لاحظنا أنك تحجب الإعلانات

واصل دعمك للصحافة اللائقة بتعطيل أدوات حجب الإعلانات

في حال وجود استفسار عن سبب ظهور هذه الرسالة ، اتصل بنا

حجم الخط

- Aa +

Sun 13 Nov 2016 06:09 AM

حجم الخط

- Aa +

مصر تتجرع الكأس المر

بعد طول انتظار وتردد، وفي خطوة وصفت بأنها بمثابة «تجرع الكأس المر» قرر البنك المركزي المصري يوم الخميس بتاريخ 3 نوفمبر/ تشرين الثاني الجاري، تحرير سعر صرف الجنيه المصري، وترك سعره يتحدد بناءً على عوامل العرض والطلب. وفي اليوم ذاته قررت الحكومة المصرية، رفع أسعار المواد البترولية بنسب متفاوتة تصل إلى 46.8 %.

مصر تتجرع الكأس المر

بعد طول انتظار وتردد، وفي خطوة وصفت بأنها بمثابة «تجرع الكأس المر» قرر البنك المركزي المصري يوم الخميس بتاريخ 3 نوفمبر/ تشرين الثاني الجاري، تحرير سعر صرف الجنيه المصري، وترك سعره يتحدد بناءً على عوامل العرض والطلب. وفي اليوم ذاته قررت الحكومة المصرية، رفع أسعار المواد البترولية بنسب متفاوتة تصل إلى 46.8 %.

 

جاءت خطوة البنك المركزي المصري بتعويم الجنيه، بعد فترة انتظار بلغت نحو عام كامل، أي منذ تولي محافظ البنك المركزي الحالي طارق عامر منصبه في نوفمبر من العام الماضي. كما جاءت الخطوة بعد عدة إجراءات اتخذتها الحكومة بالتعاون مع الغرف التجارية المصرية للقضاء على السوق السوداء التي سجلت أعلى مستويات للعملة الأميركية التي تجاوزت قبل أيام 18 جنيهاً للدولار الواحد .
واستهدفت خطوة البنك المركزي، تحرير سعر صرف الجنيه المصري مقابل العملات الأجنبية بغية منح البنوك المرونة وإنهاء تداول العملات خارج القنوات الشرعية. وقال البنك المركزي في بيان له إن «الإجراء جاء اتساقا مع المنظومة الإصلاحية المتكاملة، التي تتضمن برنامج الإصلاحات الهيكلية للمالية العامة للحكومة، الذي يتم الآن تنفيذه بحزم».
وأضاف البيان أن «حزمة الإصلاحات النقدية والمالية المتكاملة ستمكن الاقتصاد المصري من مواجهة التحديات القائمة، وإطلاق قدراته وتحقيق معدلات النمو والتشغيل المنشودة، بما يتناسب مع إمكانيات وموارد مصر البشرية والطبيعية والمادية».
وأكد البنك المركزي المصري عدم فرض شروط للتنازل عن العملات الأجنبية، كما أكد ضمان أموال المودعين بكافة العملات، وعدم فرض قيود على إيداع وسحب العملات الأجنبية للأفراد والشركات، باستثناء القيود التي فرضت سابقا على الشركات العاملة في مجال استيراد السلع والمنتجات غير الأساسية.
وقد أعلن «المركزي» عن ضمان أموال المودعین بالجهاز المصرفي بكافة العملات، كما أعلن عن إلغاء شروط التنازل عن العملات الأجنبیة، وإلغاء القیود على إیداع وسحب العملات الأجنبیة للأفراد والشركات، مع استمرار حدود الإیداع والسحب السابقة للشركات التي تعمل في مجال استيراد السلع والمنتجات غیر الأساسیة فقط، بواقع 50 ألف دولار شهرياً بالنسبة للإیداع، و30 ألف دولار یومیاً بالنسبة للسحب. ويجمع محللون على أن المصريين سيضطرون إلى تحمل عامين صعبين، بسبب هذين القرارين. كما يجمعون على أنه لا بديل لهذه الاجراءات التي قال الرئيس عبد الفتاح السيسي أكثر من مرة أنها «صعبة لكن حتمية».
فقد قال الأستاذ في الجامعة الاميركية في القاهرة عمرو عادلي أن «أمام المصريين سنتان صعبتان» حتى تؤتى الاجراءات الاقتصادية ثمارها وتصبح السيطرة على التضخم وارتفاع الاسعار أمرا ممكنا».
وعقب القرار، طرح البنك المركزي عطاء استثنائيا باع من خلاله مبلغ 100 مليون دولار للبنوك المصرية. كما أعلن البنك المركزي عن فتح البنوك أبوابها للتعامل مع الجمهور حتى الساعة التاسعة مساء بالتوقيت المحلي وخلال أيام العطلة الأسبوعية لتنفيذ عمليات شراء وبيع العملة.
وأطلق البنك المركزي المصري الحرية للبنوك العاملة في مصر في تسعير النقد الأجنبي، ورفع فائدة الإيداع والإقراض 300 نقطة أساس. وسمح البنك المركزي المصري للبنوك بفتح فروعها حتى التاسعة مساء وأيام العطلة الأسبوعية، لتنفيذ عمليات شراء وبيع العملة وصرف حوالات العاملين في الخارج.

دوافع القرار وتبعاته
لدى حديثه عن دوافع قرار البنك المركزي المصري، قال الدكتور رشاد عبدو، رئيس المنتدى المصري للدراسات الاقتصادية والاستراتيجية، أن «مصر بوضعها الاقتصادي الحالي، لا تملك الكثير من الخيارات، وأن تحرير سعر صرف الجنيه هو أحد شروط صندوق النقد الدولي التي لا مفر منها للحصول على قرض الـ 12 مليار دولار». وأضاف عبدو:  «هناك طريقان لتحرير سعر الصرف... أحدهما التعويم والثاني الخفض التدريجي. وهاهي الحكومة قد اختارت التعويم».
وأردف قائلاً : أن «نجاح التجربة مرهون بقدرة البنوك على توفير العملة الأجنبية باستمرار، وإلا سيلجأ الأفراد والشركات إلى السوق السوداء مرة أخرى». ولا يرى عبدو غضاضة في تخفيض قيمة العملة مدللا بأن العديد من الدول تلجأ إلى تخفيض قيمة عملتها لأسباب مختلفة.
وبالنسبة لتأثير التعويم على أسعار السلع، قال رئيس المنتدى المصري للدراسات الاقتصادية والاستراتيجية «هناك نوعان من المستوردين: القطاع الخاص والقطاع العام. فبالنسبة للسلع التي يستوردها القطاع الخاص، نظريا، يجب أن تنخفض أسعارها لأن هذا القطاع يمكنه الآن الحصول على العملة الأجنبية من خلال البنوك، بأسعار تقل عن أسعارها التي كانت متداولة في السوق السوداء. أما بالنسبة للسلع التي يستوردها القطاع العام، فمن المتوقع أن ترتفع أسعارها لأن القطاع العام كان يحصل على الدولار من البنوك الرسمية بسعر لا يمثل قيمته السوقية الحقيقية».
كما أشار عبدو،  إلى أن الحكومة المصرية اتخذت مجموعة من الإجراءات، كبرنامج تكامل وكرامة، وبرنامج معاش الضمان الاجتماعي، إضافة إلى توفير 200 مليار جنيه كقروض للمشاريع الصغيرة وتوفير مليون وحدة سكنية للشباب، كإجراءات احترازية لتقليل تأثيرات القرارات الاقتصادية الصعبة».

نفي وجود إملاءات
وفي حديث آخر مع بي بي سي العربية، يقول الدكتور عمرو صالح، أستاذ الاقتصاد السياسي ومستشار البنك الدولي سابقا، إن « تعويم الجنيه جاء من خلال قفزة قدرت بحولي 40 في المئة من السعر الرسمي. و»هذه القفزة الكبيرة في سعر الصرف تضيف صدمة أخرى إلى سلسلة الصدمات التي واجهتها الأسواق المصرية. فقد سجلت ارتفاعات متوالية في أسعار السلع في فترة وجيزة، منها سعر حديد البناء الذي قد يؤدي الى زيادة أسعار عدد من السلع، بينها السيارات التي قد يرتفع سعرها بنسبة لا تقل عن 30 إلى 40 في المئة».
وفي الوقت الذي نفى فيه صالح أن تكون مصر قد اتخذت هذا القرار بناء على إملاءات صندوق النقد الدولي، فإنه قال «هذا القرار جاء بناء على إرادة مصرية، وإن صندوق النقد يقدم نصائح اقتصادية يمكن لمصر الأخذ بها أو تجاهلها». ويدلل صالح على صحة رأيه بالقول إن «مصر وقعت مع صندوق النقد ذاته، عام 1991، اتفاقا للإصلاح الهيكلي، إلا أن القاهرة رفضت تنفيذ خطة الاصلاح طبقا لرؤية الصندوق، وظلت تهيئ الرأي العام لفترة عامين وترتب أوضاع الاقتصاد وطبقت خطة مصرية ونجحت فيها بدرجة أبهرت الصندوق» على حد وصف أستاذ الاقتصاد المصري.
وتأمل السلطات أن يساعد تحرير سعر صرف الجنيه المصري على تعزيز الاقتصاد، لكن هناك مخاوف عدة من أن يؤدي القرار إلى تفاقم الأوضاع المعيشية اليومية للمصريين، وأن يسبب ارتفاعا حادا في تكاليف السلع المستوردة، في وقت تعاني فيه مصر من صعوبات جمة في جذب الاستثمارات الأجنبية، ومن تراجع كبير في أعداد السياح، فضلا عن انخفاض ملحوظ في تحويلات المصريين العاملين بالخارج.

رفع أسعار الوقود
يذكر أن الحكومة المصرية قد قررت في ذات اليوم رفع أسعار الوقود والمحروقات، وذلك بعد ساعات قليلة من قرار البنك المركزي بتحرير كامل للجنيه أمام العملات الأجنبية.
وذكرت مصادر بوزارة البترول لوسائل إعلام مصرية أن الهيئة العامة للبترول سلمت خطابا لمحطات الوقود التابعة لها بالأسعار الجديدة للبنزين والسولار والزيت، والتي سيتم العمل بها اعتبار من الساعة 12 من منتصف ليل الجمعة، حيث تشمل الأسعار الجديدة بنزين 80 بـ235 قرشا وبنزين 92 بسعر 350 قرشا والسولار بــ 235 قرشا، وبزيادات تتراوح ما بين 30 إلى 40 % .  وأصبح سعر غاز السيارات 160 قرشاً للمتر المكعب، كما تقرر رفع سعر أنبوبة البوتاجاز إلى 15 جنيهاً.
وقد كانت الحكومة المصرية شفافة في الكشف عن الأسباب التي دفعتها إلى تحرير سعر صرف الجنيه، وزيادة أسعار المحروقات حيث قالت أن الدين العام وصل لـ 100 % كما وصل الإقتراض لـ 313 مليار جنيه وعجز الموازنة لـ 14 %..

«رفاهية التأجيل لا نملكها»
وفي مؤتمر صحافي عقده رئيس الوزراء شريف إسماعيل ووزراء المجموعة الاقتصادية وهم وزراء المالية والبترول والتموين أكدت الحكومة أن الدين العام وصل إلى 100 % وأن قرارات تحرير سعر الصرف ورفع أسعار الطاقة كانت ضرورية ولا يمكن تأجيلها خاصة أن الفترة الحالية لا تحتمل.
وقالت الحكومة إنها لا تملك رفاهية تأجيل قرارات الإصلاح الاقتصادي، مشيرة إلى أن المشروعات القومية وفّرت من 2 إلى 3 ملايين فرصة عمل، وتمت تنقية بطاقات التموين للتأكد من صول الدعم لمستحقيه.
وقال رئيس الوزراء إن الموازنة العامة بها 200 مليار جنيه فقط للإنفاق على احتياجات المواطنين وهذا لا يكفي، مضيفا أن مصر تقترض 313 مليار جنيه هذا العام، وخطة الإصلاح الاقتصادي تتم وفق 4 محاور، تتضمن خفض عجز الموازنة لنحو 10 %، وإصلاح مناخ الاستثمار وتوفير خدمات أكثر.
وأكد أن كافة القرارات التي تم اتخاذها في قطاع الاستثمار كانت غير مسبوقة، حيث إن تحسين مناخ الاستثمار يعني توفير فرص عمل وزيادة الخدمات وتحقيق الانتعاشة الاقتصادية.
من جانبه قال عمرو الجارحي وزير المالية إن عجز الموازنة العامة بالديون أدى إلى إضعاف الحكومة في تنفيذ برنامج الحماية الاجتماعية للمواطنين، مضيفا أن مصر تعاني من ارتفاع عجز الموازنة في 6 سنوات وصلت إلى 15 و14 و13%، ولو تأخرت الحكومة كثيرا في إجراءات الإصلاح، فإن الوضع سيكون صعبا ومكلفا للغاية.
وأوضح أن زيادة أسعار المواد البترولية يخفف فاتورة تكلفة استيراد المنتجات البترولية مشيرا إلى أن أسعار أصحاب الدخول المرتفعة هم من يستفيدون من دعم الوقود وليس الفقراء.

 

المسكنات قد تزيد تفاقم الأوضاع
وقال إن الأجور زادت إلى 230 مليار، كما زاد الدعم إلى 210 مليار جنيه، وزادت المعاشات بنسبة 4 أضعاف، والحماية الاجتماعية من 33 مليار جنيه إلى 124 مليار جنيه، مؤكدا أن قرارات تحرير الجنيه والقرارات الأخرى التي اتخذتها الحكومة هدفها وضع الاقتصاد المصري على الطريق الصحيح وعدم الانتظار واللجوء لمسكنات قد تزيد من تفاقم الوضع وتجعله خارج السيطرة مستقبلا.
وقال رئيس الوزراء المصري، إن رفع الدعم كان مخططاً له أن يستغرق 5 سنوات «لكن لا نملك هذا الترف».
وأوضح إسماعيل أن الإنفاق على الدعم بلغ 210 مليارات جنيه مصري، الأمر الذي لا يبقي سوى 200 مليار للإنفاق على المواطنين.
وصرح وزير المالية المصري بأن فاتورة دعم السلع زادت إلى 49 مليار جنيه من 44 ملياراً، وذلك بعد قرار زيادة الدعم من 18 إلى 21 جنيها للفرد. وتعليقاً على قرار المركزي المصري بتعويم الجنيه، أشار رئيس الوزراء إلى أن وجود سعري صرف يؤثر على الاستثمار الأجنبي. وقال أيضاً إنه من الضروري «عدم الاعتماد على المساعدات».

ضريبة تصاعدية
وحول مواضيع اقتصادية أخرى، قال رئيس الوزراء المصري إن مصر تدرس مشروع قانون للضريبة التصاعدية. وأضاف: «في الوقت الحالي ندرس مشروع قانون للضريبة التصاعدية، وبإذن الله نأخذ فيه قراراً».
وكان عدد من أعضاء مجلس النواب المصري قد تقدموا بمشروع قانون لتعديل ضريبة الدخل، بحيث يعفى من لا يزيد دخله عن 14 ألفا و400 جنيه سنوياً، ويدفع من يصل دخله إلى 30 ألف جنيه سنويا ضريبة 10 بالمئة، ومن يصل دخله إلى 45 ألف جنيه سنويا 15 % و 20 % لمن يصل إلى 200 ألف جنيه، و22.5 % لمن يصل إلى 500 ألف جنيه و30 % لمن يزيد عن 500 ألف جنيه سسنويا.

من هم ا الخاسرون من التعويم ؟
وفقاً لرصد قام به موقع «العربية.نت» فإن نحو 30.2 مليون مصري سيكونون هم الخاسرين من عملية تعويم الجنيه وتحرير سعر الصرف. فقد قالت أنه وفقاً للإحصائيات والأرقام الرسمية، فإن عدد سكان مصر وصل إلى نحو 92 مليون نسمة، وتشير الأرقام الصادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء بمصر إلى ارتفاع نسبة الفقراء إلى 27.8 % خلال عام 2015 مقابل نحو 25.2 % عام 2010 – 2011، وذلك وفقا لبحث الدخل والإنفاق، ما يعني أن 30.2 مليون نسمة في مصر سوف يواجهون أزمات حادة بسبب عملية تحرير سعر الصرف وتعويم الجنيه المصري مقابل الدولار.
وتشير تقديرات غير رسمية إلى أن عملية تعويم الجنيه سوف تقود التضخم في مصر إلى بلوغ معدلات قياسية، حيث من المتوقع أن يرتفع بنسبة 6 % خلال أيام، ليصل إلى 24 % أو ربما أكثر بنهاية العام الجاري.
وتوقع اقتصاديون أن تتضرر الطبقة المتوسطة بشدة جراء الإجراءات الجديدة، ورجح البعض أن تهبط مزيد من الأسر تحت خط الفقر.
ووفقاً لتقرير صدر نهاية العام الماضي عن وزارة التخطيط وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي فإن 3.6 مليون مصري غير قادرين على توفير احتياجاتهم الغذائية الأساسية حتى لو خصص كل منهم كامل إنفاقه للغذاء فقط.