بشكل عفوي ودون سابق تخطيط، سيطر موضوع ديون مجموعة «دبي العالمية» على المؤتمر السنوي لأريبيان بزنس الذي عقد الأسبوع الماضي تحت عنوان «هل انتهت الأزمة؟» وكان المقصود بذلك بالطبع الأزمة العالمية. وضمت قائمة المتحدثين في المؤتمر نخبة من رجال الأعمال وكبار المسئولين التنفيذيين الذين أدلوا بآراء لم نكن نسمعها من قبل، رغم أنهم أجمعوا فيها على ثقتهم في متانة ومستقبل اقتصاد دبي، وشنوا حملة مضادة على الحملات الإعلامية السلبية التي تعرضت لها الإمارة خلال الفترة الماضية.
من النادر أن يجتمع هذا العدد من الشخصيات الاقتصادية النافذة والمتميزة تحت سقف واحد، وبخاصة في هذه الأيام. ومن النادر أيضاً أن نرى إجماعا بين أكثر من متحدث على ضرورة أن يتسم الفعل الاقتصادي مستقبلا بالمزيد من الشفافية، والتواصل بين المستثمرين والناس العاديين وأصحاب القرار. ويبدو أن عنوان مؤتمر أريبيان بزنس وهو «هل انتهت الأزمة؟»
كان جاذبا بما يكفي ليس فقط للمتحدثين أ لآرائهم وتحليلاتهم، بل أيضا لقادة عالم المال والأعمال واستشراف رؤية كل منهم لمستقبل اقتصاد المنطقة، إلى جانب أبرز التطورات على صعيد الاقتصاد العالمي الذي بدأ يشهد مؤشرات متفاوتة على بداية نهاية الركود خلال العام القادم.
من بين أبرز المتحدثين في المؤتمر، الدكتور هنري عزام، الرئيس التنفيذي لدويتشه بنك الشرق الأوسط، وهو من الشخصيات المرموقة في الساحة المالية والمصرفية، الذي أكد في كلمته أن دبي لم تتعثر في سداد ديونها وأنها بصدد إعادة هيكلتها، وأشار إلى أن الأثر الناتج عن عملية إعادة الهيكلة التي تتولى تنفيذها «دبي العالمية» قد يؤدي إلى اندماج عدد أكبر من البنوك والشركات في المنطقة.
لافتاً إلى أن هيكل القطاع المصرفي في المنطقة قوي ويتضح ذلك جلياً من خلال عرض البنك المركزي تقديم صندوق للسيولة لصالح بنوك الإمارة التي بحاجة لتوظيف تلك السيولة.
ولكنه ألمح إلى أنه يفترض بالمساهمين في شركات دبي التي تتولى إعادة الهيكلة أن يشاركوها محنتها وإلا فستتكرر المشاكل التي تجري مواجهتها في الوقت الراهن، وقال«يجب على الجميع أن يتحمل جزء من اللوم وجزء من الألم».
من جانبه قال الشيخ مكتوم بن حشر آل مكتوم رئيس شركة «الفجر» في كلمته خلال المؤتمر، أن دبي قد أصبحت لاعبا من الطراز الأول على مسرح الاقتصاد العالمي. وقال الشيخ مكتوم أنه يعتقد أن هذا هو السبب وراء الاهتمام الإعلامي الهائل الذي نالته القضية الحالية المتعلقة بديون الإمارة. وذكر أننا نرى في العادة أبرز المشاهير على أغلفة المجلات، لذا فإن دبي أشبه ما تكون الآن بمدينة من الطراز الأول.
وأضاف «طالما نحوز على الاهتمام فإننا نتمتع بأهمية خاصة. فعند أخذ الحجم الصغير لإمارة دبي في الحسبان، نرى أن لها أثراً مثيراً للإعجاب في العالم. فالضجة التي أثارتها دبي خلال الأزمة هي أكبر بكثير من تلك التي أثارها انهيار بنك «ليمان براذرز»، كما أن ديوننا أقل من الديون المترتبة على بنك أوروبي كبير».
طريقة جديدة
وفي ما يخص المستقبل، رجّح الشيخ مكتوم بن حشر أن يبدأ الانفراج بحلول نهاية عام 2010، غير أنه أكد أن الحاجة تبرز لإعادة النظر في الطريقة التي تتواصل بها دبي مع العالم الخارجي.
فقال «لن تعلن دبي عن الأمور كما كانت تفعل في السابق. فنحن بحاجة لوسيلة توفيقية من أجل تفهم الحساسيات» وأكد الشيخ حشر أنه لا يشك مطلقاً بقدرة الإمارة على إدارة ديونها.
ويشغل الشيخ مكتوم، منصب الرئيس التنفيذي لمجموعة الفجر ومقرها الإمارات ورئيس ذراعها العقارية «الفجر للعقارات»، وقال «إن إعادة هيكلة الديون في ظل فترة من الركود يعد أمرا طبيعيا. فالعديد من الشركات والحكومات أعادت التفاوض حول ديونها وأنا أرى ذلك كنتيجة ايجابية. أنا أومن بدبي وبالإمارات على المدى الطويل مهما يكن من أحداث».
وبدوره قال رئيس الشئون المالية في «أرابتك للإنشاءات»، زياد مخزومي أن الدوافع السياسة قد لعبت دوراً في جزء من التغطية الإعلامية لمشاكل ديون دبي، وفقاً لتنفيذي كبير في أكبر شركة بناء في الإمارات.
وقال مخزومي أن وسائل الإعلام الغربية استغلت أزمة الديون كحجة لتشتيت الانتباه عن اقتصاداتها المنهكة. وأشار إلى أن دبي تثمل هدفاً واضحاً للغاية، فهي ناجحة وتحوز على اهتمام الإعلام.
وأعتقد أن جزءاً من التغطية الإعلامية كان بدوافع سياسية لتحويل الرأي العام عمّا يحدث في بلدانهم. فوضع المملكة المتحدة شديد الصعوبة، والدول الأوروبية الأخرى في وضع أسوأ». وأشار مخزومي إلى أن ما فقد في خضم العراك هي الأصول المربحة المدعومة من الدولة التي استعادتها دبي.
ذاكرة قصيرة
وأوضح «تتمتع العديد من الكيانات في دبي هي في وضع جيد من ناحية النقد، والكثير منها مربحة، مثل السوق الحرة دبي ومنطقة جبل علي الحرة وموانئ دبي، وهي كيانات مازالت تولد النقد. قد تستغرق الدورة المالية فترة أطول ولكن هذه هي طبيعة العالم».
وسلّم مخزومي بأنه كان بالإمكان التعامل مع أخبار إعادة هيكلة ديون «دبي العالمية» بقدر أكبر من المهنية ولكنه ذكر أن عالم الأعمال له ذاكرة قصيرة المدى. «تواصلت الأحداث ولم نعد نسمع عن إعادة الهيكلة في الصحافة الدولية. فبرأيي أننا لا نرى صور غير منطقية ومشوهة لدبي وهي تغرق أو تحترق».
وفي ما يتعلق بتداعيات الأزمة على مختلف القطاعات الاقتصادية، وخاصة قطاع العقار والانشاءات، قال نائب رئيس مجلس الإدارة والرئيس التنفيذي لشركة «دريك أند سكل» للمقاولات المدنية التي مقرها دبي، خلدون الطبري أن قطاع البناء في دبي ليس لديه أي فرصة للتعافي خلال عام 2010، وأضاف في معرض حديثه خلال مؤتمر أريبيان بزنس حول الأزمة العالمية أمس الاثنين أن شركات البناء التي يقتصر عملها على الإمارة تواجه مشاكل كبيرة. وأضاف «إذا كان 100 بالمائة من عملك يجري في دبي ولا تملك شيء خارجها فأنت هالك لا محالة».
أما عبد المجيد إسماعيل الفهيم، رئيس مجلس إدارة شركة «لؤلؤة دبي»، فقد أكد أن إعلان دبي العالمية عن إعادة هيكلة ديونها البالغة 26 مليار دولار لن يلحق الضرر بالسوق العقاري للإمارة، وأضاف :»لن يكون لها أي أهمية لأن إعادة الهيكلة هي عملية اعتيادية».
وقال الفهيم أنه كان قد أعاد هيكلة دفع الديون لصالح المستخدمين النهائيين للمشروع في أعقاب الأزمة الاقتصادية. فذكر «قدمنا أمرين لمستثمرينا، خفضنا من المبلغ الإجمالي ومددنا مواعيد الدفع على فترة زمنية أطول».
ثقافة الشركات
من جانبه، أكد فادي غندور رئيس شركة أرامكس على ضرورة اعتماد خطط أعمال على المدى الطويل، والابتعاد عن طريق جني الأرباح السريعة والخروج التي أثبتت فشلها، وشدد على ضرورة تبني مفهوم ثقافة الشركات التي تشكل ميزة استراتيجية، بالإضافة إلى ضرورة تطبيق الشفافية والإفصاح بالإضافة إلى طريقة تامل الشركة مع موظفيها وتحفيزهم لأداء أفضل.
من ناحيته، أشار جوزيف غصوب، الرئيس التنفيذي لمجموعة «مينا كوم» في كلمته أمام المؤتمر أن عالم الإعلانات والاتصالات في الشرق الأوسط يشهد أولى دلائل الانفراج، وأضاف: القطاع يمر بأوقات صعبة ولكن المحافظة على التفاؤل هو أمر أساسي لتحقيق الانفراج.
لقد كان العام الحالي صعباً للغاية، وكان من أصعب الأعوام في ذاكرة الشرق الأوسط»، وقال:» رغم كل تلك العناوين البارزة في وسائل الإعلام الدولية عن دبي، فلست متشائماً ولن أكون كذلك مطلقاً، لقد واجهنا أزمة، هي ليست الأزمة الأولى التي نواجهها وكانت ثمة أزمات أسوأ بكثير في الماضي».
علامات انفراج
وأشار غصوب وهو مؤسس «المجموعة القابضة» التي تعد واحدة من أنجح شركات الإعلانات والعلاقات العامة في عام 1997، إلى أن الأزمة المالية أتاحت بعض الفرص. وقال «تتاح لنا اليوم فرصة فريدة من نوعها لإعادة التركيز على أهدافنا. إذا ما بحثت عن أخبار سيئة فستجدها، لاسيما في عالمنا العربي الذي لا يحبذ الأخبار السيئة.
فنحن نفضل التفكير بالأمور التي يمكننا أن نؤديها بشكل أفضل». وأضاف «ويبدو أن العام 2010 سيمتاز بقدر أكبر من الاستقرار لهذا القطاع بشرط أن ندخل هذا العام وقد راجعنا التركيز على أهدافنا.إذ بدأ عالم الإعلانات والاتصالات يرى أولى علامات الانفراج».
وفي ما يخص قطاع السفر والطيران، قال عادل علي، الرئيس التنفيذي لشركة «العربية للطيران» :من المتوقع أن يواصل الناس السفر وسيستعيد قطاع الطيران عافيته»، وأوضح مستذكراً الأزمات الاقتصادية السابقة عبر التاريخ «فكلما مررنا بمرحلة من الركود تعود الأوضاع إلى سابق عهدها بسرعة لذا سيستعيد قطاع الطيران عافيته في عام 2010، لن يزدهر ولكننا سنراه يسير نحو الاتجاه الصحيح».
وأشار علي إلى أنه في الوقت الذي من المتوقع أن يتكبد فيه قطاع الطيران في العالم خسائر تبلغ 11 مليار دولار خلال العام الجاري وأن تتراجع حركة المسافرين بنسبة 12 بالمائة، الا أنه واثق بالمستقبل نظراً للزيادة التي طرأت على أعداد المسافرين خلال شهري سبتمبر/أيلول وأكتوبر/تشرين الأول والتي بلغت 11 بالمائة.
وأوضح علي أنه خلال أزمة 11 سبتمبر/أيلول من عام 2001، مرَ قطاع الطيران بمرحلة من التراجع، إلا إنه وبعد ستة أشهر عاد إلى تحقيق النمو الذي استمر حتى النصف الثاني من عام 2008. وقال حول الطبيعة الدورية للاقتصاد والقطاعات «إنها أشبه بالتاريخ حين يعيد نفسه».
دعم حكومي
وعلى صعيد تطورات موضوع ديون دبي العالمية، كشف رئيس دائرة المالية في دبي عبد الرحمن آل صالح عن تقديم حكومة دبي 9 مليار درهم (2.45 مليار دولار) كدعم لمجموعة دبي العالمية من خلال صندوق دبي للدعم المالي. وأضاف في تصريحات صحفية أن الحكومة تقدم الدعم الكبير للشركة، مع عدم ضمان قروضها، مفرقاً بين الدعم والضمان.
وتابع «نحن نؤكد أن ثمة فرق بين الضمان والدعم، فشركة نخيل غير مضمونة من الحكومة لكنها تتلقى الدعم الكبير منذ تأسيسها، فقد منحتها الحكومة أراضٍ واسعة، ومؤخراً قدم لها صندوق دبي للدعم المالي 9 مليار درهم كدعم».
وأكد آل صالح أن لدى شركة «نخيل» من الدخل المالي والأصول ما يكفي للوفاء بالتزاماتها بكل يسر، مشيراً إلى أنها – أي نخيل- قد تبيع جزءاً من أصولها للوفاء بالتزاماتها، حالها في ذلك حال أية شركة تريد الوفاء بما عليها من التزامات مالية.
وقال إن فترة الستة شهور التي تم الإعلان عنها لإعادة الهيكلة لن تكون كافية للانتهاء منها وبيان الشكل النهائي لمجموعة دبي العالمية، وإنما سيتم إعطاء الأولوية لكل من المقرضين والمتعاقدين خلال هذه الفترة. وشدد المسئول المالي في دبي على أن ما أصدرته «نخيل» هو صكوك وليس سندات، وأن ثمة فروق جوهرية بين كلا الإصدارين.
صكوك وليس سندات
وقال في حديثه لقناة «العربية» أن الصكوك تكون متوافقة مع أحكام الشريعة الإسلامية ولذلك فإنها تتميز بأنها «في جزء منها انتقال لملكية أصول إلى حاملي الصكوك ولذلك فإنها تتضمن حماية أكثر للمقرضين. وأضاف «هم يملكون أصولاً مقابل المبلغ الذي تم دفعه للمقترض».
لكن آل صالح أقر بأن القوانين في إمارة دبي ودولة الإمارات، لا تتيح للأجانب تملك الأراضي والعقارات بشكل مطلق، إلا أنه استدرك قائلاً «هناك مناطق حرة يجوز فيها التملك الكامل، فضلاً عن أن هذه المسألة تحكمها العقود المبرمة والمفاوضات بين إدارة مجموعة دبي العالمية والدائنين».
ورداً على سؤال «العربية» حول ما إذا كانت شركة «دبي القابضة» ستخضع لعملية إعادة هيكلة، قال آل صالح إن «هناك العديد من الشركات المملوكة لحكومة دبي، ولذلك تم تأسيس صندوق دبي للدعم المالي الذي تقوم إدارته حالياً بالتواصل مع بعض الشركات في الإمارة ومراجعة الخطط المستقبلية فيها، والبحث في كيفية تقديم الدعم المالي لها.
وأعاد آل صالح التأكيد على أن شركات دبي قوية ولديها أصول وعوائد من بعض المشاريع والأنشطة، مؤكداً أن ما حدث لصكوك شركة «نخيل» أنها كانت عبارة عن «ديون قصيرة المدى تم الحصول عليها لمشاريع طويلة الأجل» مما تسبب في طلب إعادة الجدولة.
وحول تخفيض التصنيف الائتماني للشركات المملوكة لحكومة دبي، قال آل صالح «إن وكالات التصنيف الائتماني لم تتواصل مع الحكومة ولم تسأل عن دعم أو خلافه»، مشيراً إلى أن «هذا قرار منفرد من جهتهم، وهم غير مطلعين على التفاصيل منا».
وقال إن «دبي ستعود إلى الاقتراض بعد أن يتم تحديد احتياجاتها المستقبلية، وعند الشعور بالوقت المناسب لذلك»، مؤكداً أن أسواق الاقتراض ستستقبل طلبات شركات دبي بدون أية مشاكل. كما أكد أن غالبية المقرضين على تواصل مع شركات دبي، وهم ملتزمون في علاقاتهم مع الإمارة، مقللاً من أهمية وتأثير تخفيض التصنيف الائتماني.
وحول ماذا إذا كان ثمة احتمالات لقيام حملة صكوك بالمطالبة بالاستحقاق في موعده وعرقلة إعادة جدولة الديون، قال آل صالح «إنه من الصعب التنبؤ الآن بذلك، لأن حملة الصكوك يتغيرون يومياً كونها تتداول في الأسواق، ولا نعلم إن كان هناك جهات معينة تملك حصة كبيرة أم لا، ونترك الأمر لسير المفاوضات والتواصل معهم من خلال إدارة شركة دبي العالمية».
