لاحظنا أنك تحجب الإعلانات

واصل دعمك للصحافة اللائقة بتعطيل أدوات حجب الإعلانات

في حال وجود استفسار عن سبب ظهور هذه الرسالة ، اتصل بنا

حجم الخط

- Aa +

Thu 3 Jan 2013 10:01 PM

حجم الخط

- Aa +

مصريون يعتبرون دعوة "العريان" لعودة اليهود إلى مصر "مغازلة إخوانية جديدة" للغرب وإسرائيل

قال محمد حسنين هيكل أنه من غير المعقول أن تكرم رئيساً راحلاً (أنور السادات) ويحضر قاتله الحفل عبود الزمر).

مصريون يعتبرون دعوة "العريان" لعودة اليهود إلى مصر "مغازلة إخوانية جديدة" للغرب وإسرائيل

أثارت دعوة مستشار الرئيس المصري والقيادي في جماعة الإخوان المسلمين عصام العريان، اليهود المصريين للعودة إلى بلادهم، جدلاً واسعاً في الأوساط المصرية، حيث اعتبرها البعض أنها "مغازلة إخوانية جديدة" للغرب والكيان الإسرائيلي، مستغربين صدورها عن قيادي في جماعة تُحرّم التعامل مع اليهود تحريم الدم، وترى أن الصراع معهم قادم لا محالة وأنهم "لا شك مهزومون".

 

وقالت وكالة يونايتد برس إنترناشونال (يو بي أي) "غير أن مراقبين مصريين اعتبروا أن دعوة العريان لم تكن مفاجئة بالنظر إلى الإطار السياسي الذي يعمل به النظام المصري منذ وصول جماعة الإخوان المسلمين إلى سدة الحكم في البلاد بانتخاب محمد مرسي رئيساً للجمهورية في يونيو/حزيران 2012 بعد الحصول على الأغلبية النسبية في البرلمان بغرفتيه (مجلسي الشعب المنحل والشورى القائم)".

 

وبرأي المراقبين أنفسهم، فإن مؤشرات عدة جعلت دعوة "العريان" طبيعية ولا غرابة فيها سوى بتوقيت إعلانها وبصمت المؤسسات الرسمية تجاهها، ما يدفع إلى التساؤل عما إذا كانت تلك المؤسسات لا تملك القدرة على الرفض أو حتى الاعتراض أم أنها تبارك الدعوة المثيرة للجدل والسخط معاً.

 

وقال منسق اللجنة الشعبية للدستور المصري والكاتب الناصري محمود عبد الرحيم لـ "يو بي أي" إن تصريحات "العريان" تعكس "مغازلة إخوانية جديدة للكيان الصهيوني وتنطوي على تجاهل حقائق تاريخية من تآمر قطاع كبير من اليهود على الدولة المصرية إبان فترة حكم الزعيم المصري الراحل جمال عبد الناصر".

 

وعبر "عبد الرحيم" عن استغرابه من الدعوة "برغم تورط يهود مصريين اعتنقوا الفكر الصهيوني" في شبكات تجسس، ومحاولة توريط مصر في مشاكل سياسية دولية كما حدث في "فضيحة لافون" الشهيرة.

 

وكانت سلطات الأمن المصرية أوقفت، في خمسينيات القرن المنصرم، خلية تجسس مكونة من مجموعة من اليهود بتهمة التخابر لصالح الكيان الإسرائيلي وارتكاب جرائم تخريبية ضد المصالح الأميركية بهدف إحراج الإدارة المصرية، وإظهارها بمظهر الضعيف غير القابض على مقاليد الأمور، وحُكم على أفراد الشبكة بأحكام متنوعة تراوحت بين الإعدام والسجن لمدة ثلاث سنوات، ما أدى إلى استقالة رئيس الوزراء الإسرائيلي وقتئذ "بنحاس لافون" الذي قام بالإشراف على تلك العملية.

 

وأثارت دعوة "العريان" -التي دعمها إسلاميون بارزون مثل وجدي غنيم الذي رأى أن من اليهود أناس مسالمون يعرفون الحق- حفيظة تيارات إسلامية وقادة إسلاميون آخرون، حيث رفضتها الدعوة السلفية، مؤكدة على لسان الناطق باسمها نادر بكار إن "التسوية بين من أُجبر على مغادرة أرضه بعد احتلالها وبين من هاجر إلى أرض مغتصبة محتلة، أمر لا يقبله عاقل".

 

كما طالب "محمد جويلي" شيخ الدعوة السلفية بمحافظة مرسى مطروح (شمال غرب) "العريان" بـ "ألا يتعرى على الشعب المصري المسلم بأفكاره المسمومة المغلوطة"، داعياً إياه إلى التوبة "وسؤال أهل العلم إن كان لا يدري".

 

ونصح "جويلي" -عبر صفحته على موقع (فيسبوك) للتواصل الاجتماعي- العريان بأن "يُمسك عليه لسانه لأن من كثر كلامه كثر خطؤه، وإدراك حقيقة أن اليهود الذين ذهبوا إلى دولة إسرائيل واشتركوا في قتل إخواننا الفلسطينيين أصبحوا محاربين لا عهد لهم ولا ذمة".

 

وفي السياق، قال المحامي وليد فوزي أحد الأعضاء البارزين في حركة "كفاية"، لوكالة "يو بي أي" إن دعوة "العريان" تنسجم مع كون الإخوان المسلمين تنظيم عالمي يعتمد المنهج الرأسمالي الذي يجد مجاله الحيوي في شراكات متعددة الجنسيات أولوياتها المصالح الفردية والذاتية، والمصريون فيه مجرد أدوات، فيما تأتي المصالح والمرتكزات الوطنية في ترتيب متأخر في حساباتها.

 

ورأى "فوزي" أن الدعوة "تمثِّل مغازلة إخوانية للغرب ورغبة في تمرير مشروع التطبيع مع إسرائيل بشكل شبه وطني اعتماداً على أغلبية نيابية نسبية حازها الإخوان المسلمون في البرلمان المصري"، مشيراً إلى أن تلك الأغلبية بكل تأكيد لم تعط من أجل تمرير التطبيع الذي قاومه المصريون منذ التوقيع على اتفاقية كامب ديفيد للسلام قبل أكثر من ثلاثة عقود كان خلالها السلام مع دولة إسرائيل، ولا يزال، بارداً.

 

وبحسب المراقبين، فإن ثلاث مؤشرات رئيسية تؤكد أن دعوة العريان لم تكن أول أبيات قصيدة الغزل الإخوانية للغرب وإسرائيل؛ فقد انتقد الرئيس "مرسي"، في كلمة ألقاها بميدان التحرير في وسط القاهرة بعد ساعات قليلة من إعلان فوزه بالرئاسة، عقد الستينيات من القرن الماضي الذي حكم فيها البلاد الزعيم جمال عبد الناصر الذي ناصبه الكيان الإسرائيلي والقوى الغربية العداء.

 

ويعد الخطاب الذي بعث به الرئيس "مرسي" إلى الرئيس الإسرائيلي شيمون بيريز لقبول تكليف السفير الجديد لدى إسرائيل عاطف سيد الأهل، ثاني المؤشرات؛ فإن كان الخطاب من قبيل البروتوكول المعمول به عند تفويض السفراء الجدد، بحسب الناطق باسم الرئاسة المصرية، فإن البروتوكول لا يُلزم الرئيس بأن يبدأ خطابه بعبارة "عزيزي وصديقي العظيم"، ولا أن يُنهيه بعبارة "صديقكم الوفي".

 

وجاء تكريم "مرسي" لأسرة الرئيس الراحل أنور السادات بمنح اسمه وساماً رفيعاً في ذكرى ما يُعرف في مصر بـ "انتصارات تشرين الأول/أكتوبر المجيدة"، ثالث تلك المؤشرات أو أبيات الغزل، وهو الحدث الذي اعتبره أحد أهم الصحافيين والمراقبين العرب الكاتب محمد حسنين هيكل "ليس تكريماً للسادات، ولكن لمعاهدة السلام مع إسرائيل".

 

وبرهن "هيكل"، خلال مقابلة مع إحدى الفضائيات المصرية مؤخراً، على صوابية رؤيته بالإشارة إلى أنه "من غير المعقول أن تكرم رئيساً راحلاً ويحضر قاتله الحفل".

 

وكان القيادي في الجماعة الإسلامية عبود الزمر المُدان بقتل السادات في العام 1981 قد حضر الاحتفال بالذكرى 39 لانتصارات أكتوبر الذي أُقيم بإستاد القاهرة على رأس وفد من الجماعة.

 

وفي المقابل، غاب "مكتب الإرشاد"، وهو أعلى هيئة قرار في جماعة الإخوان المسلمين، عن التعليق على دعوة "العريان"، وكان التعليق الوحيد الواضح جاء من جانب القيادي في الجماعة ورئيس مجلس الشورى (الغرفة الثانية من البرلمان المصري) الدكتور أحمد فهمي، الذي أكد في مقابلة مع إحدى الفضائيات يوم الثلاثاء الماضي، أن "دعوة العريان تمثِّل رؤيته الشخصية وليست رؤية حزب الحرية والعدالة الذراع السياسي لجماعة الإخوان المسلمين أو الكتل البرلمانية للحزب في مجلس الشورى".

 

واعتبر "فهمي" أن "رؤية العريان" غير قابلة للتطبيق، "لأن اليهود المصريين لم يجبرهم أحد على الهجرة إلى إسرائيل، ولم يُخرجهم الرئيس جمال عبد الناصر من مصر، ولكنهم خرجوا من أجل خدمة مشروع صهيوني عنصري متطرف ولطرد شعب من أرضه".

 

إلى ذلك، بدت دعوة العريان محل تساؤل قطاعات عريضة من المصريين، الذين باتوا مسيسين منذ اندلاع ثورة 25 يناير/كانون الثاني 2011 التي أطاحت بالنظام السابق، وتركزت تساؤلاتهم عما إذا كانت الدعوة محل ترحيب المؤسسات المصرية بالنظر إلى عدم وجود رد فعل واضح منها خاصة من جانب مؤسسة الرئاسة التي يعمل بها "العريان" مستشاراً للرئيس، وما إذا كان يمكن اعتبار أن "السكوت علامة الرضا" بحسب المثل الشعبي المصري الشائع.

 

على أن المسألة تفاعلت خارج الحدود لا سيما من جانب الموجهة إليهم الدعوة، الذين تلقفوها سريعاً بالقبول وألقوا الكرة في ملعب مؤسسة الرئاسة مباشرة حيث وجَّهت "الهيئة اليهودية المصرية بباريس"، في برقية بعثت بها صباح الأحد الفائت، الدعوة للرئيس مرسي "لعقد حوار مفتوح لمعرفة مطالب اليهود المصريين بداية العام المقبل 2013، وذلك بعد الدعوة الرسمية للدكتور عصام العريان نائب رئيس الحزب الحرية والعدالة، بالعودة إلى مصر".

 

وقالت الهيئة في نص البرقية، مخاطبة الرئيس مرسي "نهنئ الشعب المصري، ونهنئكم على دستور جمهورية مصر العربية الجديد، ونأمل أن يكون دستوراً يجعل من مصر استقراراً ونمواً وتحمل دورها العالمي، وحصول اليهود المطرودين من مصر على حقوقهم الضائعة والمغتصبة، والتي تصل إلى أكثر من 30 مليار دولار".

 

ولم يفت رئيس الهيئة اليهودية المصرية بباريس أشعيا ويليام أن يوجه الشكر للعريان، ويؤكد على أن دعوته دليل واضح على "فتح حوار معنا"، ويغمز من قناة الأزمة الاقتصادية التي تعانيها مصر بالإشارة إلى أن "لدى الهيئة أكثر من 100 مشروع قومي سيعيد لمصر مكانتها العالمية ويحل أزماتها الاقتصادية بعد فتح الحوار".

 

وينتظر المصريون باقي تفاعلات دعوة "العريان" لعودة اليهود إلى بلادهم، ويتمنون أن تكون "قصيدة الغزل التي تُطرب الأهل والعشيرة قد انتهت بذلك البيت".