أسعار النفط: العودة المستحيلة

لم تكن الدول المنتجة للنفط بحاجة لتصريح وزير النفط الكويتي علي العمير، للتأكد من أن أسعار النفط الخام ستتراوح بين 50 و60 دولاراً للبرميل خلال العامين المقبلين. فكبار المنتجين الساعين لرفع أسعار البترول(روسيا إيران وفنزويلا) وضعوا ميزانياتهم على هذا الأساس تماما كما هو حال كبار المنتجين المؤيدين لبقاء أسعار البترول ضمن هذه الحدود (السعودية أساساً، وبعض الدول العربية الخليجية الأخرى)
أسعار النفط: العودة المستحيلة
تراجعت صفقات النفط والغاز في الشرق الأوسط نسبياً مقارنة بها عالمياً.
بواسطة Anees Dayoub
الإثنين, 16 مارس , 2015

لم يعد سراً القول أن عودة أسعار البترول الخام إلى مستوى ما قبل يونيو/ حزيران من العام 2014 أي إلى المراوحة بين 110 و120 دولاراً للبرميل قد صارت ضرباً من المستحيل على الأقل خلال العام الحالي 2015 والعام المقبل 2016، إن لم يكن على مدى السنوات الخمس المقبلة أي من يومنا هذا وحتى العام 2020.

فتصريح وزير النفط الكويتي علي العمير الأسبوع الماضي خلال زيارة للبحرين لحضور مؤتمر خاص بصناعة الطاقة والذي قال فيه أن «التوقعات تشير إلى أن الأسعار قد تتحسن هذه السنة، لكنها قد تظل في نطاق يتراوح بين 50 و60 دولاراً للبرميل» جاء متوجاً ومكملاً ومتسقاً أيضاً مع تصريحات أخرى لكبار المسئولين النفطيين الخليجيين أشارت إلى أن الأسعار ستتراوح بين هذه الحدود (50-60) دولاراً للبرميل وفي أفضل الحالات بين( 60-70) دولاراً للبرميل.

وقد بات واضحاً أن السعودية والكويت تدافعان بقوة، على خلاف الدول المنتجة الأخرى سواء داخل أو خارج أوبك (روسيا وإيران وفنزويلا) تحديداً عن هذا النطاق السعري. فحين سئل العمير عن القرار الذي تبنته منظمة الدول المصدرة للنفط أوبك في نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي بالإبقاء على مستوى الإنتاج دون تغيير، بدلاً من خفضه من أجل دعم الأسعار أجاب حرفياً «قرار أوبك ليس قراراً عدائياً، بل هو منسجم ومتزن» .

السعودية ترفض
ففي آخر تصريح له حول الأسعار والإنتاج أعلن علي النعيمي وزير البترول والثروة المعدنية السعودي أن بلاده لن تخفض إنتاجها من البترول من أجل دعم الأسعار مهما هبطت أسعار النفط. وعلى الرغم من رفض الوزير السعودي صراحة تفضيل بلاده لسعر محدد للنفط، فإن النعيمي كان قد أعلن سابقا أن بلاده تفضل أن يتراوح سعر برميل النفط بين 50 و60 دولار تماما كما هو سعر النفط الآن.

كما أن جميع التحليلات تجمع على أن العامل الرئيسي الذي دفع أسعار النفط للهبوط بشكل سريع لا سيما منذ نوفمبر/تشرين الثاني 2014 هو إصرار السعودية، أكبر مصدر للخام في العالم، على عدم تقليص إنتاجها. فمنظمة أوبك التي تمتلك فيها الرياض النفوذ الأكبر، قررت في كل اجتماعاتها منذ منتصف العام الماضي، الإبقاء على سقف إنتاجها المحدد بـ 30 مليون برميل يومياً رغم استمرار هبوط أسعار الخام. وهنا لا بد من الإشارة إلى أن إنتاج أوبك يمثل ثلثي الإمدادات العالمية من النفط. ولا شك أن تلك القرارات المتتالية التي اتخذتها أوبك بعدم خفض الإنتاج تعتبر تحولاً كبيراً في سياستها التي طالما دابت على التدخل لإحداث توازن في السوق عند هبوط الأسعار بشدة.

.. وبوتين يعترف
ومن بين المؤشرات الأخرى العديدة الدالة على أن أسعار النفط لن تعود إلى المستوى الذي كانت عليه قبل منتصف العام 2014، أي مستوى الـ 100 أو الـ 110 دولارات للبرميل ما أعلنه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بتاريخ 5 مارس/آذار 2015، من أن الميزانية الروسية الجديدة ستبنى على أساس أن سعر برميل النفط هو 50 دولاراً للبرميل.

لقد أدى تراجع أسعار النفط إلى أن تخسر الدول المنتجة والمصدرة للنفط مجتمعة مبلغاً يقدر بحوالي 5.85 ملياردولار يومياً . وتتوزع هذه الخسارة على الدول المصدرة كل حسب نسبة إنتاجه من الانتاج العالمي الحالي الذي يقدر بحوالي90 مليون برميل في اليوم تنتجه 35 دولة من الدول المنتجة للنفط ، منها 11 دولة أعضاء في منظمة أوبك، أما المنتجون الباقون فهم 24 دولة من خارج منظمة أوبك.
وسبب ذلك هو تراجع أسعار النفط من حوالي 110دولار للبرميل الى 45 دولاراً للبرميل، وباحتساب متوسط إنتاج يبلغ 90 مليون برميل في اليوم، فإن واردات بيع تلك الكمية هبطت من 9.9 مليار دولاريومياً ، إلى 4.05 مليار دولار فقط.

ربح وخسارة
وفي المقابل تربح الدول المستهلكة للنفط ذات المبلغ الذي تخسره الدول المنتجة أي (5.85 ملياردولار كل يوم) . وبالطبع فكلما زادت مشتريات الدول المستهلكة للنفط، كلما زادت أرباحها. وعلى سبيل المثال فإن الولايات المتحدة التي تشتري يوميا حوالي 13 مليون برميل من النفط الخام، تربح يومياً حوالي825 مليون دولار، جراء تراجع سعر النفط، أما الوفر الشهري (الربح) للولايات من تراجع الأسعار، فيبلغ حوالي 24.750 مليار دولار. وعلى سبيل المثال ايضاً، تشتري اليابان حوالي 6 مليون برميل يومياً، ولذلك فهي تربح حوالي390 مليون دولار كل يوم، أي حوالي11.7 مليار دولار شهرياً .

وبالإضافة إلى خسائر دول أوبك والمنتجين الآخرين من تراجع أسعار النفط، وهي بالطبع خسائر كبيرة كما هو واضح، فإن مسؤولا تنفيذيا كبيرا بشركة أرامكو السعودية هو أمين الناصر نائب الرئيس الأعلى للتنقيب والإنتاج بالشركة اشار قبل ايام وخلال مؤتمر عقد في مملكة البحرين إلى إن الهبوط الحاد لأسعار الطاقة سيؤثر سلبا على الاستثمار في مشروعات النفط والغاز عالميا، حيث أن القطاع قد يلغي مشروعات بقيمة تبلغ نحو تريليون دولار على مستوى العالم خلال العامين المقبلين.

وقال الناصر في تصريحات للصحفيين في وقت لاحق إن التريليون دولار تتضمن مشروعات ربما يتم تأجيلها فحسب ولا تقتصر على تلك التي قد يتم إلغاؤها نهائيا.

وقد هبط سعر خام برنت من 115 دولارا للبرميل في يونيو/ حزيران الماضي إلى نحو 60 دولارا حالياً، بسبب تخمة المعروض في السوق. ويئن بعض من صغار الدول المنتجة للنفط تحت وطأة هبوط الأسعار الذي دفع عدد من شركات النفط إلى خفض موازناتها الاستثمارية.

تجميد المشاريع
وقالت مصادر بالقطاع لوكالة أنباء رويترز، إن أرامكو نفسها جمدت أنشطة الاستكشاف والتنقيب عن النفط والغاز بالمياه العميقة في البحر الأحمر، كما علقت خططا لبناء محطة للوقود النظيف بتكلفة ملياري دولار في كبرى مصافيها النفطية في رأس تنورة. وفي يناير كانون الثاني قال الرئيس التنفيذي للشركة خالد الفالح إن أرامكو سوف تعيد التفاوض بخصوص بعض العقود وترجئ بعض المشروعات بسبب نزول أسعار النفط.

إلى ذلك، تراجع نشاط صفقات النفط والغاز في منطقة الشرق الأوسط نسبياً مقارنة بها عالمياً، وفقاً لشركة إرنست أند يونغ في تقرير عن نتائج هذا النشاط عالمياً عام 2014، وذلك على رغم من تمتع المنطقة بمستوى عالٍ من احتياطات النفط والغاز وإنتاجهما. ورصد التقرير هدوءاً في هذا النشاط في المنطقة خلال العام الماضي، ليقتصر على صناعات المنبع (التنقيب والإنتاج) وشكلت قيمة الصفقات فيها 0.3 في المئة فقط من الإجمالي على المستوى العالمي وهي أدنى نسبة تُسجل خلال السنوات الخمس الماضية».

وقال رئيس خدمات استشارات الصفقات في قطاع النفط والغاز لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في إرنست أند يونغ ديفيد بيكر : كانت أسعار النفط قبيل تراجعها في النصف الثاني من العام الماضي، مستقرة على نحو غير اعتيادي على مرّ السنوات الثلاث الماضية، وتراوحت أسعار التداول بين 100 دولار للبرميل و120 دولاراً، على رغم اندلاع بعض الأحداث الجيوسياسية الكبرى. لكن كثيرين فوجئوا لدى انخفاض أسعار النفط بسرعة ومدى تصحيح الأسعار، واستجاب القطاع من خلال إطلاقه عدداً من الإعلانات والبيانات المتعلقة بخفض الإنفاق على المشاريع والنفقات الرأسمالية»ز

تأثير عام
وفي التوقيت، رجّح التقرير أن يؤثر انخفاض الأسعار على قطاع النفط والغاز بدءاً بخدمات حقول النفط، تليها عمليات التنقيب والإنتاج، ثم الصناعات الوسطى (النقل والتخزين والتسويق) وصناعات المصب (التكرير والمعالجة). ولم يستبعد أن تتأثر أولاً شركات خدمات حقول النفط المعتمدة على النفقات الرأسمالية التقديرية، والتي تغطي نشاطات المسح الزلزالي والاستكشاف، تليها أعمال الحفر البرية وتتبعها أعمال التطوير».

ولم يغفل التقرير تأثر أعمال التنقيب والإنتاج في شكل واضح، بدءاً بشركات التنقيب والإنتاج ذات المديونية العالية وصولاً إلى تلك التي تعاني من عدم استقرار في التكاليف في حال تغير نسبة الإنتاج. وربما يكون انخفاض الأسعار، وفقاً للتقرير مفيداً لشركات الصناعات الوسطى وصناعات المصب، لكن يمكن أن تتعرض فروع شركات النفط المتكاملة، لمزيد من الضغط للتخلص من سلاسل القيمة.

وأضاف التقرير :في مقابل تراجع عدد الصفقات من 32 عام 2013 إلى 12 فقط العام الماضي، انخفضت قيمتها في شكل طفيف إلى نحو 600 مليون دولار. وأشار إلى توزع نشاط الصفقات في منطقة الشرق الأوسط على دول مثل الإمارات والعراق اللتين شهدتا صفقات متعددة. وقد لوحظ أن مؤسسة التصنيف الائتماني ستاندارد أند بورز قد خفضت بتاريخ 10 فبراير/ شباط الماضي تقديرها للنظرة المستقبلية لآفاق الاقتصاد السعودي إلى «سلبي» بدلاً من «مستقر» وذلك بسبب الهبوط الحاد لأسعار النفط.

البحرين وعمان
كما خفضت تصنيف البحرين وسلطنة عُمان على خلفية التراجع الكبير في اسعار النفط. ورغم العجز الكبير الذي توقعته موازنة السعودية، اكبر مصدر للنفط في العالم، لم تخفض الوكالة التصنيف الائتماني للمملكة، وكذلك الامر بالنسبة لأبوظبي وقطر، بسبب «الوضع المالي الصلب جدا لهما». وقالت الوكالة في بيان «نظرا لاعتمادها الكبير على النفط، فان الوضع المالي الصلب جدا للسعودية، قد يتراجع بسبب انخفاض أسعار الخام». واعتبرت الوكالة أن «النظرة المستقبلية السلبية تعكس رؤيتنا بان الوضع العام للمالية السعودية يتراجع».

وكانت ستاندرد اند بورز خفضت النظرة المستقبلية للسعودية في كانون الاول/ديسمبر الماضي من «إيجابي» الى «مستقر».وخفضت الوكالة منذ ذلك توقعاتها لاسعار النفط. وكانت الوكالة توقعت في كانون الاول/ديسمبر أن يكون متوسط سعر برميل برنت المرجعي في 2015 بين 80 و85 دولارا، وقالت الوكالة في بيانها «نحن نتوقع اليوم أن يكون متوسط سعر برنت 55 دولارا في 2015، وفي حدود 70 دولاراً بين 2015 و2018».

لكن وعلى عكس السعودية، من المتوقع أن تحقق موازنة الإمارات تعادلا بين الانفاق والدخل. وقد أبقت ستاندرد اند بورز على تصنيف ائتماني جيد لابوظبي هو «AAA - 1» مع نظرة مستقبلية مستقرة. وتوقعت الوكالة أن تبدي أبوظبي التي تملك السواد الأعظم من النفط الإماراتي، مرونة وحذرا في سياساتها المالية.
وكذلك أبقت الوكالة على التصنيف نفسه لقطر التي لم تعلن عن موزانتها حتى الان. وخفضت الوكالة التصنيف الائتماني لكل من البحرين وسلطنة عمان بدرجة واحدة.

اشترك بالنشرةالإخبارية

اشترك بنشرة أخبار أريبيان بزنس لتصلك مباشرة أهم الأخبار العاجلة والتقارير الاقتصادية الهامة في دبي والإمارات العربية المتحدة ودول الخليج

أخبار ذات صلة