تكشف صحيفة الأخبار اللبنانية خفايا حزب سياسي اسمه حزب الحوار والذي يجبر العاملين في المصنع على الانتساب للحزب السياسي وهو حزب المصنع ذاته.
اسمه حزب الحوار. رئيسه رب العمل. أعضاؤه العمال. مقره مصنع للأنابيب. مسؤوله في منطقة عكار، مدير المحاسبة في المصنع. مبادئه انتسب أو استقل من الوظيفة. قاعة محاضراته كافيتريا. العمال المطرودون من مصنع شركة المستقبل للأنابيب في عكار لديهم أكثر من رواية تستحق المتابعة، إحداها قصتهم مع «حزب المعلم»
غسان سعود
ترسم ظلال الأشجار، خلف المشتل الزراعي في طرابلس، مسار طريق ترابي يضيق كلما اشتد العناق بين أغصان الضفتين، لينتهي عند منزل صغير تختلط عند مدخله النباتات ذات الورود الحمراء الجميلة بكدسة من الأحذية المهترئة وأكوام النفايات وبعض الكتب المدرسية.
حافي القدمين، يطل أبو هيثم، عبثاً يحاول رفع جفنيه ليرى بوضوح، هزالة جسده تُعرف بمرضه وصوته المبحوح، يروي: «السرطان يأكلني، لا يكاد الطعام يدخل فمي حتى أستفرغه. على كل حال، لا نملك المال لشراء الطعام. هنا الشمس لا تغيب، الصوم لا ينقطع. ابني هيثم، أكبر الأبناء التسعة كان يعمل معي في شركة أنابيب المستقبل التي يملكها رئيس حزب الحوار فؤاد مخزومي، طردنا نحن الاثنين». لكن ليست هذه هي القضية. أبو هيثم لا يستطيع طرق باب تيار المستقبل أو غيره من القوى السياسية الفاعلة في المنطقة، طلباً للمساعدة. هنا القضية: بعد نحو عشر سنوات من عمله في شركة الأنابيب، ناداه أحد المسؤولين في الشركة وأبلغه أن عليه الاختيار بين الانتساب إلى حزب الحوار الذي يرأسه رب العمل أو الاستقالة. فأجابه أبو هيثم بأنه مستقبليّ الهوى، يحب الرئيس سعد الحريري ويريد أن يفي الرئيس رفيق الحريري تضحياته. لكن عيون المسؤول في الشركة كانت جازمة: «البطاقة الحزبية أو الإقالة». هكذا، انتسب أبو هيثم إلى حزب الحوار، ليصبح بين جيرانه من «الخوارج». ولاحقاً، تتالت الويلات، عرف أبو هيثم بتفشي السرطان في جسمه ولم تلبث الشركة ـــــ الحزب أن شدت قبضتها على عنقه عبر إبلاغه استغناءها عن خدماته، وبالتالي فسخ عقد الضمان معه.
للزوجات في هذه المحن حضورهن. تضع أم هيثم كفيها على ركبتيها، عين على الزوار وعين على المطبخ، كأنها تبحث عمّا يمكن أن يخفف عنها مهانة العجز عن تقديم فنجان قهوة لضيوفها. وبعد دقائق، تكشف أم هيثم عمّا يشغل بالها: «انقطع المال، الدكان لم يعد يديّننا بعدما امتلأت صفحتنا في الدفتر، قهوة لم نعد نشرب. ونواب المستقبل يطردوننا بحجة أننا كنّا مع المخزومي ولم ننتخبهم».
أمسك أبو هيثم عدّة مرات ببطاقته الحزبية ليمزقها باعتبارها سبب شقائه، لكنه عدل. خيراًَ فعل، يقول هيثم، فحزبنا الذي طردنا وشردنا يعطي اليوم كل حامل بطاقة حزبية، كرتونة إعاشة. يتدخل أحد الحاضرين، في الغرفة الضيقة التي لا «مروحة» فيها أو تلفاز وتعشّش فيها الرطوبة، متذكراً اللقاء الأول مع مخزومي حين أبلغهم أنه ينوي تعليمهم الصيد بدل إعطائهم سمكة. تشبع عينا الضيف من صديقه المريض، ثم يردد: «يأكلون السمكة والسنارة والبحر ثم يبصقون فيه، هكذا هم السياسيون».
من حيّ المشتل إلى «دوّار العبدة» المحاذي له، يحرس بعض الجنود نصباً تذكارياً شيدته قيادة الجيش للعسكريين الذين سقطوا في معارك نهر البارد، فيما يغفو معظم سائقي التاكسي على الخط البحري بين العبدة والدبوسية في سياراتهم في عزّ الظهر.
عند مدخل مصنع أنابيب المستقبل يجتمع عشرات العمال في اعتصام يستمر منذ أكثر من شهر، اعتراضاً على طردهم من المعمل. هنا الأجواء تبدو مرحة رغم الكارثة التي يعانيها هؤلاء، وبحماسة يتسابقون لإخبار قصصهم. يروي عبد الرحمن المصري أنه لم يدخل حزباً في حياته سابقاً، فأيام «السوريين كنا نظهر تعاطفاً معهم لتسيير مصالحنا الشخصية، لكنهم لم يفرضوا علينا الانضمام إلى أي حزب». أما المسؤولون في شركة المستقبل للأنابيب، فأبلغوهم ـــــ بحسب المصري دائماً ـــــ أن ممارستهم مهماتهم الوظيفية لا تكفي لحماية مصلحتهم الشخصية، وعليهم الانضمام إلى حزب الحوار الوطني. من أبلغه؟ مسؤوله في القسم أولاً، ثم مدير شؤون الموظفين. «الحزب أو البيت»، قالها بوضوح مدير شؤون الموظفين.
ومن المصري إلى يحيى، يمسح الأخير العرق بمحرمة عن جبينه وبها نفسها يلمع سنّه الذهبيّة ليتبسّم مع ثقة بالنفس أكبر للكاميرا، وينطلق في روايته: «غالباً ما يدّعي المسؤولون الحزبيون أن لديهم أفكاراً يقنعون المواطنين بها قبيل ضمهم إلى الحزب وتحصل حوارات شكلية متشعبة، أما في الحزب الذي سمى نفسه «حزب الحوار» فلا حوار ولا من يتحاورون». يبلع يحيى ريقه، ويتابع: «بدأ مسؤولو الأقسام في المصنع، إثر إنشاء مخزومي الحزب عام 2006، إبلاغ العمال في أقسامهم أن عليهم «الانضمام إلى الحزب أو إخلاء مواقعهم لآخرين مقتنعين بأفكار المخزومي». يبتعد يحيى بكرسيه من أشعة الشمس ليحتمي بالخيمة التي نصبها العمال عند مدخل المصنع. يؤكد أن مسؤوله أبلغه أكثر من خمس مرات أن من «لا يدخل الحزب لا يستطيع الاستمرار معنا»، وأن «الأولوية في الترقيات والمكافآت للحزبيين»، ففهم الرسالة. استحصل على إخراج قيد جديد وصورتين شمسيتين ووقّع استمارة الانتساب إلى الحزب.
أبو علي البحري كان أكثر عناداً من يحيى. ببنيته الضخمة، ارتكز عمل أبو علي على التنظيف والعتالة خمسة عشر عاماً. هو «من عائلة لا تحب الأحزاب ولا تعرف عنها إلا أنها سبب للويلات». يذكر أبو علي أسماءً لمسؤولين، أبرزهم مدير شؤون الموظفين في الشركة ـــــ المصنع، أبلغوه أن عليه الاختيار بين الانضمام إلى الحزب أو الذهاب إلى المنزل، فبقي يجيبهم بأنه غير مقتنع «بقصة الأحزاب»، حتى استحقها في نهاية الأمر وكان آخر المنتسبين. تعلم أبو علي طبعاً من درس زميلهم السابق محمد شاكر الذي رفض الانضمام إلى حزب يدّعي العلمانية بسبب التزامه الديني، فمورس عليه ضغط كثيف اضطره في نهاية الأمر إلى الاستقالة.
فجأة، يقطع أحد العمال حبال الأفكار صارخاً: «يا شباب، يا شباب، اللي ما بيفوت بالحزب شو بيقولولو؟»، ويجيب الشباب، جميعهم، بصوت واحد: «الله معو، الباب بيفوت جمل».
❞
حزبنا الذي طردنا وشردنا يعطي اليوم كل حامل بطاقة حزبية كرتونة إعاشة
❝
ووسط فوضى عمّالية، يخرج أحد الأصوات مطالباً زملاءه بسرد قصة العشرة آلاف. هذه القصة هي أكثر ما يستفزّ العمال الذين يقومون بوظيفتين: واحدة مهنية، وأخرى حزبية، مقابل أقل من خمسمئة دولار. فمن أجبرهم على دخول الحزب كان يقتطع من أجورهم عشرة آلاف ليرة شهرياً، اشتراكاً حزبياً وثمناً للبطاقة الحزبية، هكذا يقولون. واللافت في هذه الرواية أن الحزب المفترض كان يقتطع اشتراك المحازبين مباشرة من الأجور التي يدفعها المصنع لعماله، كأنه ضمان اجتماعي أو مصرف.
عند الحادية عشرة إلا ثلثاً تقريباً، تسمع قرقعة سيارة وتطل من بعيد فولكزفاغن، كل دولاب فيها يشد باتجاه، يصعب في حضرتها تحديد سبب الصخب: رفرافها الراكض خلفها، ميكانيكها، أو هيكلها الراقص فوق دواليب تبدو عطشى للهواء بمقدار عطش سيارات الفولكزفاغن في الصيف للمياه. يرفع رئيس نقابة عمال ومستخدمي المستقبل للأنابيب عباس البضن، زجاج الشباك بيده ويثبته مغلقاً عبر إقحام «مفك براغٍ» بين الزجاج وحديد الباب. يُسلم مبتسماً دون مبالاة بافتقاده بعض أسنانه واسوداد البعض الآخر، ويبدأ الرواية:
«عام 2000 كان رب العمل، فؤاد مخزومي يترشح عن أحد المقاعد السُّنية في بيروت، فمرت الباصات يوم السبت، السابق للانتخابات، لتقلنا جميعاً من الشركة إلى أحد مكاتب مخزومي الانتخابية. وفي اليوم التالي، وزعنا المسؤولون عن ماكينته الانتخابية على مراكز الاقتراع في العاصمة لنوزع الأوراق قبالتها.
لاحقاً، بعد نحو أربع سنوات، زارنا مخزومي في المصنع ليبلغنا أنه ينوي إنشاء حزب يحمي مستقبلنا ويؤسس لنا وطناً أفضل. وبعد إنشاء الحزب، بدأت تعقد ندوات أسبوعية تثقيفية (استقال مقدمها لاحقاً للعمل في إحدى شركات التنظيف) في كافيتريا المصنع التي كانت تحوَّل في نهاية كل أسبوع إلى قاعة محاضرات حزبية، لا أذكر منها إلا انتقادات للرئيس فؤاد السنيورة، رغم معرفة المسؤولين في المصنع أن معظم العمال يعشقون السنيورة. وكان التغيب عن هذه الندوات مستحيلاً لوجود جدول يوقع عليه الموظفون في نهاية الندوة، ويحسم من رواتب المتغيبين أجر يوم عمل. مع العلم بأن سيارات تابعة للشركة كانت توصلنا إلى منازلنا بعد انتهاء الندوة».
❞
«عليهم الانضمام إلى حزب الحوار الوطني» قالها بوضوح مدير شؤون الموظفين
❝
بالطبع، كان عمال المصنع أساس النشاطات الحواريّة. ففي الذكرى الأولى لتأسيس الحزب، أتت الباصات لتنقلهم إلى الفوروم في الكرنتينا حيث كان رب العمل يُحيي مهرجاناً سياسياً. في افتتاح مكتب الحزب في طرابلس، كانوا هم أساس الحشد أيضاً (أكثر من 150 موظفاً ثابتاً و400 موظف مياوم). عشية انتخابات 2009 النيابية طلب من الموظفين بدايةً تسليم بطاقاتهم الحزبية، وبعد السماح بالاقتراع عبر بطاقة الهوية، دقق المسؤولون في الشركة بأصابع العمال لمعرفة من اقترع ومن لم يفعل. وحين توفي والد رئيس الحزب قبل بضعة أشهر، وصلت الباصات بحسب دوام العمل لتنقل العمال إلى قاعة العزاء في بيروت حتى يشعر زوّار الرئيس بأن أنصاره كثر وحيثيته جدية.
اللافت في هذا الحزب، أن العمال ممنوعون من الترقي حزبياً. فالغالبية المطلقة من العمال هم «أعضاء مساندون» يفترض بهم دفع الاشتراك السنوي، وتلبية قيادة الحزب في كل احتياجاتها، سواء أكانت حزبية أم عائلية، لكن لا يحق لهم الاقتراع لاختيار رئيس الحزب. واللافت أيضاً أن رئيس الحزب عين بداية أحد المحامين العكاريين مسؤولاً عن الحزب في عكار، لكن سرعان ما قرر رئيس الحزب استبداله بمديرة المحاسبة في الشركة، السيدة إثراء قاسم، التي تعاملت معنا بإيجابيّة إلى أن عرفت موضوع تحقيقنا فأخبرتنا أنه «حين يأخذ الحزب قراراً بالتحدث مع الصحافة، اتصل بكم وأجيبكم».
القصة لا تنتهي هنا، فبعدما نسّبت إدارة المصنع الموظفين، بدأت الترهيب والترغيب لينسّب هؤلاء أقرباءهم. ويخبر أحد العمال في هذا السياق أنه نسّب أكثر من عشرين شخصاً من أقربائه: «كنا نستفيد عبر البطاقة الحزبية من بعض الخدمات، وكنا نعلم أن البطاقة المذكورة لن تثنينا عن فعل ما نراه مناسباً خلف الستار، وخصوصاً أن حضرة رئيس الحزب ضعيف في عكار».
نواب المستقبل يرفضون اليوم التضامن مع العمال في الكارثة التي أصابتهم. لا يصدقون، يقول أحد العمال، «أننا انتسبنا إلى حزب الحوار بسبب فزعنا على لقمة عيشنا، ولأن وزارة العمل لا تحمي العمال»، يقول آخر.
طوال ساعتين، يفضل أحد العمال الاعتكاف بعيداً دون اكتراث بالأسئلة ولا بالأجوبة، بحسبه «لا مبرر لهذا»، فالعلاقة »مشابهة لما سمعته هنا بين معظم رجال السياسة ـــــ الاقتصاد وأحزابهم.
لابورا تواجه لامبالاة الأحزاب
في أديرة روما القديمة، تتكرر النقوش نفسها تقريباً فوق المداخل: ora & labora. تعني الكلمتان الرومانيتان: صلاة وعمل. في أديرة لبنان، لا نقوش ظاهرة. البعض يقول إن هناك بعض «الأورا» والكل يجمع على أنه ما من «لابورا». وما تفتقده الأديرة، تفتقده أيضاً فيلّات ميشال عون وسمير جعجع وأمين الجميّل وغيرهم من الزعماء المسيحيين. فمنذ سنوات يتحدث المسؤولون في هذه الأحزاب عن «تهجير اقتصادي» يتعرض له المسيحيون، لكنهم في المقابل لم يضعوا أية خطة لمواجهة هذا «الاستهداف». وبحسب أحد المطّلعين على مجموعة من الدراسات التي تتناول هذا الموضوع، فإن أسس ما يسمى التهجير، أربعة:
1ـــــ عدم وجود مقاومة شعبية. فمعظم المسيحيين قرروا أنهم أهمّ من الوظيفة العامة التي لا تتناسب مع طموحاتهم.
2ـــــ حماسة أبناء الطوائف الأخرى للدخول إلى القطاع العام بعدما كان وجودهم قبل الحرب محدوداً في الوظيفة العامة.
3ـــــ إعداد تيار المستقبل بداية وحزب الله وحركة أمل والحزب التقدمي الاشتراكي لاحقاً، دورات إعدادية لمناصريهم قبل التوجه إلى الامتحانات، ما يسهّل نجاح معظم هؤلاء مقابل تعثّر الآخرين الذين يفتقرون إلى الإعداد الجدي.
4ـــــ متابعة تيار المستقبل وحزب الله وحركة أمل والحزب التقدمي الموظفين المحسوبين عليهم في الإدارات الرسمية والسعي الحثيث إلى ترقية بعض هؤلاء وترفيعهم وظيفياً على حساب من يفتقدون الدعم.
عملياً، تثبت التجربة أن المطلوب من الكتائب والقوات والتيار العوني ليس كثيراً. فبعيداً عن السياسيين والروحيين، قرر بعض الشبان مواجهة الوقائع التهجيرية السابق ذكرها. اجتمع تسعة شبان تحت راية كتب عليها «لابورا»، قرروا العمل ثماني ساعات يومياً في الطابق الخامس من مبنى قديم. الجمعية التي أنشئت عام 2008، حددت مهمتها بالحد من «هجرة اللبنانيين المسيحيين الناتجة من البطالة والتنمية غير المتوازنة». استقبلت الجمعية خلال عامين أكثر من 6600 شاب لمساعدتهم وتحفيزهم على تقديم طلبات عمل، خضع أكثر من 4200 منهم لتوجيه فردي ونحو 2200 لتوجيه جماعي. ولاحقاً، نجحت الجمعية، بحسب قولها، بتوظيف 550 منهم في القطاع الخاص (بنت الجمعية شبكة علاقات مع شركات خاصة)، بالتعاون مع 368 شركة. ووُجِّه وحُفِّز 1667 طالب عمل على نحو فردي للتقدم إلى مجلس الخدمة المدنية أو مؤسسات رسمية أخرى لمختلف الوظائف في الدولة. ونظمت لابورا دورات مكثفة ومطابقة لتلك المعتمدة في المباريات لأكثر من 1300 شخص. وبحسب الجمعية، فإن 100% من المسيحيين الناجحين في الوظائف الشاغرة في مؤسسة مياه لبنان الشمالي وُجِّهوا ودُرِّبوا على يدها، 60% من المسيحيين الناجحين في الوظائف الشاغرة في وزارة العدل، 50% من المسيحيين الناجحين في الوظائف الشاغرة لدى وزارة الزراعة و33% من المسيحيين الناجحين في مباراة الأساتذة المتعاقدين حلقة أولى وثانية وثالثة.
تحل هذه الجمعية إذاً محل التيار الوطني الحر والقوات اللبنانية والكتائب وغيرها من القوى السياسية في إعداد الشباب لإيجاد وظيفة تبقيهم في بلدهم: تسعى عبر وسائل عدة للتواصل مع أكبر عدد ممكن من الشباب، تشرح منافع الوظيفة العامة، تستخدم فنون الترغيب من الدوام إلى إجازة الأمومة، مروراً بتغطية الضمان. وتستقبل كل «لبناني ـــــ مسيحي» يبحث عن وظيفة عمل لتجري معه مقابلة ويُصنَّف وفق مجموعة معايير تأخذ رغباته في الاعتبار، قبل أن ينضم الملف إلى مئات الملفات لينتظر الوظيفة التي تناسب صاحبه. وفي الوقت نفسه لاستقبالها الباحثين عن عمل، تنشط مجموعة من الموظفين في لابورا في مسح الإدارات الرسمية لتحديد أماكن الشغور ومعرفة مواعيد مسابقات التوظيف والشروط المطلوبة لدخول الوظيفة (يمكن اليوم لابورا معرفة كل المواقع التي ستشغر خلال الشهرين المقبلين في الإدارات الرسمية)، وحين يكون العرض أكبر من الطلب، تنزل لابورا إلى الأرض، فتوزع مجموعات شبابية في ساحات المدن المسيحية الأساسية لتوزيع مناشير عن حاجة القوى الأمنية إلى تطويع عناصر جديدة، كما كان يحصل في نهاية الأسبوع الماضي مثلاً. ولاحقاً، تتحول لابورا إلى معهد إعدادي لتدريب من ينوون التقدم إلى مباريات دخول، موفرة مؤازرة معنوية تستتبع بجهد يؤكد أن حق هؤلاء لن يضيع ولن تشتغل الواسطات على حسابهم.
الأكيد أن ما تفعله «لابورا» يساعد على حل بعض المشكلة لا كلها. إذ يشير المدير العام للجمعية غابي رهبان إلى أن تراجع عدد المسيحيين في الوظيفة العامة هو نصف المشكلة فقط، والنصف الآخر يتمثل بطبيعة الوظائف التي بات يشغلها المسيحيون. ففي الكثير من الدوائر، يتابع الشاب، هناك مناصفة في الشكل، أما المضمون فيظهر أن المسيحي يشغل الوظائف الهامشية جداً. هكذا تعود الكرة مرة أخرى إلى ملعب السياسيين. في تكتل التغيير والإصلاح ليس في الأفق خطة معالجة، وأثبتت التجربة أن التكتل مستعد لتحريك الشارع وإطلاق حملة استثنائية حين يتعلق الأمر بمصالحه الخاصة (الدعوة على قناة الأو تي في مثلاً)، لكنه يكتفي بالإشارة بعبارة موجزة إلى الغبن اللاحق بالمحسوبين عليه في وزارة المال في بيانه الأسبوعي.
أما القوات اللبنانية فأثبتت خصوصاً في قضية وزارة المال أن إيقاف «التهجير الاقتصادي» ليس من أولوياتها في هذه المرحلة، وهي لا ترى اليوم استئثاراً إلا على مستوى قرار الحرب والسلم. وبدوره، يعيش البطريرك نصر الله صفير على الوعود
