بين مطرقة الداخل وسندان الخارج، عاشت إيران طيلة عام 2009 على صفيح ساخن، لم تبرد ناره بعد، بل هي مرشحة للتأجج والاشتعال.
وداخليا فجرت أزمة الانتخابات الرئاسية التي فاز فيها الرئيس محمود أحمدي نجاد بولاية ثانية أزمة طاحنة قسمت البلاد إلى فريقين، ما بين مؤيد ومعارض، وضاعت في غبارها مصداقية النخبة الدينية الحاكمة.
ولم تكد تهدأ هذه الأزمة حتى تصاعدت أزمة الملف النووي بوتيرة حادة، ولم يحسم الجدل الدائر حتى الآن بين إيران والغرب بقيادة الولايات المتحدة حول حق طهران في الحصول على تكنولوجيا نووية وفرض المزيد من العقوبات عليها.
ويظل الحدث الأبرز في إيران هذا العام، والذي لم يكن أشد المعارضين للثورة الإسلامية يتوقعه، تداعيات الانتخابات الرئاسية العاشرة التي جرت في 12 يونيو/حزيران الماضي، وفاز فيها أحمدي نجاد بفترة رئاسية ثانية مدتها أربع سنوات بعد حصوله على 63بالمائة من أصوات الناخبين، وتفوقه على المرشح الإصلاحي مير حسين موسوي رئيس الوزراء الأسبق، والذي حصل على 33.8 بالمائة، ومحسن رضائي أمين عام مجمع تشخيص مصلحة النظام رئيس الحرس الثوري الأسبق، الذي حصل على 1.7 بالمائة، والشيخ مهدي كروبي رئيس مجلس الشورى الأسبق الذي حصل على 0.9 بالمائة وفقا للنتائج الرسمية لوزارة الداخلية.
وقالت “الشرق الأوسط” السعودية إنه بمجرد إعلان النتيجة وفوز التيار المحافظ اندلعت في المدن الإيرانية الرئيسة موجة عارمة من الاحتجاجات والمظاهرات قادها موسوي، بمعاونة رضائي وكروبي، حيث رفض موسوي النتائج وأكد أنها مزورة، وأعلن نفسه الفائز بالانتخابات، ونظمت مظاهرات كبرى أمام السفارات الإيرانية في تركيا ودبي وباريس وبرلين ولندن وروما وسيدني وفيينا ولاهاي.
وسقط العشرات من القتلى والجرحى في حمى المظاهرات، والتي اعتمد فيها اللون الأخضر كرمز للاحتجاج، وكان أبرز القتلى الشابة “ندا أغا سلطان” على يد قوات الحرس الثوري في 20 يونيو/حزيران ، وأصبحت رمزا للاحتجاجات الإيرانية. وتم اعتقال المئات من المعارضين والمسؤولين الإصلاحيين ومحاكمتهم وعلى رأسهم محمد علي أبطحي، عبد الله رمضان زاده، بهزاد نبوي، محسن أمين زاده، محسن مير دامادي، ومحمد عطار يانفار.
واتهمت السلطات الإيرانية الدول الغربية، وعلى رأسها بريطانيا وفرنسا بدعم حركات الاحتجاج، وعلى أثر ذلك اعتقلت عددا من الأجانب في طهران بتهمة المشاركة وتأجيج المظاهرات.
لكن ومع استمرار الضغوط أعلن مجلس صيانة الدستور في 16 يونيو/حزيران قيامه بفرز جزئي للأصوات للتحقق من الاتهامات بالتزوير، وخلص في 29 من الشهر نفسه إلى فوز نجاد، وتم التصديق على ذلك من قبل البرلمان الإيراني في الخامس من أغسطس/آب الماضي.
تدخل المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي في الأزمة ودعواته للإيرانيين للتوحد وراء أحمدي نجاد الذي وصف انتصاره بأنه “تقييم إلهي”، لم يسفر عن أي نتيجة سوى المزيد من القمع ضد المعارضين، واستمرت تداعيات الأزمة في التضخم إلى وقتنا الراهن حتى صارت ككرة الثلج، بل وصل الأمر إلى قيام متظاهرين بكسر أحد المحرمات السياسية الإيرانية وأحرقوا صور الإمام الخميني مؤسس الجمهورية الإسلامية والمرشد الحالي علي خامنئي في ذكرى يوم الطالب أوائل ديسمبر/كانون الأول، ووصف المتظاهرون الرئيس أحمدي نجاد بـ”الدكتاتور” وهتفوا: “الموت للطاغية.. سواء كان الشاه أو الزعيم”.
كما تجددت الاشتباكات بين الشرطة وأنصار المعارضة مرة أخرى قبل حفل تأبين المعارض الأبرز، أحد كبار المراجع الشيعية آية الله حسين علي منتظري، الذي توفي في 19 من الشهر الحالي، وكان من أشد المنتقدين للرئيس نجاد واتهم حكومته بممارسة الدكتاتورية.
هذه الأزمة، التي تعد الأخطر والأعنف منذ قيام الجمهورية الإسلامية قبل ثلاثين عاما، كشفت – كما يرى مراقبون – عن عدة حقائق خطيرة في النظام الإيراني، لعل أبرزها أن كلمة المرشد الأعلى صاحب السلطة شبه المطلقة في البلاد لم تعد ملزمة عند نسبة كبيرة من الإيرانيين، خاصة بعد فشله في وقف الاحتجاجات، وأن تمتعه بسلطات واسعة لا بد أن يعاد النظر فيه.
كما أثبتت بما لا يدع مجالا للشك أن النظام الإيراني ضعيف داخليا، رغم الهيبة الظاهرية التي يتباهى بها وسيطرته على الوضع، وأكدت أن هناك صراعا بين المؤسسات المنتخبة والمعينة داخل النظام الحاكم، الذي أصبحت شرعيته منقوصة لدى كثير من الفئات في المجتمع.
كما أسفرت عن تقارب ملحوظ بين الإصلاحيين ومن أطلق عليهم “المحافظون المعتدلون أو البرغماتيون”، وهو ما أدى إلى تفكيك النخبة العليا الحاكمة.
ورغم تقليل العديد من المراقبين من تأثير تداعيات هذه الأحداث على طبيعة نظام الحكم الإسلامي في إيران، فإنه من الثابت أن هذه التفاعلات سوف تنتج تداعيات مؤثرة على مؤسسات النظام، وأن إيران مقبلة على مرحلة جديدة ربما تشهد معها تغييرات مهمة في توازنات القوى داخل نظامها السياسي.
