Posted inسياسة واقتصاد

أحوال 2009 .. أسئلة حول الحلة السياسية الجديدة لحزب الله

كثيرة هي الإشارات التي تعطي دلالات على أن حزب الله عام 2009 عمل على إرساء أسس وجه جديد له في الحياة اللبنانية.

أحوال 2009 .. أسئلة حول الحلة السياسية الجديدة لحزب الله

كثيرة هي الإشارات التي تعطي دلالات على أن حزب الله عام 2009 عمل على إرساء أسس وجه جديد له في الحياة اللبنانية.

وبالطبع يجري ذلك من دون أن تشير أي تفاصيل إلى وجود انقلاب ما في مسيرته وأهدافه، ليبقى واضحا أن الحزب يغادر العام الحالي مع أجندة فيها الكثير من المحطات بخصوص المراحل المقبلة.

 هذه العلامات يمكن استنباطها من إعلام الحزب أو تصريحات القوى السياسية التي تمثله، أو من الوثيقة التي أعلنها الأمين العام للحزب السيد حسن نصر الله في 30 نوفمبر/تشرين الثاني الماضي.

ولعل مصير السلاح الذي بدأ تعميم ارتباطه بالمقاومة وليس بالحزب، يحمل إشارة إلى تأسيس الوجه الجديد. والقبول بطرح قضيته على طاولة الحوار لا يشير إلى أن الحزب حاضر ليدمجه بالجيش اللبناني ضمن استراتيجية دفاعية لبنانية، ليفضل بقاء هذا السلاح “في تكامل مع الجيش اللبناني”.

عن الجديد الذي حملته وثيقة حزب الله، يقول النائب من كتلة الوفاء للمقاومة الدكتور بلال فرحات لصحيفة “الشرق الأوسط” السعودية إن “الوثيقة واضحة، وهي تعكس مرحلة 24 عاما من المقاومة والعمل على الصعيدين الاجتماعي والسياسي بما تتطلبه الحاجة.

وقد أعطى نصر الله من خلال الوثيقة أجوبة على علامات استفهام كثيرة كانت تتهم الحزب بأنه يريد دولة إسلامية ودولة ولاية الفقيه وأنه يحارب عدوه من خارج لبنانيته.

كذلك فصل بين الشعب الأميركي والسياسة الأميركية والنظام الذي تتبعه. ونحن لا نتفق مع هذه السياسة التي تدعم إسرائيل ولا تهتم بالشعوب الأخرى، مما يترك على لبنان عواقب تضغط علينا وتستوجب منا أن نقف ضد هذا النظام”.

ويضيف: “أيضا حددت الوثيقة أن لا عداء مع اليهود وإنما مع إسرائيل ونظامها الذي يسعى إلى تحقيق مطالبه على حساب الشعب الفلسطيني، وذلك انطلاقا من هوية لبنان وانتمائه العربي”.

ويعتبر أن “الحزب قطع الطريق على من يشكك بلبنانيته لأن الوثيقة تنص على أن لبنان بلد الأجداد والأبناء والأحفاد، وبالتالي فإن واقعنا السياسي يتعلق بالداخل اللبناني وبالتعايش الإسلامي – المسيحي، انطلاقا من احترام الأشخاص في اتباعهم دياناتهم، على أن تحترم معتقداتنا، ونحن بذلك لم نغير هذه المعتقدات لكننا لا نمليها على الآخر”.

النائب في تكتل لبنان أولا أمين وهبي يقول “هذه الوثيقة ربما تشكل خطوة على مفترق طرق. فهي تبقي العلاقة مع ولاية الفقيه ومع المرجعية الإيرانية. وفي الوقت ذاته تطرح العلاقة العقائدية. وهذا ما يجعل تطور الأمور محتملا حيال الاستمرار بالالتصاق العضوي مع إيران، أو التوجه إلى مزيد من اللبننة. وذلك يرتبط بموازين القوى والظروف التي ستحملها المرحلة المقبلة”.

ويعد وهبي أن “الوثيقة حملت إيجابية من خلال التأكيد على أن لبنان هو وطن الأجداد والأبناء والأحفاد، وإن حاولت أن تطرح في الوقت عينه صيغة مبهمة للموضوع الأساسي الذي يقلق اللبنانيين وهو السلاح. فكانت صيغة المزاوجة بين الهدوء واستعراض فائق القوة. وهذا ما لا يطمئن اللبنانيين. وفي التطرق إلى الطائفية السياسية من خلال الأسئلة التي طرحت على الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله، بدا في الجواب أن نصر الله غير مستعجل على إلغاء الطائفية السياسية، لكنه طرح البديل عبر تثبيت صيغة الحكومات الوفاقية التي تنافي الحياة الديمقراطية”.

ويقول الكاتب وأستاذ العلوم الاجتماعية الدكتور طلال عتريسي إن “الوثيقة لا تحمل جديدا استراتيجيا مفاجئا، بل هي تتويج لتجربة الحزب خلال السنوات الماضية، وذلك وللمرة الأولى في نص مكتوب”.

ويضيف: “هذا إذا أخذنا النقاط الأساسية لجهة الموقف مع سورية وإيران والديمقراطية التوافقية وإلغاء الطائفية السياسية. أما في التفاصيل، فقد ورد في الوثيقة عبارة: القلق على المسيحيين. وهذه هي المرة الأولى التي تشير فيها حركة إسلامية في المنطقة إلى هذا الأمر”.

ويتوقف وهبي عند فرض حزب الله إرادته بعد فشل فريق “8 آذار” في الحصول على الأكثرية النيابية في يونيو/حزيران 2009.

يقول: “إن رهان الأكثرية النيابية كان حماية السلم الأهلي مع أن طريقة التفاوض التي اعتمدها الخاسرون لا تساعد على إرساء ذاكرة سهلة للعمل السياسي. إلا أن هناك حقيقة لا يمكن تجاهلها، وهي أن حزب الله لم يستطع الفوز بالأكثرية النيابية خلال الانتخابات التي خاضها على أساس أن فريقه هو الرابح”.

الإشارة الثانية التي يعطيها الحزب عن وجهه الجديد تبرز استعداده لدخول معترك الإدارات الرسمية، الأمر الذي كان بعيدا عنه.

ودخول الإدارة يطرح مسألة الإصلاح ومواجهة الفساد. لكن هل يترك الحزب فعلا بصمته التغييرية في الإدارة اللبنانية بالنظر إلى وضعها الحالي؟ أم أن الدخول في التعيينات لن يكون سوى جزء من المحاصصة لتأمين وظائف لمحازبيه ومؤيديه وينطق بها في الشارع بعض الذين لم يعودوا يكتفون بأنهم “أشرف الناس” ولم يعد يكفيهم أن يحصلوا على رواتب متواضعة مقابل تفرغهم الحزبي.

يقول فرحات: “نحن كحزب الله لدينا رؤية إصلاحية وطموح كبير ليصبح لبنان بلدا مهما، ونتلاقى مع كل القوى والأحزاب التي تسعى إلى هذا الأمر”. ويعد أن “الظروف التي سادت في السابق لعبت دورا في سوء أحوال الإدارات في لبنان”.

واستبعد اعتماد حزب الله مفهوم المحاصصة السائد في التعيينات المرتقبة. الانفتاح على القوى السياسية اللبنانية ودول الاعتدال العربي وبعض المجتمع الدولي، يعطينا إشارة ثالثة، جاءت واضحة على صعيد السياسة الداخلية، وبدت ملامحها، وإن متحفظة، في الانفتاح على بريطانيا وفرنسا، وفي ردود الفعل على تصريحات عربية كانت تستوجب استنفارا في الماضي القريب.

ويقول المسؤول الطلابي لحزب الله في إحدى الجامعات اللبنانية إن “المطلوب منه ومن زملائه حزبيا هو المزيد من الانفتاح على طلاب تيار المستقبل، في حين لا ينطبق الأمر نفسه على طلاب حزب القوات اللبنانية، ذلك أن أي اتصال مع طالب قواتي يستوجب الحصول على أمر حزبي”. لكن إلى أي مدى سيسير حزب الله في المصالحات الداخلية وسط التناقضات التي تنطلق إقليميا ودوليا وتترك تداعياتها على ساحتنا الداخلية، وتحديدا في الشأن المتعلق بسلاح الحزب؟ ولماذا تستثار حساسية مسؤولي الحزب عندما يتطرق محاورهم إلى مرحلة الاصطفاف السابقة، وتحديدا أحداث السابع من مايو/أيار 2008 التي يريدون محوها من تاريخهم؟

يقول عتريسي: “المصالحات ضرورية. إذا لم يكن هناك اختلاط فعلي مع البيئات الثانية لا تصبح التفاهمات حقيقية وتصب لمصلحة البلد. لذا نلاحظ أن الحزب يعي أهمية الأمر ويروّج لخطاب توافقي، وإن بقي في حيز تمجيد حضوره وذهب إلى الآخر من دون تنازل”. من جهته لا يرى فرحات أن حركة الحزب الانفتاحية هي سعي للمصالحة. يقول: “صراحة نحن لا نفكر بكلمة مصالحات، لأننا لا نعتبر أن لنا أعداء في الوطن. هناك قوى وأطراف نختلف معها في وجهات النظر.. ونحن في الأساس لم نكن ضد أحد، ولدينا الاستعداد لملاقاة كل من يغلب مصلحة لبنان وكرامته وعزته على ما عداها”.
 
لكن الإشارة الأوضح إلى الوجه الجديد لحزب الله تظهر في عمله الميداني مع جمهوره، لاسيما بعد أحداث داخلية وخارجية تركت تداعيات تضر بالحزب، الذي كان يسارع إلى التأكيد على عدم تغطيته أي خارج على القانون أو إعلانه عدم انتماء بعض المرتكبين إليه. إلا أن التعامل مع هذه المسائل إعلاميا كان ولا يزال يثير حساسيات لدى المسؤولين الرافضين أي تمييز بين جمهور الحزب وغيره من اللبنانيين.

ومع تدفق الأموال لإعادة إعمار ما تهدم بفعل العدوان الإسرائيلي العسكري على لبنان في يوليو/تموز 2006 والابتعاد عن حالة الاستنفار الدائمة، وبعضهم استراح إلى الرفاهية في غياب التهديد اليومي الذي يقتصر على نخبة معينة. ولم يعد عليه أن يعيش في الوديان فقد انتقل إلى منزل فيه كل مستلزمات الراحة. والمعروف أن الميليشيا لا تقوى إلا في الحرب اليومية.

وعن الاسترخاء الاجتماعي الذي يمكن أن يسود جمهور حزب الله في غياب اندلاع حرب مع إسرائيل وفي غياب عوامل الاستفزاز الداخلية، يقول فرحات: “النقطة الأولى في موضوع خطر إسرائيل هي في عدم الاسترخاء لأن هذا الخطر مستمر مهما تغيرت أساليب العدو. والأخطر أننا نتعرض إلى الحرب الناعمة. لكن لدى شعبنا الوعي الجيد ونحن على تواصل معه”.

ولعل حملة “النظام من الإيمان” في الضاحية الجنوبية لبيروت حيث معقل الحزب وثقل حضوره في العاصمة اللبنانية يدل على أن هناك أوضاعا تستوجب معالجات سريعة. فقد بيّن عام 2009 أن جمهور حزب الله سيف ذو حدين. فهذا الجمهور الحاضر في مكان ما ليتصدى لجنود اليونيفل في قرية ما ويمنعها من القيام بما جاءت لأجله. وهذا الجمهور الذي ينزل إلى الشارع ليقطع الطريق ويشتبك مع الجيش، هو نفسه الجمهور الذي دعاه الحزب إلى الالتزام بحملة “النظام من الإيمان”، وهو نفسه الجمهور الذي يحذره الأمين العام السيد حسن نصر الله من أخطار المخدرات التي أصبحت متوفرة في المدارس وعلى قارعة الطريق.
 
بالتأكيد كل هذه القراءات يجريها الحزب في جلساته المغلقة، ليضع حدا للذين وسعوا نشاطهم “الاستثماري” أينما استطاعوا من دون أن يصطدم معهم ويخسر من شعبيته. وإلا لما شهد عام 2009 طلب حزب الله من القوى الأمنية اللبنانية توجها أكثر حزما في الضاحية الجنوبية لبيروت، مع رفض مسؤوليه الإقرار بأن هذه الضاحية كانت مغلقة على الدولة ومؤسساتها.

وينفي فرحات نفيا قاطعا أن يكون حزب الله هو من يغطي أي مخالفة للقوانين في الضاحية الجنوبية لبيروت. ويقول: “هناك مفهوم غير صحيح للأمر. نحن لا نغطي من يرتكب أي جرم. ومبدأ التجاوزات مرفوض. وعندما أطلقنا صرختنا لمواجهة خطر المخدرات كنا ننطلق من صميم مسؤوليتنا تجاه الناس. ونحن نساعد في معالجة هذه الآفة التي تكاد تشمل كل المناطق اللبنانية، ومنها الضاحية”.

ويضيف: “بعد حوالي 45 يوما على إطلاق حملة النظام من الإيمان بدأ الناس يلتزمون. وقد أطلقناها لنؤازر الدولة ونساعدها حتى تنجح في جهودها. لكننا نعلم أن الأمور تحتاج إلى الصبر”. بالفعل يمكن استنتاج المفاعيل الأولى لهذه الحملة، مع سائق حافلة صغيرة متوقف عند إشارة سير حمراء وبـ”خجل” ليقول لمن حوله: “يجب أن نفعل ذلك وإلا سيحسبون أهالي الضاحية خارجين عن القانون”.