لاحظنا أنك تحجب الإعلانات

واصل دعمك للصحافة اللائقة بتعطيل أدوات حجب الإعلانات

في حال وجود استفسار عن سبب ظهور هذه الرسالة ، اتصل بنا

حجم الخط

- Aa +

Mon 16 Feb 2015 01:43 PM

حجم الخط

- Aa +

ميادين القتل

خلال العقدين الماضيين، أخذ الدكتور ديفيد نوت جراح الإصابات إجازة غير مدفوعة الأجر لمدة 8 أسابيع من كل عام للعمل في مناطق الحروب في العالم. وقد ساهمت العمليات التي كان يجريها في ظروف رهيبة وأخطار غير مسبوقة في الإنقاذ الفعلي لآلاف من الأرواح. ولكن بعد أن قضى الصيف الماضي في غزة وسوريا، يوضح لنا أسباب عدم استعجاله العودة إلى هناك مجدداً

ميادين القتل

يعترف الدكتور ديفيد نوت، أحد جراحي الإصابات الرواد عالمياً في العمل في مناطق الحروب، بأن الصيف الماضي، كاد أن يكون آخر فصول الصيف في حياته.

فقد كانت الأسابيع التي قضاها مخيماً داخل مدينة حلب السورية، يقوم بإجراء العمليات الجراحية البطولية الواحدة تلو الأخرى وفي أصعب الظروف، مليئة بالمخاطر التي تظهر كل لحظة، ليلاً ونهاراً. فحتى الكوادر الطبية معرضة للاستهداف في هذه الحرب الأهلية التي تعتبر أسوأ حرب من نوعها في التاريخ المعاصر والتي قدرت الأمم المتحدة بأن عدد ضحاياها تجاوز 200,000 قتيل منذ عام 2011. فقد قتل حوالي 500 شخص من الكوادر الطبية خلال العامين الماضيين في حلب وحدها، وكان عدد الأطباء المتواجدين حوالي 2,000 طبيب انخفض عددهم إلى حوالي 40 فقط في الوقت الراهن، وهم يعملون على مدار الساعة في انقاذ الآلاف من المصابين جراء الحرب الدائرة هناك.

وخلال صيف 2014، كان الدكتور نوت أحد هؤلاء الأطباء. وقد اقنعه ما شاهده خلال سنته الـ 20 من السفر إلى مناطق الصراعات بأمرين: أنه كان محظوظاً بالخروج من تلك المناطق حياً، وأنه لن يستعجل العودة إلى هناك.

بالنسبة لرجل قام بعمليات جراحية مليئة بالمخاطر على غرار شخصية «إنديانا جونز»، لقدرته على إجراء العمليات في أكثر المناطق خطورة والأماكن التي لا يتوفر فيها سوى الحد الأدنى من التجهيزات الطبية في العالم، فقد احتاج الأمر إلى أسابيع قليلة في أكبر المدن السورية لإقناعه أن العودة إليها يشكل خطراً بالغاً.
وهو يعتقد أنه حصل على لقب جراح «إنديانا جونز» خلال عمله في الكونغو، عندما بتر ذراع رجل من خلال اتباعه لتعليمات جاءته عبر رسالة نصية، وهذا يمكن أن ينطبق على كافة «رحلات الواجب» التي قام بها خلال العقدين الماضيين. وقد أخذ الدكتور نوت الذي يعمل جراحاً للإصابات والأوعية الدموية في 3 مستشفيات في لندن، 6 إلى 8 أسابيع سنوياً كإجازة غير مدفوعة الأجر خلال السنوات العشرين الماضية للعمل في مناطق الصراع.

وقد قال الدكتور نوت: «لقد عملت في جميع أنحاء العالم: سيراليون، ليبيريا، ساحل العاج، تشاد، ومرتان في كل من دارفور والكونغو، اليمن، ليبيا، وثلاث مرات في أفغانستان، باكستان (الجبهة الشمالية الغربية) ومرتان في غزة وثلاث مرات في سوريا.»
وهو يتذكر بوضوح كيفية انخراطه بهذا النشاط، ويستذكر بشكل خاص محطتين رئيسيتين في حياته.

حيث قال: «قبل سنوات عديدة، شاهدت فيلماً مع والدي يدعى «ميادين القتل» (The Killing Fields) وكان من أكثر الأمور روعة. ففي ذلك الفيلم، كان هنالك مستشفى يقوم بعمليات الإنقاذ – اللجنة الدولية للصليب الأحمر- وكنت كولد صغير أفكر بأنني حقاً أرغب أن أعمل في ذلك المجال».
وبعد تأهله كطبيب، عادت تلك المشاعر لتتقد مرة أخرى عندما شاهد الأعمال الوحشية التي حدثت في سراييفو معروضة على التلفزيون، وقد شعر في تلك اللحظة بنداء يدعوه للذهاب إلى هناك وتقديم المساعدة.

ويستذكر الدكتور نوت: «لقد كنت أشاهد أحد البرامج التلفزيونية حول البوسنة والأمور الرهيبة التي تحدث فيها، وخطرت لي فكرة الذهاب إليها وتقديم المساعدة. وفي فترة أعياد الميلاد لعام 1993، قررت الذهاب ومعرفة ما إذا كان بإمكاني الانضمام إلى منظمة أطباء بلا حدود، وذلك ما حدث فعلاً. بعد ذلك ببضعة أسابيع، انتقلت للعمل في البوسنة، وكان من المفترض أن أعمل هناك لمدة أسبوعين، ولكنني بقيت 5أسابيع.»

وأضاف قائلاً: «لقد أحببت كل دقيقة قضيتها هناك، وأحببت كوني قادرا بالفعل على استخدام مهاراتي لمساعدة الناس في مناطق الحروب، وعادة ما أخبر الناس أن هذا الضوء قد اتقد في رأسي، ولم أعد قادراً على إطفائه.»

هنالك أناس ربما بالآلاف ممن هم ممتنون لاستمرار الدكتور «نوت» في نشاطاته، ومن ضمنهم أناس من غزة التي قدم لهم العلاج فيها خلال القصف المكثف بالقنابل على مدار ثلاثة أسابيع في الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة قال الدكتور «نوت» الذي غادر غزة التي مزقتها الحرب وتلقى تقديرا واسعا نتيجة لأعماله البطولية هناك: «في أحد الأيام وعندما كنا في مدينة غزة – الأمر الذي أصفه بالرؤيا- تلقينا 700 قذيفة قادمة من جهة البحر و400 قذيفة دبابة وحوالي 15 أو 16 قنبلة ألقتها طائرات F15 في ليلة واحدة. وكان المكان الذي نحن فيه يهتز لكثافة القصف الشديد.»

خلال حديثه في حفل جوائز الإنجازات لمجلة أريبيان بزنيس الذي تلقى فيه جائزة العمل الإنساني السنوية، قدم الدكتور نوت تفاصيل جهوده في مناطق الصراعات وكيفية العمل في تلك الظروف الرهيبة، وتلقى بعدها تحية كبيرة بوقوف الجمهور وقيامه بتصفيق حاد ومتواصل له. كما تضمنت كلمته تفاصيل حول تجاربه في سوريا التي أمضى فيها فترات مختلفة على مدار 12 شهراً، حيث قال: «سوريا في عام 2014 تختلف بشكل كبير عن سوريا في 2013 فقد وصلت إلى حالة أسوء. ففي عام 2013 كان هناك العديد من الإصابات بالبنادق ومن قبل القناصين في حلب، وكان يصلنا 10 إلى 12 شخصاً مصاباً في اليوم الواحد. أما في عام 2014، فكان الوضع أسوء بكثير، فقد كان يتم إسقاط 10 براميل متفجرة في اليوم.»

كان يتم إسقاط البراميل المتفجرة، وهي أوعية معدنية تحتوي على 500 كيلوغراماً من مادة «تي ان تي» من طائرات الهيلوكوبتر على المناطق السكنية دون إنذار حقيقي، سوى صوت الطائرة وهي تحوم. واضاف : «لقد كان الناس منكوبين كلياً، وتواجد حوالي 2 مليون شخص في جزء من المدينة خلال عام 2013، أما ما تبقى منهم اليوم فهم حوالي 400,000 شخص فقط. وكانت تصلنا 20 أو 30 وفاة أسبوعياً إلى جانب أعداد كبيرة من الجرحى.»

غالباً ما تؤدي البراميل المتفجرة إلى فقدان الأطراف، إلا أن المساعدات الطبية المتوفرة كانت محدودة الموارد بشكل كبير. وقال الدكتور نوت الذي كان أحد الغربيين القلائل في المدينة إلى جانب بعض الصحفيين: «كانت المرافق الطبية عبارة عن مستشفيات ميدانية وكانت تفتقر إلى التجهيزات والأموال.»

«لقد كنت هناك في شهر سبتمبر عندما قتل عامل الإغاثة البريطاني «آلان هانينيغ» وقطع رأسا أمريكيين آخرين. عندما تكون موجوداً هناك وتسمع بهذه الحوادث التي تقع على مسافة 20 كم من موقعك، فإنه يكون أمراً مروعاً بالنسبة لكيفية قضاء الوقت هناك ومساعدة الناس وهذه الأحداث تدور من حولك». في عام 2013، كان نوت واحداً من ثلاثة أطباء بريطانيين ممن عملوا في سوريا، ولكنه الوحيد الذي عاد إلى موطنه حياً. فقد قتل الدكتور عباس خان، جراح العظام، في أحد السجون السورية، وتوفي الدكتور عيسى عبد الرحمن عندما ضربت قذيفة هاون المستشفى المؤقت الذي كان يعمل فيه.

وفي العام الماضي وبعد عودته من سوريا بقليل، قتل طبيب تخدير عمره 21 عاماً وصديقه في شارع يعرفه الدكتور نوت وكان يستخدمه خلال تواجده هناك. «لقد كنا دائماً نذهب من طرف المدينة إلى الطرف الآخر متنقلين بين ثلاثة مستشفيات كان يتم استهدافها من الطائرات. كيف نجوت من ذلك؟ لا أعلم. لقد قتلوا في نفس الشارع الذي كنا نسلكه عادة، بواسطة براميل متفجرة تلقيها طائرات الهيلوكوبتر". حسب قول الدكتور نوت.

كما قال الدكتور نوت إن ما يمكن أن يساعد المرء في النجاة من حوادث مناطق الحروب، هو الالتزام باتباع قواعد معينة. «عليك أن تدرك الوضع الذي أنت فيه وفهم خطورته، لا تعرض نفسك للمخاطر بأي شكل. وإذا وصلت إلى حاجز تفتيش، لا تنظر إلى وجه أي شخص بشكل مباشر ولا إلى عيونه – أنظر دائماً إلى الأسفل. لا تقم بأي اتصال بصري – لأنك إن قمت بذلك، فإنهم سيأتون إليك.

«مرةً عندما كنت في الكونغو، قمت مصادفة باتصال بصري مع أحد الأشخاص الواقفين على حاجز التفتيش، وقد وضع فوهة بندقيته على رقبتي لمدة 5 دقائق، شعرت أنها 5 سنوات.»

لم يقتصر الأمر على الاحتكاك بالمسلحين. فقبل عامين في سوريا، وجد الدكتور نوت نفسه يجري عملية في مستشفى مؤقت لأحد مقاتلي تنظيم "داعش". «لقد كان لدينا مصاباً من أحد مقاتلي داعش، وقد جلبه طبيب شاب أحد أصدقائي الجراحين إلى غرفة العمليات وكانت الحالة من خارج اختصاصه، لذلك دعاني للحضور. لم أكن أعتقد أنه على علم بأنه أحد مقاتلي تنظيم داعش ولم أكن أعلم بذلك أيضاً. ولكننا أجرينا العملية له وفجأة امتلأت غرفة العمليات بخمسة من مقاتلي داعش مع أسلحتهم الكلاشينكوف مرفوعة، وكان أحدهم يراقب ما كنا نفعله.

«لو علموا أنني بريطاني، ربما كانت النهاية، ولكنني أبقيت رأسي منخفضاً وأجريت العملية. تحدث إليهم الطبيب الشباب، وكانوا من الشيشان، عما كنا نقوم به وطلب منهم عدم إزعاج الجراح لأنه يحتاج إلى التركيز". على حد قوله.

ومع تضاءل حماس الدكتور نوت للسفر إلى مناطق الحروب، كانت السنة 2014 نقطة تحول بالنسبة له. فبينما كان يؤدي أعمالاً بطولية في غزة وسوريا وينشغل كثيراً بعمله، كان هنالك شخص قريب جداً له يشعر بقلق كبير حيال عودته سالماً إلى الوطن – هذا الشخص هو الفتاة التي يحبها. وكونه طفلا وحيدا لوالدين قد توفيا، لأول مرة منذ 20 عاماً من السفر إلى الخارج هنالك شخص يأخذه الدكتور نوت بالاعتبار غير نفسه.

حيث قال: «أعتقد أن هذه السنة كانت أكثر صعوبة، لوجود شخص ما في الوطن يعاني، أعتقد أنها كانت سنة سيئة. فعندما يكون هنالك شخص في الوطن ينتظرك ويتابع الأخبار طوال الوقت ويشاهد كل هذه الأحداث، فإن الأمر غير مريح ابداً. وأشعر بالأسف الشديد حيالها.»

كما يستذكر قائلاً: «الهواتف لم تكن تعمل، ولم يكن هنالك أي شيء يعمل لأنني لم أخبر احداً عن مكاني أو عن الأشخاص الذين أعمل معهم، وقد كنا نحصل بين الحين والآخر على شبكة «واي فاي» أو إنترنت. وأتذكر أنها أرسلت لي رسالة إلكترونية تقول أنها تجلس على أرضية المطبخ وتبكي بحرقة قبل أسبوع من عودتي. وكان ذلك في الوقت الذي قتل فيه «آلان هانينغ».

على الرغم من التزام الدكتور نوت تجاه مساعدة الناس في مناطق الحروب والكوارث، إلا أن تركيزه تحول نحو تدريب الآخرين من خلال نقل خبراته الكبيرة إلى الجيل الجديد من الأطباء والجراحين الموهوبين. خلال العامين الماضيين، عقد دورة تدريبية في كلية لندن الملكية للجراحين لتدريب الناس حول التعامل مع المصابين في مناطق الحروب. تم عقد هذه الدورة ثلاث مرات وتم حجز مقاعدها بالكامل، وقد شجعه الطلب على أنشاء مؤسسة الدكتور نوت. فقد قال: «هنالك أطباء يحبذون هذا النوع من الجراحة، ولكن بدلاً من الذهاب إلى مناطق الحروب لمدة ستة أسابيع والإصابة خلال محاولتهم مساعدة الناس، إنها معالجة قصيرة وحادة وصادمة.»

وأوضح الدكتور نوت أن فريقاً صغيراً يتكون من طبيب تخدير وجراح وأخصائي توليد وممرض، ممن تلقوا تدريباً على مهارات العمل في مناطق الحروب، يمكن أن يذهبوا لتدريب نظراءهم المقيمين في المناطق التي تعاني من الحروب. «هذا أمر مختلف عما كنت أقوم به، وسيمنحهم كافة المهارات» قال الدكتور نوت.
لقد تم تعيين مدير تنفيذي للمؤسسة وهو يعمل حالياً للحصول على التمويل اللازم للنهوض بها.

كما أفاد: «يعتبر هذا الأمر مهماً لمستقبل العمل الجراحي في الحروب. ولا يعتمد على وضع شخص ما لمدة ستة أسابيع في ظروف صعبة يمكن أن يتعرض للإصابة خلالها – بل على وضع أناس لعدة أيام لتعليم الأطباء المحليين حتى يتمكنوا من الاستمرار والقيام بعمل جيد.»

«وسوف يرتبط ذلك بمؤسسة الدكتور نوت في المملكة المتحدة، وهنالك أفراد سيقومون بالإجابة على الأسئلة وتقديم الدعم.»

سوف تركز المؤسسة على المعرفة التي اكتسبها خلال 20 عاماً من العمليات الفعلية في مناطق الحروب حول العالم.

وفي ضوء المستقبل الذي يقوم هو بتخطيطه والفصل الجديد الذي يكتبه في قصته، ربما يكون هذا هو الوقت المناسب لينجو من «ميادين القتل».