لاحظنا أنك تحجب الإعلانات

واصل دعمك للصحافة اللائقة بتعطيل أدوات حجب الإعلانات

في حال وجود استفسار عن سبب ظهور هذه الرسالة ، اتصل بنا

حجم الخط

- Aa +

Tue 4 Dec 2012 12:39 AM

حجم الخط

- Aa +

لماذا بعض الدول حديثة النشأة أفضل حالاً من غيرها؟

من أسوأ الدول الجديدة أداءً طبقاً للكثير من القياسات اليمن بعد اندماج شطريه باقتصاده المتداعي وغياب الحكومة الفعالة.

لماذا بعض الدول حديثة النشأة أفضل حالاً من غيرها؟

الدول الجديدة ليست كلها جديدة حقاً.. فبعضها ولد كامل التكوين تقريباً في حين يتعين على البعض أن يبدأ من الصفر.

 

وهذا الفارق حاسم بالنسبة لفرص نجاح أي دولة جديدة.

 

أكثر من نصف الدول الأحدث عهداً في العالم ولدت أو أعيدت ولادتها بعد انهيار الشيوعية في أوروبا وكانت في السابق بلدانا مستقلة لعهد يرجع أحياناً إلى العصور الوسطى. أغلبها نال استقلاله ومعه مؤسسات راسخة من محاكم وبنوك وقوات شرطة ومدارس وعمالة ماهرة لإدارة كل تلك المؤسسات.

 

وبعد عشر سنوات أو ما يقرب من التغيير الاقتصادي الحاد بدأت أماكن مثل كرواتيا وأستونيا وسلوفينيا تشهد انتعاشاً يعززه وعد بالعضوية في الاتحاد الأوروبي. وتمكنت دول شيوعية سابقة مثل جمهورية التشيك من تجاوز الأزمة المالية العالمية بصورة أفضل من دول مجاورة أكثر ثراء.

 

وعلى الطرف الآخر من هذه المجموعة، دول حديثة أفقر بكثير مثل جنوب السودان وإريتريا وتيمور الشرقية وجميعها ولدت بعد صراع مسلح ولا تملك الكثير من المؤسسات أو حتى العناصر البشرية الماهرة التي تحتاج إليها الدول كي تنهض بنفسها.

 

وجنوب السودان مثال صارخ لذلك. فعندما أبرم مع السودان معاهدة سلام عام 2005 تنص على إجراء استفتاء على الانفصال كان الجيش هو من بدأ المؤسسات الوطنية وأتمها.

 

وكانت رغبة الانفصال مفهومة.. فأغلب سكان جنوب السودان بينهم وبين سكان الشمال فروق عرقية ودينية عميقة.

 

لكن عندما نال الجنوب الاستقلال الكامل العام الماضي كان ربع سكانه فقط هم الذين يعرفون القراءة والكتابة ولا يلتحق بالمدارس الثانوية إلا اثنين في المئة وحسب ممن هم في تلك المرحلة السنية. ولا تتجاوز الطرق الممهدة فيه 300 كيلومتر كما أن أكثر من ربع السكان سيحتاجون مساعدات غذائية هذا العام.

 

وإذا كان لنا أن نقيس حال جنوب السودان بحال دول مجاورة أكثر نمواً مثل إثيوبيا وتشاد فسنجد أنه يتعين عليه الاعتماد على الأمم المتحدة وهيئات الإغاثة لسنوات قادمة حتى إذا حقق نمواً سريعاً وسلساً.

 

وقالت هيلدا جونسون ممثلة الأمين العام للأمم المتحدة الخاصة بجنوب السودان قبيل الذكرى السنوية الأولى للاستقلال في يوليو/تموز الماضي إنه "في حالة جنوب السودان.. لا نعيد الإعمار.. لا نعيد البناء.. بل نبدأ من الصفر".

 

وتظهر أكثر من عشرة مؤشرات رئيسية في 31 دولة تأسست أو أعيد بناؤها منذ العام 1990 مدى كبر القفزة التي تواجه جنوب السودان.

 

فأغلب أنجح الدول الجديدة لديها سمات تساعد على النجاح منذ البداية: جيران ينعمون بالاستقرار ويتسمون بالسخاء عادة.. مؤسسات قوية.. سكان يجمع بينهم التجانس والتعليم الجيد.. وفساد منخفض نسبياً.

 

أفضل الدول أداء -مثل جمهورية التشيك وسلوفاكيا وليتوانيا وأستونيا وكذلك أنجح مثال وهو ألمانيا بعد إعادة توحيدها- هي تلك التي لديها أطول خبرة في إنشاء مؤسسات الدولة والحكومات المركزية. كما أن من الملاحظ أنها دول مواردها الطبيعية محدودة واقتصاداتها تقوم على التجارة.

 

وفيما يتعلق بقياسات تشمل متوسط الأعمار ومؤشرات الفساد والتعليم وحرية الصحافة وسيادة القانون سجلت الدول الشيوعية السابقة في شرق أوروبا تحسناً بصفة عامة أكثر من الدول الجديدة في مناطق أخرى.

 

وعلى عكس ذلك، كان أداء دول غنية بالموارد مثل روسيا وتركمانستان وأوزبكستان وقازاخستان جيداً في أرقام مجمعة مثل نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي لكنها تتذيل القائمة عندما يتعلق الأمر بفاعلية الحكومة وسيادة القانون والشفافية. وهذا ليس مفاجئاً.. فالاقتصاديون يعلمون أن ضعف المؤسسات يمكن أن يكون مدمراً إذا صاحبته وفرة المال.

 

ومن أسوأ الدول الجديدة أداء طبقاً للكثير من القياسات اليمن بعد اندماج شطريه باقتصاده المتداعي وغياب الحكومة الفعالة. وفي حين يحاول اليمن الاستفادة من احتياطيات الغاز الطبيعي من المرجح أن يتسبب الفساد والنمو السكاني السريع في استمرار الفقر.

 

ولكن الصورة ليست بالغة السوء. فكثير من أفقر الدول الحديثة العهد شهدت تحسناً في الدخل والصحة خلال العشرين عاماً الماضية. حتى في الحالات التي عجزت فيها المساعدات الدولية عن إشاعة الاستقرار فإنها كثيراً ما كانت تنقذ أرواحاً.

 

فقد شهد اليمن وإريتريا -وهما من أكثر الدول اضطراباً- تحسناً ملحوظاً في متوسط الأعمار. كما تراجع معدل الوفيات بين الأطفال حديثي الولادة في كل الدول الإحدى والثلاثين الأحدث عهدا وتقلص معدل التسرب من التعليم. حتى في الصومال الذي يعتبر بصفة عامة أكثر دول العالم اضطراباً حالت المساعدات الدولية دون حدوث ارتفاع كبير في معدل الوفيات بين الأطفال.

 

وهناك استثناءات لتلك الاتجاهات.

 

ويأمل خبراء التنمية أن تنضم تيمور الشرقية لقائمة الدول النامية التي يمكن أن تنجو من لعنة الموارد.. حين تضر وفرة الموارد الطبيعية بالنمو بدلاً من أن تعززه.

 

فتيمور الشرقية التي انفصلت عن إندونيسيا عام 2002 تنعم بثروة ضخمة من النفط والغاز. وبمساعدة مستشارين من دول مثل النرويج كونت صندوقا قيمته 11 مليار دولار لضمان إدارة أموال النفط والغاز بشكل جيد كي يجد سكان البلاد البالغ عددهم 1.1 مليون نسمة لديهم شيئاً يتقوتون منه عندما تنضب الموارد.

 

كما أن لهذه الدولة الصغيرة المطلة على المحيط الهندي أصدقاء أقوياء خاصة أستراليا التي زودتها بالقوات عدة مرات لتحقيق الاستقرار خلال فترات الاضطراب.

 

لكن حتى الأصدقاء المخلصين لا يضمنون النجاح. فرغم كل الدعم الذي تتلقاه على سبيل المثال جمهورية كوسوفو اليوغوسلافية السابقة من الغرب ورغم نموها الاقتصادي السريع فإنها تعاني الفساد والجريمة المنظمة. ومن العوامل السلبية الأخرى حالة الغموض القانوني التي تحيط بها وعدم اعتراف موسكو أو بكين بها واعتمادها بشدة على الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي في الحصول على المساعدات والحماية.

 

وخلال السنوات القليلة الماضية أتت المساعدات الهائلة وجهود بناء المؤسسات على غرار ما شهده جنوب السودان بنتائج متباينة حتى في دول لم تبدأ من الصفر.. فملايين الدولارات التي تدفقت كمساعدات للصومال لم تسهم لا هي ولا المهمة العسكرية هناك في أوائل التسعينيات بشيء يذكر لمنع استمرار انحدار البلاد نحو الفوضى وإن كانت قد ظهرت أخيراً في الأشهر الماضية مؤشرات على التقدم لأسباب من ضمنها بعثة الاتحاد الإفريقي لحفظ السلام.

 

وفي جمهورية الكونجو الديمقراطية وهايتي، ما زال خبراء التنمية وقوات حفظ السلام يواصلون السعي من أجل حفظ السلام واستمرار توفر الخدمات الأساسية حتى رغم تدفق مساعدات بمليارات الدولارات.

 

وكتب ريتشارد داودن رئيس الجمعية الملكية الإفريقية التي تتخذ من لندن مقرا يقول في صحيفة الجارديان الأسبوع الماضي إن أشد ما أضر الكونجو سياساتها. وأضاف "إذا كانت هناك أي حالة يتعين فيها أن توضع دولة تحت انتداب الأمم المتحدة فهي حالة الكونجو. فتفويض الأمم المتحدة الحالي غير الناضج وغير المحكم انكشف بشكل قاس في الأسبوع الماضي عندما تراجعت قوات الأمم المتحدة للسماح للمتمردين بالاستيلاء على جوما في شرق الكونجو".

 

وفي حالة جنوب السودان دعمت الولايات المتحدة وقوى أخرى ميلاد الدولة الجديدة ليس لاعتقادها بأن لها مستقبلا مشرقاً بل لأن الاستقلال بدا أفضل من البديل وهو استمرار حرب أهلية امتدت لعقود وسقط فيها نحو مليوني قتيل. وقدم المتمردون الجنوبيون ومؤيدوهم الغربيون حجة مقنعة مفادها أن جنوب السودان يستحق أن يكون حراً.

 

لكن الحرية تجلب تحديات جديدة.

 

ويقول جون تمين وهو عامل إغاثة محنك سابق ويرأس الآن مشروع السودان في معهد الولايات المتحدة للسلام وهو مركز أبحاث تموله الحكومة الأمريكية إن "المجتمع الدولي لا يمكنه بناء الدول... بل يتعين على الدول أن تبني نفسها. نحن نقدم المساعدة فقط ونحقق نتائج جيدة جداً في الحيلولة دون فقد الأرواح لكننا لا نجيد بناء المؤسسات".

 

ويرى الدكتور ياتا لوري لوجور نائب وزير الصحة في جنوب السودان أن المشكلة كثيراً ما تكمن لدى من يسعون لتقديم لمساعدة بقدر ما تكمن لدى متلقي المساعدات. ويقول إن المنظمات غير الحكومية "تقدم المساعدة بصفة عامة لكن بعضها يأتي لأغراض ذاتية وحسب... هذا محبط للغاية".

 

والسؤال الآن هل يمكن لجنوب السودان -الدولة رقم 193 التي تنضم إلى الأمم المتحدة- أن يحقق الرخاء؟ ففي أول 16 شهراً بعد مولد الدولة الجديدة اقتربت من الحرب مع السودان وشهدت العديد من المذابح العرقية أكبرها قتل فيه أكثر من 800 شخص وكان عليه أن يواصل البقاء بعد اقتطاع 98 في المئة من دخله بسبب توقف إنتاج النفط.

 

ويرى جون كريستوفيدس الرئيس السابق لفريق جنوب السودان في إدارة حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة والمسؤول الحالي عن جميع عمليات حفظ السلام الأخرى في إفريقيا أن مثل هذه المشاكل متوقعة. وقال إنه عندما يتعلق الأمر ببناء دول "كثيراً ما نجد أن العملية ستستمر في البلد لفترة أطول بكثير مما كنا نتوقع".