لاحظنا أنك تحجب الإعلانات

واصل دعمك للصحافة اللائقة بتعطيل أدوات حجب الإعلانات

في حال وجود استفسار عن سبب ظهور هذه الرسالة ، اتصل بنا

حجم الخط

- Aa +

Mon 2 Feb 2015 07:33 AM

حجم الخط

- Aa +

الملك السابع : سلمان بن عبد العزيز، عهد جديد

في غضون أيام قليلة، أطلق الملك الجديد: سلمان بن عبد العزيز (السابع في ترتيب ملوك آل سعود) العديد من الإشارات الواضحة التي تدل على دخول المملكة العربية السعودية عهداً جديداً إثر وفاة الملك عبد الله بن عبد العزيز بتاريخ 23 يناير/كانون الثاني الماضي. فهل يمكن استشراف التحولات التي يحملها العهد الجديد، وما هي أبرز ملامحها؟

الملك السابع : سلمان بن عبد العزيز، عهد جديد
عندما كان الملك سلمان أميرا لمنطقة الرياض نجح في تغيير وجه العاصمة من منطقة صحراوية إلى مدينة كبرى.

خلافاً لتكهنات عديدة، شهدت المملكة العربية السعودية، عملية انتقال سلس وهادئ وسريع للسلطة في أعقاب وفاة الملك عبد الله بن عبد العزيز. ففور إعلان الديوان الملكي السعودي نبأ وفاة الملك عبد الله في وقت مبكر من صباح يوم الجمعة 23 يناير، تولى ولي العهد الامير سلمان بن عبد العزيز سدة الحكم كملك للبلاد. وتحرك الملك الجديد سريعا، لتفادي الثغرات وتهدئة المخاوف حول حسن سير إدارة عملية الخلافة في السعودية أكبر مصدر للنفط في العالم، في وقت تواجه فيه المملكة تحديات غير مسبوقة سواء داخلياً أو على حدودها الشمالية أوالجنوبية أوالغربية.

وخلال وقت قصير، أعلن الملك السابع تعيين الامير مقرن بن عبد العزيز ولياً للعهد، كما عين محمد بن نايف بن عبد العزيز ولياً لولي العهد، وبذلك يكون أول حفيد للملك المؤسس عبد العزيز آل سعود يقترب بقوة من أن يصبح ملكاً. كما تم تعيين الأمير محمد بن نايف وزيراً للداخلية، وتعيين الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز وزيراً للدفاع.

طمأنة الأسواق
كما سعى العاهل السعودي الجديد لطمأنة الأسواق العالمية والإقليمية، فضلا عن ترتيب أولويات الشؤون الداخلية من خلال الإعلان عن استمرار السياسات الاقتصادية والاجتماعية، والإقليمية والدولية للمملكة. وبهذه التحولات السريعة تنتقل المملكة العربية السعودية إلى مرحلة وعهد جديد بالكامل، بدأ برسمه خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز. وكان حرص الملك سلمان على المحافظة على حسن سير شؤون البلاد واضحا مع الأوامر التي أعلنها التلفزيون الرسمي باستمرار جميع أعضاء مجلس الوزراء في مناصبهم، برئاسة خادم الحرمين، كما صدر أمر ملكي بإعفاء خالد التويجري رئيس الديوان الملكي من مهامه، وتعيين محمد بن سلمان رئيساً جديدا للديون الملكي. وساهمت سرعة الملك سلمان في تفادي الصدمة الناجمة عن رحيل الملك عبد الله، فكانت التغييرات السريعة حاسمة في ضمان استقرار تسيير شؤون المملكة.

خلق الوظائف
داخلياً، وبحسب تقرير لرويترز، من المتوقع أن يركز العاهل السعودي الجديد في سياسته الاقتصادية على خلق الوظائف وتنفيذ مشروعات بمليارات الدولارات في مجال البنية التحتية للحيلولة دون أن يثير هبوط النفط أي توترات اجتماعية أو أن يزعزع الثقة في مناخ الأعمال. ويرث الملك سلمان عن أخيه اقتصادا يواجه أكبر تحد منذ اندلاع الأزمة المالية العالمية في 2009. ويساهم النفط والغاز بنسبة 90 بالمئة من إيرادات أكبر مصدر للنفط في العالم إلا أن تلك الإيرادات تتعرض للانخفاض بفعل هبوط أسعار الخام. وتتوقع حكومة المملكة تسجيل عجز قياسي بقيمة 38.7 مليار دولار في موازنة 2015 في حال استقرار أسعار النفط حول 50 دولارا للبرميل لكن العجز مرشح لتجاوز هذا الرقم بكثير.

وبينما سيعمل العاهل الجديد على إدارة مرحلة الانتقال السياسي خلال الشهور المقبلة، سيتعين عليه أن يتعامل مع تلك الضغوط للحد من معدل البطالة الذي بلغ 11.8 بالمئة العام الماضي بحسب البيانات الرسمية.
يقول عماد مستقي الخبير الاستراتيجي لدى «اكسترات لاستشارات الأسواق الناشئة» إن الملك سلمان قد يواجه الضغوط المتعلقة بضمان الدعم الشعبي عن طريق زيادة رواتب القطاع الحكومي وغيرها من الإجراءات. وأضاف «ربما تشمل تلك الخطوات إجراءات مكلفة مثل منح مساكن مجانية للشباب المتزوجين حديثا أو قروض استهلاكية تتحمل الحكومة تكلفتها.»

ملفات اقتصادية شائكة
لكن اقتصاديين آخرين ورجال أعمال يرون أنه لم يعد لدى المملكة متسعا لمعالجة المشاكل عن طريق الإنفاق لاسيما في وجود مخاطر أن يظل النفط رخيصا لسنوات. يقول جون سفاكياناكيس المدير الإقليمي لشركة إدارة الأصول «أشمور» في الرياض إنه لا يمكن للمملكة أن تلجأ لرفع الإنفاق إلى ما لا نهاية في مناخ يتسم بانخفاض الدخل من النفط.

ولفت سفاكياناكيس إلى موازنة 2015 التي أعلن عنها الشهر الماضي والتي تضمنت ارتفاعا هامشيا للإنفاق الحكومي بنسبة 0.6 بالمئة مقارنة بميزانية 2014 وهي أقل زيادة خلال عقود بل تشمل خفضا طفيفا للإنفاق بحسب المعايير المعدلة على اساس التضخم.

لكنه رجح أن يستمر الإنفاق الحكومي السخي على خلق الوظائف وعلى التعليم من أجل توفير قوة عاملة قادرة على المنافسة وعلى تحديث نظام الرعاية الصحية وعلى تنفيذ المشروعات الضخمة مثل مشروع مترو الرياض البالغة قيمته 22.5 مليار دولار والمتوقع الانتهاء منه بحلول 2019.
والكثير من تلك المشروعات محورية للتعامل مع التحديات طويلة الأمد التي قد يواجهها الملك سلمان ومن بينها كبح جماح النمو الهائل لاستهلاك النفط، كي لا يؤدي لتآكل الإمدادات المتاحة للتصدير وتنويع الاقتصاد بعيدا عن النفط كي تتمكن المملكة من البقاء عندما ينضب النفط بعد عقود من الآن.
وقال سفاكياناكيس «القيادة تعلم أنه سيتعين عليها مواجهة تلك القضايا لضمان مستقبل البلاد. وهناك إجماع على ذلك بالفعل داخل الحكومة.»

إرهابيون يتوعدون
ومع صعود تنظيم داعش الإرهابي التكفيري في العراق وفي سوريا التي تعصف بهما الحرب، اقترب من حدود السعودية تنظيم متشدد توعد باسقاط الأسرة الحاكمة في المملكة. وفي اليمن سيطر الحوثيون على السلطة مما دفع البلاد الى حالة من الفوضى العارمة تفتح المجال أمام تنظيم القاعدة الذي شن تمردا في السعودية في الفترة من عام 2003 الى عام 2006 وكاد يغتال أحد كبار الأمراء عام 2006. والاضطرابات التي تجتاح تلك الدول تجري على خلفية منافسة مريرة بين المملكة العربية السعودية وخصمها الاقليمي إيران.

734 مليار دولار
انخفضت أسعار النفط لأكثر من النصف منذ يونيو/ حزيران الماضي مما قد يجعل المملكة تواجه على الارجح أول عجز في الميزانية منذ عام 2009 وبدأت تتعامل مع مشاكل مع أعضاء آخرين في أوبك يختلفون مع سياستها التي لا تدافع عن الأسعار. وبحسب تقرير من بلومبرغ، تحاول السعودية أكبر مصدر في النفط في العالم حماية حصتها في السوق بالمحافظة على استقرار انتاجها حتى مع هبوط أسعار النفط لأدنى مستوى في 4 سنوات. وفيما يعاني منتجو النفط مثل روسيا وإيران وفنزويلا على اعتبار أنهم أكبر الخاسرين، سيعاني منافسو السعودية الآخرين أيضا بما فيهم شركات حفر النفط الصخري الأمريكيين فيما تنال الدول المصنعة التي تستورد النفط مثل اليابان دفعا قويا لاقتصادها بسبب الأسعار المنخفضة.

ويتوفر في البنك المركزي السعودي أكثر من 734 مليار دولار في الأصول الاحتياطية وفقا لصندوق النقد الدولي. وتعايشت السعودية مع عجز الموازنة في الثمانينيات وحتى أواخر التسعينيات وهي مستعدة لذلك ثانية بحسب تشو.

موقف محسوب
صحيفة الفايننشال تايمز نشرت ما يؤيد هذا التوجه وقالت في تحليل إن انخفاض أسعار النفط في الأسواق الدولية لن يؤثر في المملكة و تقول الفايننشال تايمز إن السعودية اتخذت موقفا محسوبا بدقة، رغم ما فيه من مخاطر، بدعمها انخفاض أسعار النفط إلى نحو 80 دولار للبرميل. واستندت الصحيفة إلى رأي مديرة الطاقة والبيئة في برنامج كارنيجي، ديبورا غوردن، التي ترى أن دعم السعودية لانخفاض أسعار النفط، يسبب مشاكل لغريمتيها روسيا وإيران اللتين تواجهان عقوبات أمريكية وأوروبية.

وتتوقع الصحيفة أن يكون تحمل السعودية لعبء انخفاض أسعار النفط، سهلا باستخدامها احتياطي العملة الصعبة الضخم الذي تمتلكه. وفي الوقت ذاته، تضيف الصحيفة «سيكون انخفاض أسعار النفط بشير خير لاقتصادات الدول الأوروبية والصين، التي هي أكبر زبائن السعودية. كما سيصب موقف السعودية في صالح المستهلك الأمريكي، لأن الولايات المتحدة، وعلى الرغم من ازدهار الغاز الصخري، تبقى مستوردا كبيرا للنفط».

وتهدف الخطة أيضا إلى تأكيد دور السعودية في سوق النفط الدولية، من خلال كبح جماح صناعة الغاز الصخري في الولايات المتحدة والاستثمار فيه، إذ أن انخفاض الأسعار سينعكس سلبا على هذه الصناعة الناشئة. ولكن الولايات المتحدة مرتاحة لهذا الموقف، لأن انعكاساته الإيجابية أكبر من انعكاساته السلبية، فهو بمثابة خفض للضرائب على المستهلك الأمريكي.

إصلاحات بإيقاع أسرع
من المحتمل أن يسرع الملك سلمان من الوتيرة البطيئة لبعض الإصلاحات السياسية وأن يتبنى إصلاحات جديدة تأجلت من قبل لما تتسم به من تعقيدات وحساسية سياسية. فعلى سبيل المثال تعمل المملكة على خلق مزيد من المنافسة في بعض القطاعات مثل الطيران وتتحرك نحو جعل النظام القضائي أسرع وأكثر شفافية في التعامل مع القضايا التجارية كما ستبدأ هذا العام في فتح سوق الأسهم أمام المؤسسات الأجنبية للاستثمار المباشر.

لكن حتى الآن أحجمت السلطات عن تطبيق إصلاحات أخرى مثل خفض دعم الطاقة لتخفيف العبء على المالية العامة للبلاد. كما أن قرار فرض رسوم على الأراضي غير المطورة استغرق سنوات من الدراسة وهو قرار من شأنه أن يمد السوق السكنية بالمزيد من الأراضي وأن يحد من نقص المساكن.

وعلاوة على ذلك فإن أحد الإصلاحات الاجتماعية المحتملة وهي السماح للنساء بقيادة السيارات من شأنه أن يوفر دعما كبيرا للاقتصاد حيث سيجعل عمل المرأة أكثر سهولة وسيشجع على امتلاك السيارات ويقلص الحاجة لتعيين مئات الآلاف من السائقين الأجانب.

سجل ناصع في منجزات عديدة
يتمتع الملك سلمان بالمهارات البيروقراطية للدفع بمثل تلك الإصلاحات. فعندما كان أميرا لمنطقة الرياض لأكثر من 40 عاما عمل مع التكنوقراط والتقليديين لتغيير وجه العاصمة من منطقة صحراوية إلى مدينة كبرى. وكولي للعهد لعب سلمان دورا محوريا في إدارة الاقتصاد على مدى السنوات القليلة الماضية ولهذا تحمل السياسة بصمته ولا يتوقع أحد من الاقتصاديين أن يتخلى سلمان عن نهجه التدريجي التوافقي للإصلاح. تقول مونيكا مالك كبيرة الاقتصاديين لدى بنك أبوظبي التجاري «من المرجح أن يكون الاستقرار والتقدم المستمر الموضوع الرئيسي.»

ومن المرجح أن تظهر الأسواق المالية رضاها عن طريقة إدارة عملية الخلافة. ففي الماضي تراجعت سوق الأسهم السعودية مرارا بفعل شائعات حول وفاة الملك عبدالله. وأعلن الملك سلمان في ذات يوم توليته تعيين أخيه غير الشقيق الأمير مقرن وليا للعهد ليقضي بذلك على أي مخاوف تتعلق بعدم الاستقرار السياسي. يقول سفاكياناكيس «من المرجح أن تتعامل سوق الأسهم بشكل إيجابي للغاية مع الطريقة السلسة لإدارة قضية الخلافة.»

متغيرات على الأبواب
المتغيرات الكبرى على أبواب السعودية والمتمثلة بالصعود الحوثي المدعوم من إيران إلى السلطة في اليمن، التي كانت تعتبر حتى الآن الباحة الخلفية للرياض». لذلك أصبحت الحدود الآمنة جوهرية بين التحديات التي يواجهها العاهل السعودي الجديد، إذ لا تفصل سوى عشرات الكيلومترات بين المملكة ومواقع تنظيم داعش في العراق».

يرجح كثيرون في ملف العلاقات السعودية - الأميركية، أن يتبخر الفتــــور بين السعودية والإدارة الأميركية من خلال مراعاة الموقف السعودي الذي يدرك أبعاد كل قضية وأسلوب معالجتها. ويرتبط العاهل السعودي بالولايات المتحدة بعلاقات شخصية ورسمية وطيدة كذلك هو الحال مع الأمير محمد بن نايف ولي ولي العهد ووزير الداخلية، والأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز وزير للدفاع. أما على صعيد العلاقات السعودية الخليجية والعربية فلا يتوقع أيضا حدوث تغيير في توجهات السياسة السعودية إزاء الملفات الإقليمية الساخنة، خصوصاً في اليمن والعراق وسوريا وإيران والبحرين، كذلك هو الحال مع الملفات الخارجية ستواجه بسياسات ثابتة تتبناها السعودية وفقا لثوابت معروفة منذ وقت طويل.