لاحظنا أنك تحجب الإعلانات

واصل دعمك للصحافة اللائقة بتعطيل أدوات حجب الإعلانات

في حال وجود استفسار عن سبب ظهور هذه الرسالة ، اتصل بنا

حجم الخط

- Aa +

Wed 26 Jun 2013 07:41 AM

حجم الخط

- Aa +

لتعرف تركيا تعرَّف على صناعتها

تركيا ربما هي أحجية العالم. فهي دولة ليس بها احتياط نفطي لكن صناعاتها في تطور دائم ومنافس لدول كانت تسبقها بمراحل. كما أن اقتصادها تفادى الانهيار المالي العالمي الذي عصف باقتصاديات مثيلاتها. وتركيا الآن تسير في مقدمة الدول المؤثرة في السياسة العالمية. فما الذي يحركها؟

لتعرف تركيا تعرَّف على صناعتها
زوار معرض WIN يستفيدون بشكل كبير من تلبية الصناعيين الاتراك لمتطلباتهم الخاصة بدون زيادة التكلفة بشكل كبير
لتعرف تركيا تعرَّف على صناعتها
من أكبر التحديات التي يواجهها الزوار هو قلة المتخاطبين باللغة الانجليزية وهي لغة الأعمال عالمياً

تركيا ربما هي أحجية العالم. فهي دولة ليس بها احتياط نفطي لكن صناعاتها في تطور دائم ومنافس لدول كانت تسبقها بمراحل. كما أن اقتصادها تفادى الانهيار المالي العالمي الذي عصف باقتصاديات مثيلاتها. وتركيا الآن تسير في مقدمة الدول المؤثرة في السياسة العالمية. فما الذي يحركها؟

يدرك ا لمسافر حجم تركيا من أول نظرة لأكبر مدنها, وهي استطنبول التي تربط أوروبا بآسيا في واحدة من أهم النقاط البحرية التاريخية والتجارية بين القارتين. تستفيد تركيا من موقعها الاستراتيجي ولقد نجحت في السنوات الماضية الأخيرة باستغلال ذلك بشكل أكبر مع تقربها من الشرق وتقليل انشغالها بمسألة الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي, بعد أن واجهت بروداً من أعضاء النادي الأوروبي في مساعيها للإنضمام.

وهاهي الآن أكثر ثقة بنفسها وأقل حاجة للتقرب غرباً بعد أن أثبتت صناعاتها وقوتها التصديرية أن التطور يأتي من إنجازات الداخل ومن السياسات الاقتصادية المساندة للصناعة والتجارة الخارجية والتطوير. وليس هناك وقت أو موقع أكثر دلالة عن تطور ثوابت الاقتصاد التركي من معرض المنتجات التي تستتحدم من قبل المصنعيين في تركيا. وكان لنا لقاءات في معرض WIN 2013 في بداية هذا الشهر.

فمايراه زائر هذا المعرض للصناعة والذي أقيم في اسطنبول هو ماقد رآه زائر لمعرض صناعي في شانجهاي في الصين قبل عدد من السنين وقبل انطلاق هذا العملاق الصناعي بشكل كبير في عالم نظم التصنيع المعقد. وما يراه الزائر هو بصيص يشير على بزوغ قدرة صناعية متجددة في دولة اشتهرت في معظم العقود السابقة بالزراعة وصناعة الألبسة الجاهزة لشركات في دول أوروبية غربية.

يجمع المعرض, وهو مقام من قبل الشركة العالمية لإقامة المعارض دويتشه ميسيه وورلدوايد Deutsche Messe Worldwide, مصنعين لآلات صممت لتصنيع الأدوات والماكنات التى يعتمد عليها مصنعو منتجات الأسواق, سواء كانت تلك أحذية أوخزانات مياه أوحتى محركات سيارات. حضر المعرض كثيرون من خارج تركيا كما ألغى كثيرون أيضاً حجوزاتهم خوفاً من تفاقم أزمة المتظاهرين في ساحة تقسيم, مع أن هذا الحراك كان محصوراً في منطقة صغيرة من اسطنبول ذات الـ20 مليون نسمة تقريباً.

«الكثير ممن يشترون معدانتا الصناعية يأتون من السعودية والشارقة, حيث هناك صناعات قوية وطلب قوي ولشركتنا ممثلون نشطون» يقول باريش كارداس من شركة جيفراكي التي تصنع ماكنات تسوية وطي للمعادن ويستخدمها الكثيرون في تصنيع خزانات المياه والوقود. صادف في جناح هذه الشركة وجود ممثل عن شركة لبنانية تصنع شاحنات خزانات المياه والوقود. كان هذا الممثل قد بدأ يفقد الأمل في إيجاد ماكينة بسعر معقول تمكنه من طي الحديد بشكل مقعر ومستدير إلى أن وصل جناح هذه الشركة, حيث أخبره المهندس المسؤول عن قدرتهم على تلبية كامل طللباته. «هكذا هي الشركات التركية ولهذا فقد نجحوا في تطوير صناعتهم بشكل أسرع، فلايوجد لديهم مستحيل وهم مستعدون على التغيير والتحول في صناعتهم لتلبية أصعب الطلبات المقدمة لهم من قبل الزبائن». هذا ما قاله دانييل عبود, مدير عام شركة كارلاما, وهي شركة تابعة لشركة كاروسيري أبي لاما اللبنانية, والتي يعود نشاطها الصناعي في صناعة ناقلات المياه والوقود لما قبل نصف القرن الماضي, وهي شركة لها نشاط يغطي أسواق الشرق الأوسط وأفريقيا وأجزاء من أوروبا. فعلاً, بعد ساعتين من المناقشة في متطلبات الشركة اللبنانية وعد عبود المهندس التركي بارسال مختص مهني من قبلهم خلال أسبوعين لتحديد المواصفات بشكل دقيق للماكينة المراد تصنيعها.

في قسم آخر من المعرض يوجد أجنحة لدول أخرى من ألمانيا إلى إيطاليا إلى الهند وكوريا وآخرين, ولكن المساحة المحتلة من قبلهم كانت جزءاً قليلاً جداً من إجمالي مساحة المعرض. أغرب ماوجده الصناعي اللبناني عبود, حسبما قال, هو ألة من شركة لايـفـِلد Liefeld الألماينة والتي تصنع آلات لتشكيل المعادن بأقل هدر ممكن للمعدن والطاقة وبسرعة فائقة عند تشكيل قطع غيار أو منتجات لا تتعدى ربع دقيقة.

«يمكنك البدء بمصنع كامل متكامل بهذه الآلة فقط ولسعرها المنخفض أنا فعلاً مندهش» علق عبود قائلاً. وفي جناح لايـفـِلد يتم عرض المنتجات التي قامت الشركة بتصنيعها من الألمنيوم كالعجلات التي تستخدم في السيارات الرياضية والصندوق المستخدم لاحتواء تروس تغيير السرعة وأدوات أخرى منها موسيقية كصاجة Zildjian في آلة الطبل الغربية, وهي من أشهر الماركات العالمية.

كان التواصل مع الشركة الألمانية وشركة إيطالية تصنع التروس الصغيرة للماكنات هو الأسهل نظراً لتمكنهم من اللغة الإنجليزية وفي بعض الأحيان بطلاقة تامة. للأسف معظم الشركات التركية لم يكن لديها من يتحدث باللغة الإنجليزية وكانت الشكاوى من الزوار كثيرة.

«كم كنت أود لو كان بمقدوري قراءة المجلات الصناعية التركية المتوفرة في المعرض باللغة الانجليزية أو الفرنسية، فأنا لا أتحدث التركية والظاهر أنه يجب أن أتعلمها إذا تطور عملنا مع الأتراك» يقول عبود. وتكررت هذه الشكوى من الكثيرين في المعرض من جميع الجنسيات.

النقص الحاد في من يتكلم اللغة الانجليزية في قطاع الصناعة التركية هو شيء غريب فعلاً وذلك للقدرة التنافسية الموجودة بالرغم من هذا النقص. «ليست اللغة المحرك الأهم لاقتصاديات الدول والأمثلة كثيرة, من الصين لليابان لألمانيا ولفرنسا لم يكن التمكن من اللغة الانجليزية محرك التطور والابداع. وفي اعتقادي أنه لربما على عكس ذلك: من يتمسك بلغته الأم وبقوة وينشطها لتلائم المتغيرات هو من ينجح من بين الأمم» يقول فتحي الجغبير وهو من مصنعي الأغذية في الأردن ومن ممثلي غرفة الصناعة الأردنية. «البعد السطحي هو أن اللغة تفيد ولكنها لن تجعل من مستخدميها منتجين أفضل بالصناعات والظاهر من تاريخ الصناعة أن مايفيد أكثر هو الانتماء القوي للوطن والشعور بالاعتزاز عند تطوير مجتمعك» يضيف الجغبير قائلاً.

لقد تمكنت تركيا من إحراز قفزات كبيرة في اقتصادها. وبعد أن كانت عملتها على وشك الانهيار بسبب التضخم السريع ومن بعد هبوط معدلات نمو اقتصادها بشكل كبير بين عامي 1999 و 2001 قامت تركيا بالإصلاح ونجحت في عكس حالتها, ونما اقتصادها بنسبة 5 % من 2002 وإلى 2012.

تمكنت تركيا من تخطي الانهيار المالي العالمي في 2008 و2009 واستمرت بالنمو. ولعب التنظيم الجيد للأسواق المالية وللنظام المصرفي في الدولة الدور الأهم في مواجهة الأزمة المالية العالمية, مما ساعد على دفع الناتج المحلي الإجمالي إلى 9.2 % في عام 2010 ومع أول بوادر انتهاء الأزمة العالمية.

ورغم أن الصادرات التركية قد تباطأت مؤخراً في النمة إلى مستويات منخفضة تقارب الـ3 % في عام 2012 بسبب تأخر انتعاش الاقتصاديات الأوروبية, إلا أنه لو تم مقارنتها مع الدول المحيطة بها في أوروبا كاليونان وأسبانيا وإيطاليا والبرتغال، لتم اعتبارها معجزة اقتصادية.

لا تزال تركيا تعتمد على الاستثمار الخارجي وغالبا ما تكون متقلبة وقصيرة الأجل لتمويل عجزها التجاري الضخم. بلغت قيمة الاستثمار الأجنبي المباشر بالأسهم التركية 117 مليار دولار في نهاية العام 2012. وتباطأت التدفقات بسبب الاضطرابات الاقتصادية المستمرة في أوروبا، وهي المصدر الأهم للاستثمارات الأجنبية المباشرة في تركيا. كما أن الاضطرابات الأخيرة الداخلية قد أثرت بشكل سلبي على هذه الاستثمارات.

رغم الاعتراض الكبير والمظاهرات الأخيرة ضد رجب أردوجان, رئيس وزراء تركيا لـثلاثة مراحل انتخابية, بسبب تشدده في الحكم واحتكاره المطلق للسلطة, إلا أن معظم الأتراك متفقون ويعترفون له بعبقرية إدارته للاقتصاد. فخلال فترة حكمه تم القضاء على عجز الموازنة العامة والتضخم المالي وتم سداد قروض صندوق النقد الدولي, كما زاد نصيب الأفراد من الدخل القومي لأكثر من 10.000 دولار سنوياً, متضاعفاً 3 مرات تقريبا.

يتفق معظم المحللين الاقتصاديون أن تركيا تسير في الاتجاه الصحيح في تشجيعها لقطاعي الصناعات والخدمات مع أن قطاع الزراعة للآن يوظف أكثر من 25 % من مجمل التوظيف في الدولة. وانطلاق تركيا الصناعي والاقتصادي جاء نتيجة لخصخصة قطاعات الصناعات الأساسية والبنكية والمواصلات ودعم الرياديين. ومن أهم القطاعات السريعة النمو في تركيا تأتي صناعة المركبات والبناء في أعلى القائمة وقد أصبحت مؤخراً أهم من صناعة النسيج والأزياء.

وماحدث في تركيا من تطور اقتصادي قد جاء رغم النقص الشديد في توفر مصادر الطاقة داخلياً, وهذا فعلاً ماينقصها في معادلتها الصناعية. تعتمد تركيا بشكل كبير على الأسواق العربية لتوريد الطاقة وبالمقابل تصدر تركيا الكثير من خدماتها وضناعاتها للمنطقة العربية.