لاحظنا أنك تحجب الإعلانات

واصل دعمك للصحافة اللائقة بتعطيل أدوات حجب الإعلانات

في حال وجود استفسار عن سبب ظهور هذه الرسالة ، اتصل بنا

حجم الخط

- Aa +

Sun 24 May 2015 08:11 AM

حجم الخط

- Aa +

من الأفضل أن تموت غرقاً أم في بلد أجنبي؟

يخاطر مئات الآلاف من العرب بكل شيء على أمل الحصول على حياة أفضل في مكان آخر، حيث تزعزع الحرب الأهلية والتطرف، الاستقرار في منطقة الشرق الأوسط و شمال أفريقيا. في هذا التقرير الخاص من إيطاليا، تتحدث أريبيان بزنس مع بعض اللاجئين «المحظوظين» الذين نجحوا في عبور البحر الأبيض المتوسط والوصول إلى أوروبا، وتجد أن معاناتهم لم تنته بعد

من الأفضل أن  تموت غرقاً أم في بلد أجنبي؟

هكذا يرى سالفو الوضع المظلم هنا. وسالفو هو نادل في حانة مزدحمة تقع في المركز التاريخي في كاتانيا على جزيرة صقلية الإيطالية. قد تبدو كلماته متجهمة، خاصة أثناء تناول فنجان من الكابتشينو الجيد، ولكنك لن تجد الكثير من الناس ممن يخالفونه الرأي.

وفقًا للمنظمة الدولية للهجرة، فقد لقي 3072 شخصًا حتفهم وهم يحاولون عبور البحر الأبيض المتوسط إلى أوروبا بين سبتمبر ويناير الماضيين، وهو رقم يعادل 75 في المائة من مجموع وفيات المهاجرين في العالم تقريبًا، وتصل نسبة العرب منهم إلى حوالي الثلث؛ معظمهم من السوريين والليبيين الفارين من الحرب الأهلية، و40 في المائة من الأفارقة.

ويقول سالفو، قبل الذهاب لخدمة زبون آخر: «تغالبني الدموع عندما يتحدثون على شاشات التلفزيون عن كل الذين غرقوا في البحر مثل الحيوانات».

إن ما يدفع الصقليين للاهتمام الشديد بمأساة المهاجرين الذين يغرقون في البحر الأبيض المتوسط أنها مسألة قريبة من الوطن. وتعد هذه الجزيرة المقصد المفضل لغالبية أولئك الذين وصلوا السواحل الإيطالية – حيث وصل أكثر من 170,000 في العام الماضي وحده.

في الواقع، باتت صقلية تعرف بأنها «أكبر مركز لاستقبال طالبي اللجوء» في أوروبا. ويضم مركز استضافة طالبي اللجوء، في قرية مينيو، حاليًا أكثر من 4000 شخص، من بينهم 22 من الناجين من السفينة التي غرقت أخيراً وكانت تحمل 800 مهاجر والذين يخشى أن يكونوا قد لقوا حتفهم قبالة السواحل الليبية بين 18 و19 أبريل.

وتقول ميلينا، وهي عاملة في مجال المعونة الإنسانية في صقلية، والتي فضلت عدم إعطاءنا معلومات إضافية حول هويتها: «إن المهاجرين الذين يستقبلهم المركز في مينيو يسيرون كالجثث، فهم أناس مدمرون جسديًا ونفسيًا».

«إننا نتحدث عن أشخاص تعرضوا لكل أنواع الصدمات والعنف. فعبور البحر الأبيض المتوسط هي رحلة محفوفة بالأهوال والمخاطر الحقيقية التي تهدد الحياة».

يُجبر المهاجرون على دفع مبلغ هائل (يتراوح بين 800$ و2000$) للإبحار من السواحل الليبية وشق طريقهم نحو السواحل الإيطالية عبر ما يسمى بــ طريق وسط البحر الأبيض المتوسط، وليس ذلك فحسب، لكنهم يواجهون أيضًا كل المخاطر التي يمكن تخيلها، من غرق السفينة بأكملها إلى إلقائهم في البحر. كما أنهم يتعرضون إلى كافة أنواع الإساءة التي يمكن تخيلها من المتاجرين بالبشر.

وحتى لو سارت الرحلة على ما يرام، يبقى هناك خطر بأن ينتهي بهم المطاف في المكان الخطأ. فبدلا من الرسو على سواحل صقلية – والذي يتم غالباً على الشواطئ العامة - يمكن أن ينتهي بهم المطاف في جزيرة مالطا الجزيرة التي توصف بأنها «سجن كبير» بسبب طريقة تعامل السلطات هناك مع ما يسمى بلاجئي القوارب.

يشعر إفرام، الأثيوبي شديد النحافة، والبالغ من العمر 26 عامًا ويعيش في حي فقير في إحدى ضواحي كاتانيا، بعد أن دخل إيطاليا بطريقة غير شرعية منذ عام، بالخوف الشديد من الشرطة.

متحدثَا بلهجة تمزج بين الإنجليزية والإيطالية الصقلية بشكل غريب، يقول إفرام: «وصلت إلى ليبيا من خلال السودان. كان الوضع مهلكًا حقًا، فقد أوشكت على الهلاك من شدة العطش، وعندما رأيت البحر ظننت أنني قد نجحت، وبأني سأصل إلى إيطاليا في وقت قريب، لكنني كنت مخطئًا».

«لم يكلفني قارب العبور قرابة 1000 يورو فحسب، ولكنه كان طويلًا جدًا، وكنت عرضة لخطر الغرق، كما كان الشخص النيجيري المسؤول عن تهريبنا فظًا، حيث أهانني مرارًا وتكرارًا وضرب صبيًا آخر حتى فقد كل حواسه». يتدبر إفرام اموره من خلال القيام بأعمال مختلفة، ويحصل أجره نقدًا، حيث يلجأ في الصيف إلى بيع القبعات والأساور والحصائر لمرتادي الشواطئ. وهو يشعر بالسعادة بغض النظر عن حقيقة أنه يعيش حياة صعبة.

و يقول: «آمل أن أتمكن في يوم ما من امتلاك محل صغير لبيع المثلجات. وقد بدأت بالفعل أوفر بعض المال».

تفاؤل إفرام مُعدٍ ويؤكد أمراً تعلمته ميلينا في سنوات خبرتها في مجال العمل الإنساني، حيث تقول: «يمتلك المهاجرون، الذين يجتازون مثل هذه التجارب المروعة للوصول إلى إيطاليا، إرادة قوية ومثابرة وإصرارا لا يصدق، وحبا حقيقيا للحياة. إنهم يمتلكون إيمانًا وقناعة بأن أمراً جيداً سيحدث في حياتهم عاجلًا أو آجلًا. إنهم يقدمون مثالًا يحتذى في الشجاعة والروح المعنوية بالنسبة لنا نحن الصقليين».

إن حالة الطوارئ التي يتسبب بها المهاجرون لا تؤثر على صقلية فحسب، بل على كل إيطاليا، حيث تواصل قوات البحرية الإيطالية، وخفر السواحل إنقاذ عشرات الآلاف من المهاجرين، وهناك نكتة يتم تداولها على نطاق محلي تقول بأن قوات البحرية الإيطالية يمكن أن تكون أول سلاح بحرية مؤهل للحصول على جائزة نوبل للسلام في التاريخ.

لكن على الرغم من ذلك، فيبدو أن إيطاليا غير قادرة على التصدي لواحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية التي واجهتها أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية.

يقول إنريكو لابريولا، وهو مستشار إيطالي للعديد من الوكالات التابعة للأمم المتحدة: «يفعل الإيطاليون كل ما في وسعهم لتجنب المآسي، ويسعون للحد من الأضرار، ولكنني لا أعتقد بأنهم مجهزون للتعامل مع الحالات الطارئة من هذا النوع وحدهم». ووفقا للمستشار الإيطالي، تجد الحكومة الإيطالية نفسها بين المطرقة والسندان.

«فمن ناحية يجب إنقاذ المهاجرين واستقبالهم بطريقة لائقة، ومن ناحية أخرى تتم مطالبتها باتخاذ قرار سياسي واضح، وهذا ليس بالأمر السهل، لأنه يجب عليك تبرير هذا القرار أمام الناخبين لاحقًا».

يواجه رئيس الوزراء الليبرالي الشاب ماتيو رينزي تحديات هائلة. فإيطاليا، ككل، لديها قدرة على استقبال 80,000 مهاجر، لكن وصل عدد المهاجرين الذين قدموا إلى الدولة 170,000 مهاجر في عام 2014 وحده. بالتالي، في الوقت الذي تنشغل فيه الحكومة بمعالجة حالات الطوارئ، تتحدث وسائل الإعلام عن مليون مهاجر جديد يستعدون لمغادرة ليبيا، الأمر الذي يضع الأساس لمشاعر من الكراهية من قبل المواطنين الايطاليين العاديين تجاه القادمين الجدد.

وليس من قبيل الصدفة أن الزعيم الأكثر شعبية في البلاد، بعد رئيس الوزراء، هو ماتيو سالفيني زعيم حزب ليجا نورد (رابطة الشمال) المناهض للهجرة. ففي كل يوم يهاجم سالفيني الحكومة عبر وسائل الإعلام الاجتماعي، ناحيًا باللوم عليها في حالات الموت التي تتم في عرض البحر المتوسط، ومؤكدًا أن على إيطاليا عدم استقبال «اللاجئين المفترضين» بعد الآن.

ويقول دانييل، الشاب القادم من روما والذي يعمل نادلًا «ليس كل المهاجرين أناس طيبون. فقد يكون بينهم بعض المتسللين من تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) في إشارة إلى الجماعة الإرهابية المسلحة التي أثارت الفوضى في سوريا والعراق، وفي شمال أفريقيا أخيرًا. وأضاف: «أعتقد أنه يجب إغلاق الحدود الإيطالية. فالهجرة من أفريقيا والشرق الأوسط لا تجلب سوى التوتر والاضطراب».

إلا أن ريكاردو نوري، المتحدث باسم منظمة العفو الدولية في لإيطاليا لا يشاركه هذا الرأي. ويقول: «المهاجرون لا يشكلون أي خطر»، مضيفاً: «بدلا من ذلك، يمكنك القول أنهم بالحقيقة هم من تعرضوا للتهديد في البلاد التي يفرون منها، خاصة في سوريا وإريتريا». ووفقا لنوري، فإن الأزمة خطيرة بحيث ينبغي على إيطاليا طلب المساعدة من الاتحاد الأوروبي. ويشاطره لابريولا نفس التفكير.

ويضيف: «حالة الطوارئ هذه لا تخص إيطاليا فقط، ولكنها تخص جميع شركائها الأوروبيين. على بروكسل التخلي عن الجمود الذي عرفت به حتى الآن، والتفاعل بشكل جاد ومنسق. فترك المهاجرين للموت في عرض البحر المتوسط هو انتهاك صارخ لحقوق الإنسان، التي تعد [واحدة من] الركائز الاساسية التي قام عليها الاتحاد الأوروبي».

وتتطلع الحكومة الإيطالية بالفعل لحشد الدعم من الاتحاد الأوروبي بهدف إقامة جبهة مشتركة، إلا أن النتائج لا تزال محدودة حتى الآن. ويشك العديد من أعضاء الاتحاد الأوروبي أن إيطاليا، وهي «نقطة ضعف أوروبا» لا تقوم بما يكفي لمنع الهجرة السرية، الأمر الذي يؤثر سلباً على ألمانيا والنمسا وفرنسا والدول الاسكندنافية.

وكانت مجلة نيوزويك الأميركية نشرت قبل أيام قليلة تقريرًا واضحًا يشير إلى أن: «إيطاليا تقوم بالسماح للمهاجرين الناجين من الرحلات البحرية بالاختفاء داخل أوروبا». وسواء كانت هذه الاتهامات صحيحة أم لا، إلا أنه من الواضح بأن الكثير من المهاجرين السوريين والإثيوبيين يعتبرون إيطاليا محطة أولية في رحلتهم الطويلة أكثر منها وجهة نهائية. إنهم يحلمون بالسويد وألمانيا والنرويج.

مجد الشاب السوري البالغ من العمر 21 عامًا من مدينة حلب، هو أحد الأمثلة على ذلك. فهو جزء من مجموعة من المهاجرين العرب والأفارقة الذين قاموا بالتخييم في محطة القطارات في ميلان، والتي تعد واحدة من محاور النقل الرئيسة في إيطاليا قبل بضعة أيام. متحدثاً بلغة إنجليزية جيدة، يقول مجد: «أنا لا أرغب بالبقاء في إيطاليا، أريد الذهاب إلى ألمانيا». ويحمل مجد في إحدى يديه ورقة صغيرة تبدو كالقطعة البالية وتحمل رسمًا بسيطًا، رسم طفولي تقريبًا، لأوروبا، وتضم محطات التوقف المختلفة أثناء رحلته: ميلان و فيرونا و بولتسانو وميونيخ وأخيرًا هامبورغ. يعلم مجد أن الإيطاليين لا يريدون المهاجرين، ولكنه يستميت ليحيا حياة أفضل لنفسه.

ويكمل قائلا :«جل ما أريده هو العمل وامتلاك منزل. أريد فقط أن أعيش بسلام بعيدًا عن الحرب». رغم أن عينيه ذات اللون الاسود مليئة بالخوف وتتحرك بحذر من اليمين إلى اليسار، لكنه يبتسم عندما يتحدث عن هامبورغ. وهو متأكد من أنه سينجح في الوصول إليها.

بعض من قصص المهاجرين

أيمن
أيمن هو مواطن ليبي من طرابلس ويبلغ من العمر 23 عامًا. فيلمه المفضل «أسد الصحراء»، من إنتاج عام 1981 ويلعب دول البطولة فيه الممثل أنتوني كوين الذي يجسد دور البطل الليبي عمر المختار الذي قاد حركة المقاومة لـ20 عامًا خلال النصف الأول من القرن 20 ضد الاستعمار الإيطالي. يقول أيمن: «هذا الفيلم جميل، وأنا لا أملّ أبدًا من مشاهدته». «فهو ليس فقط دليل على أن الليبيين شعب عظيم، ولكنه يعلمنا أيضا أننا يجب أن نتحلى بالشجاعة دائمًا وأن نقف في وجه الظلم».

يتحدث أيمن بحماس بمزيج من العربية والإنجليزية وهو جالس على مقعد في حديقة في مدينة بولزانو الإيطالية، الواقعة بالقرب من الحدود النمساوية. لقد زار إيطاليا بصحبة أحد أعمامه عندما كان مراهقًا، إلا أن الأمر مختلف تمامًا الآن حيث عاد مهاجرًا ووحيدًا هذه المرة. لم يستطع أيمن وصف ذلك الشعور، إلا أنه ليس شيئًا سارًا بكل تأكيد.

ويضيف قائلًا: «باتت ليبيا اليوم جحيمًا، ومع ذلك بقيت عائلتي في طرابلس، لقد دفعوا تكاليف رحلتي البالغة 1500 دولار، وغادرت برفقة أشخاص آخرين، معظمهم من الرجال، على متن قارب في الليل. لم يكن لدينا طعام على متن القارب، فقط القليل من الماء ولم يكن هناك حمام للنساء، واضطررن الى التبول داخل ملابسهن ... تعطل محرك القارب، وكدنا نموت في عرض البحر لولا تدخل خفر السواحل الإيطالية لإنقذنا». يحمل أيمن مشاعر متناقضة تجاه الإيطاليين: فمن جهة هم مذنبون لإطلاقهم النار على عمر المختار، ومن جهة أخرى هم من أنقذوا حياته.
«أحب إيطاليا، ولكن أفضل الذهاب إلى ألمانيا. تعرف عائلتي بعض الأشخاص الذين يمكن أن يساعدوني هناك، لقد تواصلوا معهم بالفعل. كل ما علي القيام به هو أن استقل القطار وأتوجه إلى ميونيخ».

وهو يدرك أن أحلامه بالوصول إلى ألمانيا ستتلاشى إذا ما أمسكت به الشرطة، لكنه ليس خائفًا. فلو كان عمر المختار في موقفه فلن يكون خائفًا.

حامد وسعيد
يبلغ حامد القادم من مدينة بنغازي الليبية من العمر 20 عامًا. التقيناه في محطة القطارات المركزية في ميلانو مرتدياً نظارات شمسية رياضية وبتسريحة شعره العصرية وحديثه الودي، متحدثاً مع المتطوعين المحليين ويضحك على نكاتهم. وقد يبدو أنه أقرب الى سائح منه إلى مهاجر غير شرعي. يقول «لا يمكنك العيش في ليبيا، إن الوضع خطير جدًا، لذلك قررت أن أذهب إلى أغنى بلد في أوروبا: ألمانيا. أريد أن أجد وظيفة لائقة هناك وأن أدرس الاقتصاد في الجامعة». ينسجم حامد جيدًا مع الإيطاليين، وقد وقع في حب كرة القدم الإيطالية. وفي هذا الصدد قال حامد: «على الرغم من أن فريقي المفضل ليس إيطاليًا بل فريق ريـال مدريد الإسباني، إلا أن هؤلاء اللاعبين رائعون جدًا».

سعيد هو صديق حامد، وهو من مدينة حمص السورية ويحلم بالذهاب إلى السويد، أو إلى النرويج إذا لم يستطيع الوصول إلى هناك. يقول: «سوريا كانت بيتي، بلدي، وأنا لم اعتقد أبدًا أنني سأضطر يومًا للسفر إلى الخارج». إنه يفتقد كل ما يتعلق بسوريا؛ أسرته وأصدقائه والطعام ولون السماء. «أنا أعلم أن السويد بلد بارد جدًا في الشتاء وهناك القليل من أشعة الشمس. ليكن الله بعوني».

أمين
يبلغ أمين 45 عاماً وقد قدم من حمص؛ وهي مدينة سورية دمرت بسبب الحرب الأهلية الدائرة هناك. ألا أن مظهره يوحي بأنه أكبر من ذلك. إنه متعب - محطم - بلحية شعثاء وعينين حمراوين. التقيناه جالسًا على مقعد رخامي خارج محطة القطار المركزية في ميلان، وتحدث بصوت خافت باللغة الانجليزية، قائلا: «كنت أعمل مدرسًا للرياضيات». «غادرت تركيا مع أبنائي الاثنين؛ بعد أن تركت قبر زوجتي ومنزلًا مدمرًا بصاروخ في سوريا».

من الواضح أن أمين متعب ولا يكف عن التثاؤب، فهو يريد أن يرتاح. يجلس ولداه المراهقان إلى جواره ويربتان على ظهره بين الحين والآخر. ويضيف: «إيطاليا ليست بلدًا سيئًا، الكل هنا لطيف، ولكن علينا المغادرة بأقرب فرصة ممكنة الى مدينة مالمو في السويد».

يقول: «يعيش الكثير من السوريين هناك، وسيساعدونني ويساعدوا ولديّ على بناء مستقبلهم. بإمكاني العودة إلى التدريس إن شاء الله، لكنني مستعد للقيام بأي عمل حتى لو كان تقديم الطعام أو بوظيفة عامل. الوضع في سوريا مرعب». «يشعر الناس باليأس، ولم يعودوا يملكون أي شيء، ويحلمون بالذهاب إلى السويد أو النرويج أو الدنمارك لأنهم يعلمون أن سوريا انتهت وباتت رمادًا. سوريا هي العراق الجديد».

رضا
انطلقت رضا ذات الـ19 ربيعاً في رحلتها من حلب إلى دمشق ومن دمشق إلى القاهرة و من القاهرة إلى ليبيا ومنها إلى صقلية. رضا معجبة بأفلام والت ديزني والمغني مايكل جاكسون. تقول رضا: « كان أبي يمتلك متجره الخاص في حلب، وكان يكسب جيدًا ولم يكن ينقصنا أي شيء في المنزل. بعدها انطلقت شرارة الحرب وقررنا مغادرة سوريا إلى مصر حيث عمل أبي هناك. وبما أن مصر تعاني من مشاكل اقتصادية كثيرة غادرناها إلى ليبيا، حيث لقينا نحن النساء السوريات معاملة سيئة جدًا من الرجال الليبيين، حتى أن صديقتي تعرضت للاعتداء». كانت رضا تعلم أنها ستواجه خطرًا شديدًا عندما قررت هي ووالديها وأخوها ركوب القارب إلى إيطاليا.

«من الافضل أن تموت غرقًا في عرض البحر بحثًا عن الحرية على أن تموت في بلد أجنبي حيث تعامل بشكل مريع». وإذا ما سألتها عن طاقم القارب، فإنها ترد بتعبير وجه مشمئز. تقول: «إنهم أشخاص سيئون. لقد أهانونا وصرخوا في وجوهنا، لقد ملأوا القارب ولم يتركوا أي مكان فارغ، كما لو كنا حيوانات. وحالما وجدنا خفر السواحل الايطالي اصطحبونا إلى جزيرة لامبيدوزا الصقلية». «اضطررنا إلى النوم على الارض هناك في مركز الاستقبال، لكن على الاقل كنا في إيطاليا، وخلال أيام قليلة سأغادر إلى شمال أوروبا، إلا أنني افضل عدم ذكر اسم الدولة».