كفاءة ووثوقية عالية حيث يتألف هذا الممر الاقتصادي من ممرين شرقي وممرشمالي وستكون الهند المركز الشرقي بينما ستكون المملكة في المركز الشمالي.

والممر الشرقي سيربط الهند كمركز شرقي ويمكن استخدامها كمركز يستقبل ويصدران لدول مثل فيتنام وتايلاند وبنغلاديش الممتد إلى الهند كمركز لهذا الممر الشرقي.
أما الممر الشمالي فسيكون مركزه المملكة يستقبل ويصدر من الأمارات وكافة دول الخليج إلي ومن أوروبا، أي أن الممر الاقتصادي الأخضر يتصل من مومباي بالهند بحرا إلى ميناء دبي بالإمارات، ومن إمارة دبي إلى منطقة الغويفات الإماراتية بالسكك الحديدية ثم إلى المملكة كمركز ورابط للوصل الشمالي ثم يصل إلى جنوب الأردن، ثم إلى المدينة الساحلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة، ومنها بحرا إلى السواحل الجنوبية لأوروبا وتحديدا ميناء بيرايوس اليوناني وفرنسا وإيطاليا، ومنهما إلى دول وسط أوروبا وشمالها وغربها عن طريق السكك الحديدي الأوربية، مسهلا وميسرا بذلك عملية النقل عبر الكابلات للطاقة الكهربائية وكذلك الألياف البصرية، والبترولية الغازية عبر خطوط أنابيب وكذلك خطوط للسكك الحديدية مستهدفا بذلك تعزيز من الطاقة عالميا وميسرا نقل البضائع وفتح أسواق العالم إضافة إلى تنمية الاقتصاد الرقمي عبر النقل والربط الرقمي للبيانات.
وهنا نرى أن لدى هذا المشروع الجديد (الممر الاقتصادي) لديه القدرة على تجاوزمبادرة الحزام والطريق الصيني في المستقبل باعتبارها العمود الفقري الجديد للتجارة العالمية القائمة على سلاسل التوريد العالمية ذات التقنية الجديدة، بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا متجاوزة المناطق المضطربة في الدول الآسيوية الأخرى كباكستان وأفغانستان.
ودور المملكة مركزي في هذا المشروع كونها المركزفي الممر الشمالي لما لديها من المميزات العظيمة، فموقع المملكة بين الثلاث قارات لا يمكن ان يستثنى من تلك الممرات الدولية وهي بهذه المبادرة تعلن للملأ بأن دورها في الجغرافيا السياسية وثرواتها الطبيعية الكبيره ومحاذاتها لإفريقيا بثرواتها الطبيعية لايمكن ان يستغنى عنها او تستثنى من تلك الطرق القارية وأثبتت انها الرقم الصعب في هذه المعادلة اي في مواجهة ما تطرحه الصين أو تركيا من ربط اسيا بأوربا من خلال مبادرة الحزام والطريق الذي يهدف إلى زيادة تجارة بكين مع آسيا الوسطى وأوروبا والشرق الأوسط وإفريقيا أو الجنوبي الشمالي الهندي الروسي متخطيتاً بذلك الجزيرة العربية.
ولا يمكن أن تكون تابعة لأي من القوى الإقليمية. فهي قوة إقليمية في تعاظم، ودورها سيكون الأعظم في حلقة الوصل القارية والتي لا يمكن مجاراة أهميتها الجغرافية بين دول العالم.
والممر الأقتصادي سيكون مركزه المملكة التي تم استثناؤها في الحزام والطريق وفي خط الجنوب الشمال.
وسيكون دور الممر الأخضر، الحاضنة للمشاريع الاقتصادية الكبرى في المملكة ومركزا لجذب الاستثمارات العالمية في مشروعات الطاقة المتجددة والهيدروجين النظيف، وربط المشروع بمدينة ” نيوم ” والتي يخطط لها أن تكون المدينة الخضراء، والاستفادة من البنية التحتية العملاقة في السعودية في السكك الحديدية والعمل على ربطها ببعضها البعض وربما لتشييد سكك حديدية أخرى تربط الجنوب بالشمال، وكذلك البنية التحتية العملاقة في نقل الغاز والنفط والهيدروجين عبر شبكات أنابيب الغاز والبترول بين الخليج والبحر الأحمر مثل خط أنابيب النفط الخام بين شرق المملكة وغربها والذي يمتد من حقل بقيق في المنطقة الشرقية إلى مدينة ينبع على البحر الأحمر بطول 746 ميلا كما أن خط التابلاين التاريخي الذي تم إنشاؤه في عام 1948 بطول 1,664 كلم، يربط الخليج العربي حتى البحر المتوسط، وهو معبر نقل النفط من السعودية إلى أوروبا والولايات المتحدة الأميركية من الممكن تأهيله وإعادة تشغيله، كما أن خط الناقل للنفط العراقي عبر المملكة إلى البحر الأحمر بدءا من منابع النفط العراقية وصولا إلى مواني ينبع السعودية على البحر الأحمر، والخزانات العملاقة على الميناء من الممكن تأهيلها وإعادته للتشغيل، كون المملكة هي المحور الرئيسي في هذا الطريق لأهمية في دمج مصالح دول القارات الثلاث وربط بعضها ببعض ويكون رافد جديد للمدخولات الاقتصادية في عصر التقنية والطاقة المتجددة، والاستفادة من عوائده التنموية لرفع مستوى الوطن والمواطنين.
