لاحظنا أنك تحجب الإعلانات

واصل دعمك للصحافة اللائقة بتعطيل أدوات حجب الإعلانات

في حال وجود استفسار عن سبب ظهور هذه الرسالة ، اتصل بنا

حجم الخط

- Aa +

Thu 23 May 2013 11:43 AM

حجم الخط

- Aa +

المال يخدم ولا يحكم!

إلى الآن، وفي غضون شهرين فقط، استطاع بابا الفاتيكان الجديد البابا فرنسيس أن يرسي نمطا أكثر تواضعا لكرسي البابوية، كما استطاع بخلاف غيره من البابوات أن يضع النقاط على الحروف على الأقل في مسألة واحدة علاقة الفقر العالمي بالاقتصاد العالمي. دعونا نستمع إلى ما قال، وهو في غاية الأهمية.

المال يخدم ولا يحكم!

إلى الآن، وفي غضون شهرين فقط، استطاع بابا الفاتيكان الجديد البابا فرنسيس أن يرسي نمطا أكثر تواضعا لكرسي البابوية، كما استطاع بخلاف غيره من البابوات أن يضع النقاط على الحروف على الأقل في مسألة واحدة علاقة الفقر العالمي بالاقتصاد العالمي. دعونا نستمع إلى ما قال، وهو في غاية الأهمية.

فأولاً ومنذ توليه هذا المنصب الديني الرفيع في مارس/آذار الماضي، ابتعد البابا الجديد عن الملابس التقليدية المزخرفة، كما أصر على العيش في دار للضيافة، بدلا من القصر الرسولي. وبالأمس انتقد البابا فرنسيس حرفياً وبالاسم، ودون أية مواربة "الرأسمالية المتوحشة" وذلك أثناء زيارة قام بها إلى مطعم (هدية ماريا) الذي يقدم الطعام مجانا للفقراء عند أسوار الفاتيكان، ودعا خلالها إلى إحياء قيم الكرم والإحسان. ولقد قال البابا حرفياً "علمتنا الرأسمالية المتوحشة منطق الربح بأي ثمن والعطاء من أجل الحصول على مقابل وعلمتنا الاستغلال دون التفكير في الناس ... ونحن نرى النتائج في الأزمة التي نشهدها". ولم ينسى البابا أن يقوم بتحية الرجال والنساء القادمين إلى مطعم (هدية ماريا).

ليس هذا فحسب، بل أن البابا الأرجنتيني المولد، أي القادم من دولة للفقراء، والذي هو أول رئيس غير أوروبي للكنيسة الكاثوليكية منذ مئات السنين، كان قد دعا الأسبوع الماضي إلى عملية إصلاح مالي شاملة لعالم اليوم المتخبط بالأزمات، كما أدان بشدة وبالحرف الواحد "ديكتاتورية الاقتصاد" و"عبادة المال".وقال البابا في السابق أنه يريد أن تدافع الكنيسة الكاثوليكية التي يتبعها نحو 1.2 مليار شخص عن الفقراء وأن تكون هي نفسها أكثر تقشفا. ليس هذا فحسب بل أن البابا الجديد طالب في أول حديث هام يدلي به حول القضايا الاجتماعية بـ "إصلاح مالي أخلاقي ينتِج بدوره إصلاحاً اقتصادياً يستفيد منه الجميع". وأضاف "يبدو أن الأزمة العالمية التي يعاني منها الاقتصاد والمالية، تكشف تشوه كل منهما وافتقادهما إلى الآفاق الأنثروبولوجية، ما يجعل الإنسان مقتصراً على واحدة فقط من احتياجاته: الاستهلاك، بينما يُبعِد كل من الديون والائتمان، الدول عن اقتصادها الواقعي، والمواطنين عن قوتهم الشرائية الحقيقية". وأضاف أن "الأسوأ من ذلك، هو أن الكائن البشري في حد ذاته، بات سلعة استهلاكية في الامكان استخدامها ثم رميها". كما تحدث البابا من جهة أخرى عن أخلاقيات غير إيديولوجية "يمكنها، من وجهة نظره، خلق توازن ونظام اجتماعي أكثر إنسانية".

وقال البابا أن هذا يستدعي تغيير مفاهيم القادة السياسيين الذين دعاهم فرنسيس إلى "مواجهة هذا التحدي بحزم وبُعد نظر، مع الانتباه بالطبع إلى تميز الأطر التي يعملون فيها". وقال البابا أن المال "يجب أن يخدم.. لا .. أن يحكم". وفي وقت سابق أيضاً ندد البابا فرنسيس ب"شهوة المال" و"بديكتاتورية اقتصادية من دون وجه، ولا هدف إنساني حقيقي"، معربا عن أسفه "لتحول القيم والتضامن إلى مفاهيم مزعجة في المجتمعات الحاضرة". وفي توصيفه للمنعطف الحالي في التاريخ، اعتبر البابا أن جزءاً كبيراً من سكان العالم يعيشون اليوم في ظروف معيشية رديئة بشكل يومي، مشيرا الى الخوف واليأس اللذين يتملكان قلوب كثيرين حتى في البلدان الغنية والفقر الذي يصبح صارخاً أكثر يوما بعد يوم. ولم يخشى البابا أن يقول بكل صراحة ودون أية مواربة أن أحد أسباب الوضع الراهن هي "العلاقة التي نقيمها مع المال". وأشار إلى أن الازمة المالية العالمية الراهنة مردها إلى "أزمة انتروبولوجية عميقة تزامنت مع ظهور أصنام جدد تتمثل في "شهوة المال وديكتاتورية اقتصاد من دون وجه ولا هدف إنساني حقيقي". وعزا هذا الوضع إلى "إيديولوجيات تروج للاستقلالية المطلقة للأسواق وإلى المضاربة المالية، مع حرمان الدول من حق الرقابة". كما وجه انتقادات الى الأوضاع القائمة على "الفساد المستشري والتهرب الضريبي الأناني اللذين اتخذا أبعادا عالمية". في الواقع هذه هي مواطن الخلل الاقتصادي والاجتماعي في عالم اليوم. وهذه كلمة حق لا بد من قولها إنصافاً للرجل.