لاحظنا أنك تحجب الإعلانات

واصل دعمك للصحافة اللائقة بتعطيل أدوات حجب الإعلانات

في حال وجود استفسار عن سبب ظهور هذه الرسالة ، اتصل بنا

حجم الخط

- Aa +

Thu 19 Nov 2015 08:08 AM

حجم الخط

- Aa +

الثروات الخاصة.. سلاح ذو حدين

تتعدد قدرات الدول من الناحية الاقتصادية، بتعدد مصادر الدخل التي تغذي الناتج المحلي لكل دولة. وقد يدخل الموقع الجغرافي ضمن هذه الحسابات، إذ إن بعض الدول تعتمد في ناتجها المحلي على عبور السلع من أراضيها وهي ما تسمى بدول الترانزيت.

الثروات الخاصة.. سلاح ذو حدين
محمد بيطار

تتعدد قدرات الدول من الناحية الاقتصادية، بتعدد مصادر الدخل التي تغذي الناتج المحلي لكل دولة. وقد يدخل الموقع الجغرافي ضمن هذه الحسابات، إذ إن بعض الدول تعتمد في ناتجها المحلي على عبور السلع من أراضيها وهي ما تسمى بدول الترانزيت.


ومع تطور البنى الاقتصادية وازدياد المنافسة على الأسواق واحتكار السلع والثروات، زادت احتمالات نشوء الأزمات المفاجئة بفعل عوامل أخرى خارج قائمة الأسباب التقليدية المعروفة. في المقابل ازداد الاهتمام بالبحث عن عوامل الدفع الاقتصادية التي تبقي الأسواق نشطة ومحمية من الركود أو التضخمات المختلفة.
خلال السنوات الـ20 الماضية، توجهت أنظار الباحثين وعلماء الاقتصاد نحو الثروات الخاصة للمواطنين كأحد روافد التنمية المستدامة وأهم مغذيات الناتج المحلي. وترسخت القناعة بأن إعادة توظيف هذه الثروات في مشاريع البنى التحتية والصناعات التحويلية الإنتاجية هي شرط أساسي من شروط النمو الاقتصادي واستقراره.
تشير أرقام المصرف المركز في دولة الإمارات على أن ودائع الأفراد في المصارف الإماراتية تجاوزت 385 مليار درهم بنهاية مارس/آذار من هذا العام ويتوقع تقرير لشركة بوسطن جروب الاستشارية أن تنمو الثروات الخاصة في دولة الإمارات بنسبة تتجاوز 10 % خلال السنوات الخمس القادمة لتصل في عام 2019 إلى ما يقدر بتريليون دولار أمريكي. صحيح أن الثروات الخاصة علامة من علامات الرفاه والرخاء التي يتمتع بها المجتمع، لكن هذا الرخاء يبقى مؤقتاً وغير مستدام ولا أحد يعرف الى أين سيتجه إلا في حال استغلال هذه الثروات بالشكل السليم من أجل استدامة الرفاهية.

 

أكثر من ذلك، فإن وفرة الثروات الخاصة هي سلاح ذو حدين، فقد تكون مجزية الى أقصى الحدود أو ضارة بشكل خطير بحسب السياسات العامة التي تعكس ثقافة التعامل مع المال كأحد الدعائم لبناء مستقبل ينعم بالرخاء اذا أوفي حقه في التقدير والاحترام وفهم طبيعة دوره ومهامه الحقيقية.
ففي حين تشير أرقام البنك المركزي إلى ارتفاع في حجم الايداعات للمقيمين في دولة الإمارات إلى  359,343 مليار درهم في أبريل /نيسان 2015، هناك زيادة في حجم القروض لأغراض الاستهلاك بلغت 124,813 مليار درهم مقابل  116,982 مليار درهم للفترة نفسها من العام 2014. صحيح أن هذه الأرقام تشير الى زيادة في حجم الايداعات لكن يساورنا القلق بسبب زيادة نسبة القروض الاستهلاكية الشخصية، فالحقائق العلمية المجردة تفيد أن القروض الشخصية ليست زيادة طبيعية في حجم الثروات الخاصة بل هي استنزاف لتلك الثروات كونها قروض استهلاك وليست استثمار أولاً، وثانياً كونها التزام بسداد دين للبنك بقيمة أكبر من قيمة القرض المستهلك.
بطبيعة الحال، الأسواق تمتلك آليتها الذاتية التي تمكنها من امتصاص فائض القيمة أي الثروات الخاصة من أيدي أصحابها. هذه الآلية موجودة بشكلها الطبيعي غير الملحوظ في منظومة السوق بمختلف خدماته، ويتم التعاطي معها أيضاً بطريقة غير واعية من قبل المستهلك. ففي الوقت الذي باتت فيه معظم الدول المنتجة لكماليات السلع تخشى من عجز الأسواق على استيعاب فائض منتجاتها اتجهت نحو معادلة تبادل الفائض بالفائض أي مقايضة فائض المنتجات التي تفوق حاجة الناس الطبيعية بفائض الثروات والمداخيل التي تفوق حاجة الناس إذا التزمت بالصرف على الحاجات الطبيعية فقط.

 

ولتحقيق هذه المعادلة، تقوم كبرى المؤسسات الاقتصادية العالمية بصياغة سياسات ترويجية تخاطب الأبعاد المظلمة في النفس البشرية وتعيد تعريفها ورسمها بما يتوافق مع مصالحها. ولكن لو أدرك الناس حجم المخاطر الناجمة عن استهلاك الثروات الفردية لما أقدموا على هذا السلوك ولاتبعوا سلوكاً مغايراً يؤدي الى تنمية هذه الثروات وحفظها من الضياع ومن إعاقة مسيرة أي تنمية حقيقية.
إن ازدياد النهم الاستهلاكي لدى الناس والذي يشجعه وجود فوائض مالية بين أيديهم، يعد من الأسباب الأساسية في تراجع معدلات التنمية الاقتصادية والاجتماعية، فهو يعمل على رفع الأسعار بسبب زيادة الطلب على السلع والمنتجات مما يؤدي الى بروز ظاهرة التضخم في العديد من المجالات: كالتضخم في الأسعار بحيث يصبح سعر السلعة يوازي حجم الطلب عليها وليس قيمتها الحقيقية، والتضخم في حجم القروض الاستهلاكية لسد الفجوة ما بين الرغبة في الاستهلاك والمقدرة التي توفرها المداخيل الشهرية، ما سيؤدي بالتالي الى تضخم في حجم العملة المطروحة للتداول بحيث ستفوق حجم الناتج المحلي الوطني للدولة وهذا ما يعرف بالتضخم المالي، أي كثرة المال وندرة السلع والخدمات وارتفاع اسعارها.
هذه الحال ستعمل ليس فقط على امتصاص فائض الثروات الخاصة وتبديدها، بل قد تؤدي الى العديد من المشكلات بفعل التشوهات التي ستنشأ على طبيعة العلاقات في الأسواق. وقد تمتد هذه المخاطر الاقتصادية لتطال بنية المجتمعات نفسها بسبب رواج ثقافة الاستهلاك التي ستقسم هذه المجتمعات الى فئات قادرة عليه، وفئات تعجز عنه، وبالتالي ستتشوه القيم الجميلة المتأصلة تاريخياً في مجتمعاتنا العربية.

ما العمل؟ ما هي السياسات الأضمن في التعامل مع الثروات الشخصية والخاصة؟
في الوقت الذي تلجأ بعض الدول الى الاقتراض من مؤسسات مالية عالمية أو من بنوك القطاع الخاص العاملة على أراضيها بفوائد عالية، أو التقليص من حجم موازناتها العامة لتمويل مشاريعها التنموية المختلفة، لم يعد مقبولاً الحديث عن الثروات الشخصية كأنها ملك فردي تتيح لأصحابها حرية التصرف المطلق بها خاصة بعد العبر والدروس التي أفرزتها الأزمة المالية الأخيرة.
ولا نبالغ اذا قلنا إن هذه الثروات وحدها قادرة على تمويل مشاريع مختلفة إذا تم تعميم مبدأ الشراكة بين المواطن والدولة في تحقيق أهداف التنمية. وغالباً ما تلجأ بعض الدول الواعية لهذه الحقيقة الى إصدار سندات وأسهم وصكوك لجمع السيولة الفائضة بين أيدي الناس لاستخدامها في تمويل مشاريع تتوزع على القطاعين العام والخاص. هكذا تحقق تلك الدول عدة فوائد في آن: فهي تحافظ على توازن الأسواق واستقرار الأسعار نتيجة ضبط حركة السيولة فيها، كما تحفظ قيمة العملة الشرائية في مواجهة السلع، وتمنع تشكل تضخمات مالية من خلال عدم السماح لهذه السيولة النقدية بأن تتجاوز قيمة الناتج المحلي السنوي للدولة.
وتتفاوت إيجابيات هذه الإجراءات بتفاوت صورها وصيغها القانونية، ففي حين يحمي الادخار ثروات الناس من الضياع إلا أن الادخار وحده غير كافٍ لتحقيق تنمية مستدامة تعبر عن ذاتها بتطور البنية الاقتصادية والاجتماعية في الدولة. أما الأسهم والسندات المالية التقليدية الناجمة عن عمليات توريق الديون ومشتقاتها فهي عالية الخطورة وتتسم بالمغامرة وقد لا تدفع الاقتصاد باتجاه التنمية.

 

إن الصيغة الأمثل التي أجمع عليها معظم علماء الاقتصاد هي صيغة الصكوك، التي تجمع بين الادخار الأمن والمشروع للثروات من ناحية وبين توفير السيولة لتمويل المشاريع الاقتصادية التنموية الحقيقية من ناحية ثانية. وتتفوق الصكوك على كافة الأوراق والسندات المالية الأخرى بمساهمتها في صناعة اقتصاد حقيقي قائم على الشراكة المشاع لحاملي الصكوك في الأصول والممتلكات. وعندما نستخدم كلمة اقتصاد حقيقي انما نستخدمها لتمييزه عن الاقتصاد الصوري الذي قد ينشأ نتيجة شراء وبيع الأسهم والسندات ومشتقات الديون الأخرى.
هكذا يصبح كل فرد في المجتمع مساهماً أساسياً في عملية التنمية مما يعيد للمجتمعات قيمتها الحقيقية ويعكس الدور الجماعي في إنتاج المنفعة المستدامة والتقليص من هامش الضرر. ونستطيع القول أيضاً إن توطين الثروات الخاصة من خلال توظيفها في خدمة عملية التنمية، هي خطوة نوعية على طريق توطين الفكر والثقافة والسلوك الاجتماعي كمقومات لا يمكن الاستغناء عنها لتوطين اقتصاد الدولة وتعزيز استقلاليته واستدامته.

بقلم: محمد بيطار، رئيس الأعمال التجارية في شركة الصكوك الوطنية.