ترتبط قيادة المشاريع الريادية (Entrepreneurship) بالنمو الاقتصادي الاجتماعي؛ وقد أثبت العديد من صُنَّاع القرار الشرقيين جدارتهم في قمع ذلك.
وتؤكد وثائق تقارير التنمية الإنسانية العربية، التي بدأ نشرها في الأمم المتحدة عام 2002م، بشكل مقلق تأثيرات هؤلاء المسؤولين التي توهن قوى التنمية. ومؤخراً، نشرت مؤسسة ليجاتوم، وهي إحدى المراكز البحثية الفكرية المعنية بقياس أسس الثروة والرفاهية، نتائج تقرير الازدهار لعام 2009م بتصنيفات مخيبة للآمال.
ويشير التقرير بأن “للابتكار وقيادة المشاريع الريادية ارتباطاً جذرياً بالأساسيات الاقتصادية أكثر من أي عامل آخر في المجتمع”.
وبالرغم من ذلك، فإنه من بين 104 دول مصنفة في التقرير الذي تحكمه 9 معايير للازدهار، هناك دولة عربية واحدة فقط (الإمارات العربية المتحدة) صُنفت ضمن قائمة أفضل 50 دولة، ودولة واحدة فقط بأكثرية مسلمة، وهي ماليزيا، جاءت ضمن قائمة أفضل 40 دولة.
خمس من بين الدول العشر الأسوأ في القائمة هي ثقافياً دول إسلامية، أما الدول الخمس الأخرى فهي إفريقية.
علماً بأن هذا الأداء الضعيف لا علاقة له بالدين أو العرق إطلاقاً. وسواءً كانت واضحة أو مخفية، فإن معظم قضايا الأعمال الإقليمية تحكمها المحسوبية والاستبداد والأنانية والمحاباة.
أما الحكومات فغالباً ما تمارس الأسلوب ذاته إضافة إلى الأعباء التي تضيفها بالتأجيلات البيروقراطية والرسوم المتضخمة.
ومع أن هناك ادعاءً دائماً بدعم الشباب وتشجيع طموحهم من خلال منابر المؤتمرات والجوائز الإبداعية، إلا أنه لا يوجد في الواقع دعم مؤسساتي حقيقي لهذه الفئة.
الأمر ذاته ينطبق على فئة متوسطي الأعمار من المدراء الذين يحملون مؤهلات عالية ولكن لم يُعطَوا فرصاً حقيقية للنهضة والإبداع، غير أن المعرفة تنقصهم حول كيفية البدء بمشاريع إبداعية أو أنهم متخوفون من مخاطر هذا المجال.
في الولايات المتحدة الأمريكية، تكاد تكون هناك إدارة متخصصة للأعمال الصغيرة لكل حيٍّ في كل مدينة رئيسة؛ حيث تقدِّم خدماتها للأقليات إضافة للغالبية العظمى.
هذه الإدارات تقدم القروض والإرشاد التخطيطي (small business administration). ولكن أينما وُجدت مؤسسات من هذا النوع في المنطقة العربية، فتكون إما مكتفية أو بعيدة المنال عن المواطن العادي.
ومع ذلك، هناك بصيص من الأمل. فهناك مستثمرون “ملائكة” في المنطقة – وهم الذين يشترون أكبر الحصص في بدايات المشاريع حين تتخلى البنوك عن تقديم تسهيلاتها.
وبالرغم أنهم أقل عدداً من الانتهازيين، إلا أن أهل الإيثار من الشرق ما زالوا موجودين، إحساسهم بالمسؤولية الاجتماعية يقودهم إلى رغبة في تقديم معرفتهم والمساهمة بأوقاتهم.
شخص كهؤلاء يتمثل في فادي غندور، المؤسس والرئيس التنفيذي الأعلى لأرامكس (وهي شركة نقل دولي سريع)، والذي تحدث مؤخراً في إحدى المناسبات التي نظمتها كلية دبي للإدارة الحكومية. فقد أوضح رأيه حول ما يعزز النجاح في قيادة المشاريع الريادية، حيث ذكر سبع قضايا رئيسية يوصي بأخذها في عين الاعتبار أو يتمنى أنه سار عليها حين أنشأ إمبراطوريته وحوَّلها إلى شركة عربية قيمتها نصف مليار دولار (هناك ناسداك ثم سوق دبي المالي حسب القائمة):
ابحث عن مرشد أو كُن واحداً
ينبغي على قادة المشاريع الريادية (Entrepreneurs) أن يطلبوا – كما على القادة الناجحين أن يوفروا – المشورة ممن سبق لهم تخطي رحلة البدايات في النجاح، فهم في الغالب يمتلكون ثروة معرفية يمكن أن تعين وترشد وتشجع الطامحين ممن لديهم أفكار لأعمال جديدة أو خدمات مبتكرة. غندور يُعد مثالاً رائعاً بالنسبة لغيره لذلك عبر انتمائه لتجمع الرؤساء الشباب للشركات (YPO)، رواد التنمية والبنك الوطني لتمويل المشاريع الصغيرة في الأردن.
تواصل مع النظراء
ينبغي على قادة المشاريع الريادية ومناصريهم أن يُنشئوا بيئةً يمكنهم من خلالها تبادل المعرفة والاستفادة من دروس الفشل والنجاح لكل واحد منهم، فهؤلاء الذين لهم عقلية مشابهة وروح معنوية مماثلة يعتبرون في غاية الأهمية في الحفاظ على مثابرتك وثقتك بنفسك. قد تصادف هذه الشخصيات وتلتقي بها في مجالس الأعمال، النوادي الاجتماعية، النوادي الرياضية أو حتى في قاعات المطارات.
وبينما قد يظهر الأشخاص “العاديون” رائعين، فإن للنجاح احتمالية أكثر عبر التواصل مع أشخاص بدؤوا أو ينوون البدء في مشاريع ريادية ولهم طموح مثيل.
حافظ على التركيز والانضباط دائماً
ركِّز على أهداف مشروعك والزم الانضباط حتى المرحلة الأخيرة – فهذا أساسي لنجاحك. وقد تلهي قادة المشاريع الريادية بعض الأمور وتجعلهم يتنقلون عشوائياً من فكرة إلى أخرى.
يجب أن يكونوا صادقين تجاه أهدافهم وأن يتحلوا بالانضباط اللازم لإنهاء المهام التي في أيديهم قبل أن يشرعوا في خطوات جديدة.
فالعديد من المشاريع الناجحة نظرياً كان مصيرها الفشل ليس لأنها استندت على أساسيات خاطئة في الأعمال؛ ولكن لأن قائد المشاريع الريادية فَقَدَ التركيز على أهدافه أو استسلم سريعاً.
تعلَّم من الفشل
بالرغم أن الأخطاء والتحديات حتماً ستسبب التأخير، فإنه ينبغي على قادة المشاريع الريادية وأصحاب الإنجازات أن يستقبلوا هذه الأخطاء والتحديات بصدر رحب ويتعاملوا معها كفرص ثمينة للتعلم.
فالعدَّاء روجر بانيستر، على سبيل المثال، حاول مراراً وفشل كثيراً في كسر حاجز 4 دقائق للركض مسافة ميل، والتي اعتبر العديد في عالم الأولمبياد أن احتمالية ذلك مستحيلة.
ولكنه أحدث ثورة في عالم الاحتمالات حين كسر هذا الحاجز عام 1954م؛ وتلاه بعدها الكثير من العدَّائين. عالم الأعمال لا يختلف أبداً عن الرياضة، فبدايات المشاريع يمكن أن تحقق أقصى إمكانياتها بغض النظر عن العقبات والمزالق التي تواجهها، طالما أنها تثابر بكل إصرار مهما تعثرت. وباختصار، لا تستسلم.
كوِّن الفريق واحترمه
“من يدّعي أنه نجح لوحده هو شخص كاذب” من مقولات غندور.
هذه حقيقة بسيطة؛ ولكن معظم نفسيات عمالقة السوق في مجال ما ترفضها. أما في ظل الظروف التنافسية اليوم، فإنه على قادة المشاريع الريادية الساعين للنجاح أن يثمِّنوا ويقدِّروا الدور الجوهري لكل شخص، بدءًا من المدير وحتى السكرتير، ليحصل كلٌّ على فرصته في النمو.
شجِّع ثقافة التقدير
اختبر ذاكرتك. كم شخص مشهور يخطر ببالك حين تسمع مصطلح “قائد مشاريع ريادية”؟ قد يتبادر لذهنك فوراً أسماء مثل جيف بيزوس وبيل جيتس؛ بينما أن هناك عدداً قليلاً جداً من الأسماء في منطقتنا العربية التي يمكن أن تخطر على البال. وإنه لمن الشائع أن تُذكَر أسماء العوائل التجارية ومدراء الشركات – وهم في الغالب المذكورون في العناوين الرئيسة أو الذين يتسلمون جوائز معينة.
ولكن حتى نعزز ثقافة الإبداع، فإنه من المهم على الجميع – وسائل الإعلام والقادة السياسيين ومجموعات الشبكات الاجتماعية وأنا وأنت – أن نكافئ هؤلاء القدوة في الملأ. فحين نشجع الأفراد الذين يمثلون العمل الدؤوب والإبداع والإنجاز، فإننا بذلك نحث طموح الشباب ليلحقوا ويلائموا ويحققوا القواعد الأساسية للنمو الاقتصادي في مناطقنا.
المال
من السهل أن نصدق أن نقص الإيرادات قد يؤخر أحداً منا؛ ولكن لا تنخدع بقبول ذلك كذريعة. فهناك أفراد ومجموعات، مثل شبكة دعم الأعمال العربية في دبي (أبان) أو مؤسسة محمد بن راشد لتنمية المشاريع الصغيرة والمتوسطة (إس إم إي) التي تدعم المشاريع الصغيرة وتمولها.
لذا ينبغي على قادة المشاريع الريادية ترتيب أولوياتهم ببلورة أفكارهم وتطوير خطط عمل محكمة، ثم بعد ذلك استخدام علاقاتهم لمساعدتهم في التمويل المالي.
ومهما بلغت التحديات المتزايدة التي قد تشكلها منطقتنا على المشاريع الواعدة، فهناك دوماً أمل، سواء كنت طاعناً في العمر أو بلغت سن الرشد للتو.
ففي عام 2006م، اشترى موقع eMap البريطاني موقع AMEInfo.com؛ مع أن العملية لم تُثِر ضجة كبيرة.
أما موقع “مكتوب” فيلخص إمكانيات المنطقة. فهو موقع للـ”دوت كوم” كافح لأكثر من قرن من الزمن، ولكن في النهاية كسر القاعدة وجذب انتباه شركة ضخمة ذائعة الصيت لتمتلكه وهي شركة ياهو! العالمية.
هذه الصفقة تمثل نقطة تحول، فقد أصبحت منارة أمل لكل المحبطين؛ حيث من المأمول أن تتبعها قصص نجاح عديدة وشهيرة في المستقبل القريب.
ويبدو أن الأزمة الاقتصادية ستستمر بشكل ملحوظ عام 2010م؛ وكنتيجة لذلك فإن البحث عن مصادر بديلة فضلاً عن تسريح العمال سيشجع العديد من الناس على خوض مغامرات تجارية جديدة. إذا رأيت أحد هؤلاء الأفراد أو كنت تعرفه، فاحرص على مساعدته ومساندته وتقديم الدعم المعنوي له. فقد يترشح مشروعه ليكون مصنفاً في القائمة السنوية القادمة من مجلة فورتشن (Fortune) لأفضل 500 شركة عالمية.
أحمد أبو الجبين- رئيس العمليات التنفيذي في شركة تايجر للوساطة العقارية في الإمارات العربية. عمل سابقاً كرئيس تنفيذي للتسويق في شركة “تعمير” القابضة، وقبل ذلك عمل مديراً عاماً لفرع شركة “ليوبورنيت” للدعاية والإعلان في الرياض.
