لاحظنا أنك تحجب الإعلانات

واصل دعمك للصحافة اللائقة بتعطيل أدوات حجب الإعلانات

في حال وجود استفسار عن سبب ظهور هذه الرسالة ، اتصل بنا

حجم الخط

- Aa +

Wed 21 Aug 2013 10:59 AM

حجم الخط

- Aa +

تأبين "المحامي الذي كرهه الجميع" في حضور أصدقاءه من كل بقاع الأرض

تأبين المحامي الشهير جاك فيرجيس في كنيسة وسط باريس شهد خليطا غريبا من  الحضور. الرجل الذي كان محط كراهية الاستعماريين إبان دفاعه عن رموز جبهة التحرير الوطني الجزائرية ثم أثار سخط الليبراليين بدفاعه عن رموز مثيرة للجدل حتى مماته واجه انتقادا كبيرا وصل إلى أن يلقبه البعض "محامي الشيطان". لكن هناك شيئان لم يتمكن احد أن ينزعهما عنه: كان فيرجيس محاميا عبقريا وكان من أشرس المقاومين لتدخل الدول الغربية في مصير الشعوب سواء لحماية المصالح أو بدعوى نشر الديمقراطية.

تأبين "المحامي الذي كرهه الجميع" في حضور أصدقاءه من كل بقاع الأرض
باريس سنة 1961 - جاك فيرجيس يقراء عريضة اتهامه بتهديد أمن الدولة بسبب دفاعه عن أسرى المقاومة الجزائرية.

تأبين المحامي الشهير جاك فيرجيس في كنيسة وسط باريس شهد خليطا غريبا من  الحضور. الرجل الذي كان محط كراهية الاستعماريين إبان دفاعه عن رموز جبهة التحرير الوطني الجزائرية ثم أثار سخط الليبراليين بدفاعه عن رموز مثيرة للجدل حتى مماته واجه انتقادا كبيرا وصل إلى أن يلقبه البعض "محامي الشيطان". لكن هناك شيئان لم يتمكن احد أن ينزعهما عنه: كان فيرجيس محاميا عبقريا وكان من أشرس المقاومين لتدخل الدول الغربية في مصير الشعوب سواء لحماية المصالح أو بدعوى نشر الديمقراطية.

قد يكون ذلك ما جمع تيارات عادةً ما تعتبر كارهة لبعضها البعض في تأبينه. أقصى اليمين وأقصى اليسار جاؤوا لتوديع الرجل الذي كان يهوى الدفاع عن من يتكالب عليه الجميع. أبرزهم المقاومة الجزائرية جميلة بوحريد الذي تقدم فيرجيس للدفاع عنها أثناء حرب تحرير الجزائر وسط شتائم الفرنسيين الذين كانوا يعتبروها إرهابية ليكشف المحاكمات الصورية ويشبهها بـ"جان دارك" وسط ذهول واستنكار الجميع.

فبجانب باقة ورود حمراء مرسلة من قبل جورج إبراهيم عبدالله  قائد الفصائل المسلحة الثورية اللبنانية منذ محبسه في جنوب فرنسا، يمر بأناقة رولان ديوما وزير الخارجية الفرنسي الأسبق ليجلس مع أفراد أسرة المتوفي. زوجة فيرجيس الأخيرة تتقبل العزاء بشكلها الارستقراطي الأوروبي وابنه الياس من زواجه الأول مع جميلة بوحريد يحمل النعش ويحدث أخته مريم بالعربية.

في القاعة وزيرة الثقافة الجزائرية والكاتب المعادي للأجانب في فرنسا ألان سورال وعدد كبير من اليمينيين المتهمين بالتطرف ومعاداة المسلمين. ميشيل روسان  الوزير الأسبق في حكومة بالادور اليمينية يحيي الجنرال بوزيزيه من افريقيا الوسطى المطلوب على خلفية جرائم حرب. مجموعة من شباب ساحل العاج يهتفون بالعرفان لدفاعه عن الرئيس لوران جباجبو بينما يخرج زملائه من نجوم المحاميين الفرنسيين.

عكس العزاء حياة الرجل الذي انبرى دفاعا عن النازي كلوس باربي بنفس شراسة الدفاع عن عمر رداد العامل العربي التي لفقت له جريمة قتل استنادا على أدلة كوميدية عام 1994. سعى للدفاع عن العراقي صدام حسين والصربي سلوبودان ميلوسيفيتش. وكان يكره التعالي الأخلاقي لمدرسة الفكر الواحد فوق كل شيء.

وقف المحامي اليهودي تيري ليفي حدادا على صديقه فيرجيس الذي ترافع عن أعضاء منظمة التحرير الفلسطينية في أوروبا خلال الستينات، كما وقف الفنان الأسود الساخر "المعادي للسامية" ديودونيه.

من يوصفون بـ"التعصب واللا إنسانية" ذهبوا معا رغم خلافاتهم ومعاركهم لوداع شخص كان يعد مثلا حيا للحق في الدفاع وعدالة المحاكمة مهما كان الجرم. بينما صدرت الصحف "المحترمة" "المعتدلة" "الموضوعية" "الإنسانية" تحمل السباب للفقيد. النيويورك تايمز تنشر مقالة عنوانها "فيرجيس المدافع عن الإرهابيين ومجرمي الحرب يموت عن عمر يناهز الثامنة والثمانون". الموندو الإسبانية وإيت لااتست نيوز البلجيكية  والتلجراف البريطانية أجمعت على عنوان "موت محامي الشيطان" بينما حدات تاز الألمانية بإضافة "موت المحامي المفضل للشيطان".

أما الواشنطن بوست فتميزت بعنوان "موت جاك فيرجيس المحامي الفرنسي الذي دافع عن مجرمين حقراء"، وكأن حق الدفاع والحصول على محامي خلال محاكمة عادلة ينطبق على المجرمين "اللطفاء" فقط!

واستعجبت جريدة لوموند من تأبينه في كنيسة "لم نكن نعلم أن فيرجيس كاثوليكي. الكثير يعتقدون أنه مسلم منذ أخذ الجنسية الجزائرية فور إعلان استقلال الجزائر". صديق فيرجيس القس الأب ألان مايار دولامورانديه (المثير للجدل أيضا) يجيبهم: "لم يكن قديسا ولم يكن شيخا لكنه كان معمدا". الجدير بالذكر أن فيرجيس لفظ أنفاسه الأخيرة في ذات الغرفة التي توفي فيها المفكر فولتير!