لاحظنا أنك تحجب الإعلانات

واصل دعمك للصحافة اللائقة بتعطيل أدوات حجب الإعلانات

في حال وجود استفسار عن سبب ظهور هذه الرسالة ، اتصل بنا

حجم الخط

- Aa +

Thu 12 Sep 2013 12:34 PM

حجم الخط

- Aa +

الثقافة.. مشاركة أم بيع؟

أثيرت منذ مدة قضية حساسة عادت إلى الواجهة مجدداً مع تزايد وتيرة الانتهاكات المتعلقة باستنساخ الآثار المصرية التي باتت تستخدم كعلامات تجارية في العديد من دول العالم، وهو ما يعتبر اختراقاً واضحاً للاتفاقيات الدولية المعنية بحقوق الملكية الفكرية.

الثقافة.. مشاركة أم بيع؟
نضال أبوزكي

أثيرت منذ مدة قضية حساسة عادت إلى الواجهة مجدداً مع تزايد وتيرة الانتهاكات المتعلقة باستنساخ الآثار المصرية التي باتت تستخدم كعلامات تجارية في العديد من دول العالم، وهو ما يعتبر اختراقاً واضحاً للاتفاقيات الدولية المعنية بحقوق الملكية الفكرية.

وتتمثل خطورة هذه القضية، القديمة الجديدة، في الدرجة الأولى في تكبيد الاقتصاد المصري خسائر فادحة جرّاء تراجع العائدات السياحية المحلية في الوقت الذي يتم فيه تحقيق أرباح ضخمة في الخارج من الاتجار في التاريخ المصري عبر نماذج مستنسخة من الآثار الفرعونية.

ولعلّ مدينة لاس فيغاس الأمريكية تقدّم مثالاً حياً لعمليات القرصنة الرامية إلى خلق نسخة جديدة من مدينة الأقصر التاريخية التي تعتبر قبلة سياحية من الدرجة الأولى. وفي انتهاك آخر واضح للحقوق الفكرية والحضارية والإنسانية، حققت شركة أوروبية أرباحاً بقيمة نصف مليار جنيه مصري، لقاء عرض نماذج مقلدة طبق الأصل لآثار الفرعون توت عنخ آمون، المتواجدة ضمن المتحف المصري، في عدة مدن دون أن تحصل مصر على أي عائد. ولا يتوقف مسلسل انتهاك حرمة الحضارة المصرية عند هذا الحد، وإنما يتجاوز ذلك إلى اختراق الحفريات الأثرية والمكتبات القومية والمتاحف للحصول على المخطوطات التي تنتهي في الغالب في صالات المزادات العالمية لتباع بعدة ملايين أو ربما مليارات من الدولارات، مكبّدةً التراث الإنساني خسارة لا تعوّض.

وتُعيد المعطيات الراهنة إلى أذهاننا ازدواجية الغرب الذي يعتمد منطق "الكيل بمكيالين" إزاء التعامل مع حقوق الملكية الفكرية وحقوق التأليف في العالم العربي. فالمعايير الغربية المزدوجة تشرّع استغلال الثقافة والتراث والحضارة العربية دون الأخذ بالاعتبار أي حقوق مادية أو فكرية، في الوقت الذي تطالب فيه باحترام الاتفاقيات الدولية التي تحتم تقديم مردود مالي لقاء الاستفادة، ولو بشكل بسيط، من أي صيغة من صيغ الإبداع الثقافي أو الحضاري أو الأدبي الغربي. وتدفعنا هذه الازدواجية إلى التساؤل عن جدوى الاندماج الثقافي والحضاري والإنساني الذي يدعو إليه الغرب تحت مظلة العولمة.

ولعلّ الحديث عن مشروع إصدار قانون لحماية حقوق الملكية الفكرية للآثار المصرية يدفعنا إلى التفاؤل حيال وضع أسس واضحة من شأنها ضمان حق مصر مادياً و أدبياً في استخدام الآثار المصرية سواء على شكل نماذج مقلدة أو شعارات أو علامات تجارية، والأهم الحدّ من الإتجار بالحضارة الفرعونية سواء في الداخل أو الخارج، أسوة بالأعمال الإبداعية الفنية والأدبية والموسيقية في أنحاء العالم.

ولا بدّ لنا في هذا السياق من الاستفادة من تجربة الغرب في حماية الإبداع الموسيقي وحقوق التأليف والتي تبلورت في مطلع القرن العشرين مع تأسيس جمعية المؤلفين الموسيقيين الأمريكان والمؤلفين والناشرين "آسكاب" (ASCAP) التي تضمن دفع حقوق مالية لكل من المؤلف الموسيقي والناشر لقاء كل أغنية أو مقطوعة موسيقية تعزف في مكان عام أو تبث عبر الأثير. ونجحت الجمعية في أربعينيات القرن الماضي من تحقيق 4.5 مليون دولار سنوياً لأعضائها، وهو رقم وصل إلى 576 مليون دولار خلال العام 2000. وعلى الرغم من القوانين الصارمة المتبعة لحماية حقوق المؤلفات الموسيقية، إلاّ أنّ حماية الحقوق الحضارية والإنسانية للمقتنيات الأثرية تبقى تحدٍ حقيقي في ظل غياب الوعي الأثري في مجتمعاتنا.

إذن، دائماً ما يركّز الغرب على حماية حقوق الملكية الفكرية لأهم الإبداعات الثقافية وأبسطها على السواء. وفي الوقت ذاته، يتجاهل صون التراث الثقافي والإنساني للحضارة العربية التي تتمتع بآثار تاريخية تشكل جزءاً هاماً من التراث العالمي تتطلب منا توحيد الجهود للحد من الانتهاكات الجارية على مستوى التهريب والاتجار والاستنساخ والتي تكبّد اقتصاداتنا خسائر لا يُستهان بها.