Posted inسياسة واقتصاد

لا تعليق

جاءت التقنية الحديثة لتحدث فتحا في الاتصال بين الأمم فاستفادت منها، وكنا نحن الاستثناء الوحيد بينها، حيث سخرناها لفتح معارك جديدة بيننا.

لا تعليق

 (اعطني حظاً وارمني في البحر.. أولاً.. إعمار اللاعبين الإماراتيين أكبر من سنهم الحقيقي ويوجد تزوير فاضح.. ثانيا، أضاع لاعبو منتخب فنزويلا فرصا محققة أمام الحارس الإماراتي.. وهذا يثير شكوكا “كبيرة”.. هل هناك تواطؤ من بعض اللاعبين الفنزويليين ومقابل ماذا… على العموم بالتوفيق للمنتخبات العالمية.. والأهم يوم السبت المقبل قلوبنا وعواطفنا مع الأشقاء “النيوزلنديين” في تحقيق فوز ساحق على منتخب المجنسين البحراني).

هذا التعليق منقول بالنص عن أحد المواقع الإلكترونية العربية الشهيرة يوم الأربعاء الماضي، إثر فوز منتخب الإمارات على منتخب فنزويلا في دور الستة عشر من بطولة كأس العالم للشباب المقامة حاليا بجمهورية مصر العربية، وقبل مباراتهم مع كوستاريكا، ومباراة البحرين مع نيوزيلندا ضمن تصفيات التأهل لكأس العالم اللتين جرتا يوم السبت الماضي.

كان عنوان التعليق (فوز مشكوك فيه)، وقد حرصت على نقله بالنص دون تدخل إطلاقا، ولم أحذف منه شيئا، رغم ما يحمله من مضامين مسيئة وجارحة، ليس للاعبي المنتخب الإماراتي والبحريني فقط، ولا لجماهير كرة القدم ذات الشعبية الطاغية، وإنما للعرب جميعا من مختلف الفئات؛ المنشغل منها بكرة القدم، والمنشغل منها بلقمة عيشه وشؤون الحياة الأخرى التي تجعل من كل الألعاب ترفا لا قبل له به، ولا وقت لديه يسمح بالتمتع بنشوة الفوز فيه أو مكابدة الألم عند خسارة مباراة من مبارياته.

أعتذر أولا للاعبي منتخبي الإمارات والبحرين الذين تعرضوا لإساءة كبيرة من خلال هذا التعليق، كما أعتذر لجمهور المنتخبين وجماهير الكرة العربية الذين يسيء لهم البعض عبر تعليقات على هذه الشاكلة، نقرؤها يوميا في مختلف المواقع العربية على شتى المواضيع السياسية والاجتماعية والدينية وغيرها.

الشاهد في هذا التعليق هو حالة التردي التي وصل إليها بعض أفراد أمتنا، وهي فئة ليست بالقليلة إذا ما تصفحنا المواقع الإلكترونية العربية التي أصبحت تتكاثر بالانقسام مثل الأميبا والبكتيريا، أو شاهدنا الفضائيات العربية التي غدت خير شاهد على تشظي الطيف السياسي والأيديولوجي والطائفي للأمة العربية على نحو لم يسبق له مثيل في التاريخ، الأمر الذي يوسع من الهوة القائمة بين ألوان هذا الطيف.

ويجعل منها ألوانا متنافرة تزيد من بشاعة الصورة التي نريد أن نقدمها للعالم عن أمتنا التي تتنازعها الخلافات ويمزقها الشقاق، بأيدي أبنائها لا بأيدي أعدائها.

ربما يقول البعض أن الاختلاف في عالم الرياضة وارد، بل لعله ملح هذا المجال الذي يعطيه مذاقه الخاص، باعتبار التنافس هو القاعدة التي تقوم عليها جميع الألعاب بمختلف أشكالها وأنواعها، ونقول لهذا البعض أن الاختلاف مشروع حين يكون منضبطا لا يصل إلى حد التشكيك في فوز الأخ والشقيق أو الشماتة فيه وتمني خسارته على يد الغريب، لا لشيء سوى أن هذا الأخ والشقيق قد تغلب عليه في مباراة أو بطولة وأدت خسارته هذه إلى خروجه منها.

هنا لا يكون التنافس هو الذي يحكم العلاقة بيننا، وإنما هو التنابذ والتنابز اللذان يزرعان في نفوسنا الحقد، ويشيعان بيننا الكراهية والبغضاء التي تقضي على المحبة وروح الأخوة التي تجمعنا كأمة واحدة.

لو أن الأمر اقتصر على مجال الرياضة لكان أخف وطأة علينا، كون الرياضة تستقطب عددا كبيرا من الجمهور غالبيته من أولئك الذين يدفعهم الحماس إلى تغليب العاطفة على العقل، خاصة عند لحظات الخسارة التي تجعلهم يفقدون أعصابهم فلا يستطيعون التحكم فيما يرد على ألسنتهم من ألفاظ وعبارات جارحة ومسيئة لأنفسهم قبل منافسيهم، وإن كان هذا لا يعطيهم العذر في الانزلاق إلى مثل هذه التعليقات التي تكشف عن ضمائرهم غير السوية.

لكن الأمر يتجاوز مجال الرياضة إلى مجالات أخرى أشد خطورة على نسيج الأمة، حين ينزلق البعض إلى منحدر الطائفية البغيضة، فيقسم الأمة إلى طوائف متباغضة تتسقط الأخطاء لبعضها، وتعود بالتاريخ إلى الوراء لتغوص في مستنقع الخلافات التي عفا عليها الزمن، وتدعو إلى الثارات وإثارة غبار المعارك التي ليس هذا أوانها ولا هذه ساحتها.

لقد جاءت التقنية الحديثة لتحدث فتحا في عالم الاتصال بين الأمم فاستفادت منها جميع الشعوب، وكنا نحن الاستثناء الوحيد بينها، حيث سخرناها لفتح معارك جديدة بيننا وتصفية حسابات قديمة لا يد لنا فيها، فنحن لم نسمع مثلا أن الفرنسيين قد استغلوا منتدياتهم الإلكترونية لتوجيه السباب والشتائم للألمان، رغم ما بينهم من ثارات وحروب بعضها ليس بعيدا.

ولم يصل إلى علمنا أن الألمان (مستضيفي الدورة الأخيرة لكأس العالم 2006) تمنوا في منتدياتهم الرياضية العثرة للطليان لأنهم أخرجوهم من الدور نصف النهائي للبطولة، أو دعوا لهم بالخسارة أمام فرنسا في نهائي البطولة، كما لم نقرأ أنهم اتهموا بعض اللاعبين الفرنسيين بالتواطؤ مع الطليان بعد خسارتهم للبطولة بالضربات الترجيحية في المباراة الشهيرة التي شهدت خروج نجم فرنسا زين الدين زيدان مطرودا في الوقت الإضافي من المباراة، بعد حادثة نطحه الشهيرة للمدافع الإيطالي ماتيرازي أمام صدمة الجميع وذهولهم في استاد برلين.

وحدنا الذين لم نستغل سوى الجانب السيئ من التقنية، ووحدنا الذين نهدر أوقاتنا في كيل السباب لبعضنا عبر المواقع الإلكترونية التي تشعل نار الفتنة بيننا وتدفعنا لصب الزيت عليها كي تزداد اشتعالا، ووحدنا الذين نفتح فضائياتنا للزاعقين من كل اتجاه، كي يعيثوا فيها صخبا وصراخا حتى تنتفخ أوداجهم ويتطاير الرذاذ من أفواههم ليلطخ كل ما هو جميل ومبشر بالأمل في مستقبل لن تشرق شمسه علينا ما لم ننزع ما في صدورنا من غل لإخواننا.

وما لم نمسح هذه الصفحات السوداء من مواقعنا الإلكترونية وفضائياتنا، وقبل هذه وتلك من قلوبنا التي يجب علينا أن نعوِّدها على تقبل الخسارة قبل المكسب، ومن عقولنا التي يجب علينا أن نعوِّدها على تقبل الرأي الآخر قبل اتخاذ أي موقف، وعندها فقط نستطيع الدخول بأمان إلى هذه المواقع والاستماع باطمئنان لما يقال في تلك الفضائيات.

-كاتب إماراتي.

عن صحيفة البيان الإماراتية.