لاحظنا أنك تحجب الإعلانات

واصل دعمك للصحافة اللائقة بتعطيل أدوات حجب الإعلانات

في حال وجود استفسار عن سبب ظهور هذه الرسالة ، اتصل بنا

حجم الخط

- Aa +

Sun 1 May 2016 01:14 PM

حجم الخط

- Aa +

السعودية الجديدة: مرحلة اقتصادية فاصلة

تتسارع وبشكل ملفت للانتباه التطورات الاقتصادية في المملكة العربية السعودية والتي تعتمد إصلاحا اقتصادياً تدريجياً، وهي تطورات أجمع خبراء اقتصاديون على اعتبارها بمثابة تحول اقتصادي شامل سيؤدي في غضون سنوات قليلة إلى ما يمكن تسميته «السعودية الجديدة».

السعودية الجديدة: مرحلة اقتصادية فاصلة

تتسارع وبشكل ملفت للانتباه التطورات الاقتصادية في المملكة العربية السعودية والتي تعتمد إصلاحا اقتصادياً تدريجياً، وهي تطورات أجمع خبراء اقتصاديون على اعتبارها بمثابة تحول اقتصادي شامل سيؤدي في غضون سنوات قليلة إلى ما يمكن تسميته «السعودية الجديدة».

 

يبدو واضحاً وجلياً أن المملكة العربية السعودية، قد بدأت تغييراً شاملاً على الصعيد الاقتصادي. فقد كشفت القرارات الاقتصادية الجديدة التي أعلن عنها على مدى الأشهر الماضية، عن  المستقبل الاقتصادي للمملكة، الذي سينقلها إلى مرحلة تاريخية جديدة، نحو اقتصاد أكثر فاعلية، بعيدا عن الاعتماد على النفط، ونحو التنويع الاقتصادي الشامل.
أما مؤشرات هذه المرحلة الفاصلة في تاريخ المملكة، وبخاصة النية الواضحة في زيادة الضرائب، وخفض الإنفاق وتوسيع دور القطاع الخاص، فهي كثيرة تؤكد كلها أن عجلات الاقتصاد السعودي بدأت إنطلاقة جديدة من شأنها أن تزيد من مصداقية المملكة وقدرتها على الوفاء بالتزاماتها، تجاه العالم وتجاه شعبها.
وليس جديدا القول أن المملكة تتجه للتتربع على عرش واحد من أكبر الصناديق السيادية الاستثمارية في العالم، وهو ما كشف عنه ولي ولي العهد الأمير محمد بن سلمان رئيس المجلس الاقتصادي والتنمية في المملكة، بحجم سيصل إلى تريليوني دولار. ويرى محللون أن هذا الصندوق سيدر دخلاً مالياً على المملكة ينافس إيرادات النفط التي لن تصبح بعد الآن، المصدر الأول للإيرادات الحكومية.

وللإيضاح، فإن النرويج تمتلك حالياً أكبر صندوق للاستثمارات السيادية في العالم بقيمة إجمالية للأصول تبلغ 824.9 مليار دولار أميركي، فيما تمتلك مؤسسة النقد العربي السعودي رابع أكبر صندوق للاستثمارات السيادية في العالم، وتبلغ قيمته الإجمالية 632.3 مليار دولار أميركي، وهو ما يعني أن الصندوق الذي تعمل المملكة على تأسيسه حالياً يمثل ضعف حجم الصندوق الأكبر في العالم، ويمثل كذلك نحو 3 أضعاف صندوقها الحالي، فضلاً عن أنه يزيد عن إجمالي الاستثمارات السيادية الخليجية الموجودة في العالم حالياً.
فخلال الأسبوع الماضي، وافق مجلس الوزراء السعودي على رؤية المملكة العربية السعودية للعام .
وكان الأمير محمد بن سلمان ولي ولي العهد السعودي قد أعلن عن تلك الرؤية مستهلاً حديثه عن شركة أرامكو التي يراها جزءا من رؤية السعودية 2030، قائلا إن أول فائدة لطرح جزء من أسهم أرامكو الذي سيكون الأكبر من نوعه في العالم، سيكون الشفافية لأن الناس تضايقوا من غياب بياناتها، وأن طرح جزء من أرامكو سيجعلها شفافة وتحت رقابة البنوك ورقابة الجميع.

حالة إدمان نفطية
وحول خطته في الاعتماد على مصادر دخل غير نفطية، قال الأمير محمد إنه أصبحت لدينا حالة إدمان نفطية في السعودية، عطلت تنمية القطاعات كثيراً، مشيرا أن المملكة اٌسست وأدارها الملك عبد العزيز ورجاله من دون نفط.
وبين ولي ولي العهد أن صندوق الاستثمارات لن يدير أرامكو وسيكون هناك مجلس إدارة. كاشفا أن هذا الصندوق سيسيطر على 10% من القدرة الاستثمارية في العالم، وأنه سيتم تحويل أراض للدولة إلى صندوق الاستثمارات لتطويرها وحل مشاكل في المدن السعودية.
وقال الأمير إن السعودية تملك 3 نقاط قوية لا ينافسها عليها أحد، «فعمقنا العربي والإسلامي وقوتنا الاستثمارية وموقعنا الجغرافي نقاط قوة لنا، جسر الملك سلمان سيكون أهم معبر بري في العالم، والذي سوف يوفر فرصاً ضخمة للاستثمار والبناء، استثمار الموقع الجغرافي سيجعل البضائع تمر من خلال السعودية بمئات المليارات».
واعتبر أن عام 2015 كان سنة الإصلاح السريع، أما عام 2016 فسيكون عام الإصلاح السريع الممنهج والمخطط له، مضيفا أن الملك سلمان، استطاع هز رأس الهرم في السلطة التنفيذية.

أمراء وأثرياء
وقال الأمير محمد إنه ستتم إعادة هيكلة قطاعات في وزارة المالية من بينها إعداد الميزانية كل عامين، مشيرا إلى أن جميع مشاريع البنية التحتية مستمرة وقائمة، ولن يتوقف منها شيء، وقال أن «طموحنا سيبتلع مشاكل الإسكان والبطالة وغيرها». وأكد أن إعادة هيكلة قطاع الإسكان سيساهم في رفع نسب تملك السعوديين، كاشفا أن وزارة المياه فشلت في إعادة هيكلة الدعم في المياه لأنه لا يجوز أن يذهب دعم الطاقة والمياه إلى الأثرياء. وأشار إلى أن الدعم سيكون لأصحاب الدخل المتوسط وما دون المتوسط، وأن الأثرياء الذين سيعترضون على إعادة تعرفة الدعم سيصطدمون مع الشارع وأن رؤية دعم الطاقة والمياه ستطبق حتى على الأمراء والوزراء.
كما كشف الأمير محمد أن المملكة لم تستغل من المعادن سوى أقل من 5% وبطريقة غير صحيحة، مبدياً استغرابه من عدم وجود صناعة عسكرية رغم أن المملكة ثالث أكبر دولة في الإنفاق العسكري.
وكشف أنه سيتم إنشاء شركة قابضة للصناعات الحكومية وستطرح لاحقاً في السوق نهاية 2017، وأنها ستمكّن المواطن من الاطلاع على الصفقات العسكرية بشكل واضح.
وقال الأمير محمد «إن جيشنا يحتل المرتبة الثالثة في الإنفاق العسكري والمرتبة العشرين في التقييم، وهذا يشكل خللا، مبدياً أمله بأن تكون السعودية من أقل دول العالم في نسب الفساد، وأن الخصخصة جزء مهم من مكافحة الفساد».

نستطيع العيش بلا نفط
وختم قائلاً ردا على سؤال متى تستطيع السعودية الاعتماد على الاقتصاد بدون نفط، :»أنا اعتقد أنه في سنة 2020 يعني لو النفط توقف، نستيطع أن نعيش. نحتاجه، نحتاجه، لكن اعتقد في سنة 2020 نستطيع ان نعيش بدون نفط».
وقال ولي ولي العهد السعودي إن المملكة تخطط لبيع أقل من 5 % في شركة النفط الحكومية أرامكو في طرح عام أولي. وذكر أنه يتوقع تقييم أرامكو كبرى شركات الطاقة في العالم بأكثر من تريليوني دولار وأنه يريد تحويلها إلى شركة قابضة ذات مجلس إدارة منتخب.
وأضاف أن من المقرر طرح شركات تابعة لأرامكو للاكتتاب العام في إطار جهود الخصخصة لتعزيز الشفافية في شركة النفط العملاقة. وأشار إلى أن طرح واحد في المئة فقط في أرامكو سوف يكون «أكبر اكتتاب في تاريخ الكرة الأرضية».
وكان أمريكيون يديرون أرامكو في السابق لكنها باتت شركة حكومية سعودية منذ فترة طويلة. ويزيد حجم أرامكو كثيرا عن بقية الشركات العاملة بالقطاع حيث تبلغ احتياطياتها من الخام 265 مليار برميل بما يتجاوز 15 بالمئة من حجم احتياطيات النفط العالمية.
وتنتج أرامكو ما يربو على 10 ملايين برميل يومياً بما يعادل 3 أمثال ما تنتجه إكسون موبيل؛ أكبر شركة نفط مدرجة في العالم، في حين تتجاوز احتياطياتها 10 أمثال احتياطي إكسون موبيل.

قائمة المرشحين كبيرة
وفي حال تم طرح أرامكو للاكتتاب هذا العام، وهذا مرجح جداً، فإنها قد تكون أول شركة يتم تقييمها بأكثر من تريليون دولار.
كما أشار إلى أن طرح أرامكو سيكون في السوق السعودية مضيفاً أن من بين الأفكار التي يجري دراستها تأسيس صندوق في السوق الأمريكية يشتري أسهما في أرامكو للمساعدة على جلب السيولة.
ولم يتضح أي من مشروعات أرامكو ستشملها عملية البيع لكن قائمة المرشحين كبيرة. وتملك أرامكو وشركاتها التابعة حصصاً في قطاع التكرير تزيد طاقتها الإنتاجية على 5ملايين برميل يومياً.
ومع أن كل تفاصيل الاصلاح الاقتصادي السعودي الراهن لا تزال قليلة، ومع أن بعض المحلليين، يرون أنه صعب التحقيق بهذه السرعة التي أعلن عنها الأمير محمد، فإن شاكيل ساروار رئيس إدارة الأصول لدى شركة الأوراق المالية والاستثمار البحرينية قال أن «السمة الرئيسية لرؤية 2030 هي تنويع موارد الاقتصاد السعودي وتحريره وإصلاحه والحد من الاعتماد على دخل النفط بشكل تدريجي».
ومن جانبه قال محمد الشماسي رئيس إدارة الأصول لدى «دراية المالية» التي مقرها الرياض «أعتقد أن تلك الرؤية لديها الكثير لتقدمه وأنا متفائل لكن التحدي الأكبر سيكون التنفيذ».

مقترحات أخرى ليست أقل شأناً
ومع إعلان «رؤية المملكة2030» قفزت الأسهم السعودية، 2.5 بالمئة بتاريخ 25- 04- 2016 ودفعت أسهم البنوك السوق للصعود مع إعلان خطة الإصلاحات حيث يعتقد المستثمرون أن الخصخصة ستفيد المؤسسات ذات الأنشطة المصرفية الاستثمارية الكبيرة. وقفز سهم مجموعة سامبا المالية 9.3 بالمئة وسهم البنك الأهلي التجاري 8.2 بالمئة.
وبالإضافة إلى كل التغييرات والاصلاحات الاقتصادية التي تضمنتها رؤية السعودية 2030، كانت هناك مقترحات أخرى ليست أقل شأنا، وأهمها المقترح القاضي بفرض رسوم على تحويلات الأجانب في السعودية.
فقد أحالت الهيئة العامة لمجلس الشورى السعودي على جدول أعمال المجلس مقترح مشروع نظام فرض رسوم على التحويلات النقدية للعاملين الأجانب في المملكة قدمه عضو المجلس حسام العنقري.
وبحسب التقرير الشهري لمؤسسة النقد العربي السعودي (البنك المركزي) الصادر في أواخر يناير/كانون الثاني الماضي، سجلت تحويلات الأجانب المقيمين في المملكة مستوى قياسياً جديداً خلال العام الماضي 2015. وأظهر التقرير الرسمي أن تحويلات الأجانب المقيمين في السعودية، وعددهم نحو 11 ملايين وافد، بلغت العام الماضي حوالي 156.9 مليار ريال (52.6 مليار دولار) بزيادة قدرها 4 بالمئة مقارنة بالعام 2014، حيث بلغت آنذاك حوالي 153.3 مليار ريال.
كما تدرس السعودية حالياً ، تعميم مواقف السيارات المدفوعة الأجر، حيث قالت صحيفة «الوطن» السعودية مؤخراً أن السلطات السعودية تدرس تعميم مواقف السيارات المدفوعة الأجر في المملكة. وذكرت إن الجدوى الاقتصادية لمشروع مواقف السيارات المدفوعة الأجر دفعت إلى دراسة تعميمها على بقية مناطق المملكة، والتي يتم العمل بها حالياً في المنطقة الشرقية ومحافظة جدة ومنطقة المدينة المنورة، ويصل دخلها السنوي ما يزيد على 37 مليون ريال في جدة فقط.

«الغرين كارد» والسياحة
وهناك أيضا مشروع البطاقة الخضراء «غرين كارد» الذي قال الأمير محمد إنه سيمكن العرب والمسلمين من العيش طويلاً في المملكة، وأنه سيكون رافداً من روافد الاستثمار فيها، وأنه سيطبق خلال الخمس سنوات المقبلة. واعترف الأمير محمد بوجود شح في الخدمات الثقافية في السعودية، رغم وجود حضارات مندثرة منذ آلاف السنين، وأنه يجب استغلالها، مؤكداً فتح المجال للسياحة لجميع الجنسيات بما يتوافق مع قيم ومعتقدات المملكة.
وقد اثنى صندوق النقد الدولي على الإصلاحات المزمعة في السعودية وغيرها من دول الخليج المصدرة للنفط قائلا أنها تبذل جهودا مشجعة لإصلاح الضرر الذي أصاب ماليتها العامة جراء انخفاض إيرادات النفط بسبب هبوط أسعار الخام.
وقال مسعود أحمد مدير إدارة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى في صندوق النقد معلقا على خطوات الإصلاح تلك :»أرى خطوات في عدد من الدول لمعالجة عجز الميزانية. هذا أمر مشجع لنا ويبعث على الارتياح.»
وجاءت تصريحاته متزامنة مع إعلان السعودية لخطة شاملة تهدف إلى مواجهة حقبة النفط الرخيص وتشمل خفض الإنفاق وزيادة الضرائب وسياسات للتوسع في دور القطاع الخاص. وقال أحمد إن تفاصيل الخطة السعودية التي جرى كشف النقاب عنها حتى الآن تبدو «طموحة وشاملة» مضيفا أن حجم الخطة «يتناسب مع التحديات التي تواجه الاقتصاد.»

تحذيرات سابقة
وكان الصندوق قد حذر قبل 6 أشهر من أن إصلاحات الميزانية التي تدرسها معظم دول الشرق الأوسط غير كافية على الأرجح وأن تلك الدول قد تضطر للسحب من احتياطياتها المالية.
وذكر الصندوق في تقرير آنذاك «فيما عدا الكويت وقطر والإمارات العربية المتحدة وفي ظل السياسات الحالية ستنفد احتياطيات الدول في غضون خمسة أعوام بسبب العجز الكبير في الموازنات.»
وفي أحدث تقرير عن المنطقة، لم يكرر الصندوق هذا التحذير ولكنه ذكر أنه يتعين على الدول بذل جهد أكبر لخفض عجز الميزانية وإعادة بناء الاحتياطيات المالية وادخار أموال كافية للأجيال القادمة.
 ومن المتوقع أن ينمو القطاع غير النفطي في اقتصادات دول مجلس التعاون الخليجي بنحو 3.25 في المئة سنويات في المتوسط على مدى السنوات الخمس المقبلة وهو أقل بكثير من معدل النمو المسجل في الفترة بين عامي 2006 و2015 والذي بلغ 7.75 في المئة.
 وبافتراض استمرار أسعار النفط منخفضة لسنوات مقبلة فإن إجمالي العجز في موازنات دول مجلس التعاون الخليجي سيبلغ نحو 900 مليار دولار بين عامي 2016 و2021 وفقا لحسابات الصندوق. وقال الصندوق «ستتراكم ديون كبيرة على الجزائر والبحرين وسلطنة عمان والسعودية خلال هذه الفترة لأن من المتوقع أن تتجاوز احتياجاتها التمويلية ما لديها من احتياطيات مالية سائلة حاليا.»