لاحظنا أنك تحجب الإعلانات

واصل دعمك للصحافة اللائقة بتعطيل أدوات حجب الإعلانات

في حال وجود استفسار عن سبب ظهور هذه الرسالة ، اتصل بنا

حجم الخط

- Aa +

Thu 2 Aug 2012 02:45 PM

حجم الخط

- Aa +

تدمير دمشق وحلب: مسؤولية المعارضة ودولها

جهاد الزيـن     تُدمَّر مدينتان أو أجزاء واسعة منهما في غضون أيام قليلة هما دمشق وحلب بصورة لم تحصل فيهما منذ خمسمائة عام على الأقل حتى مقارنةً بالقصف الفرنسي الجوّي لدمشق عام 1945. من المسؤول عن ذلك اخلاقيا بالدرجة الأولى؟

تدمير دمشق وحلب: مسؤولية المعارضة ودولها
1

  جهاد الزيـن  

 

تُدمَّر مدينتان أو أجزاء واسعة منهما في غضون أيام قليلة هما دمشق وحلب بصورة لم تحصل فيهما منذ خمسمائة عام على الأقل حتى مقارنةً بالقصف الفرنسي الجوّي لدمشق عام 1945. من المسؤول عن ذلك اخلاقيا بالدرجة الأولى؟

 

أتابع بالقدر المتاح لي من الدقة مجريات الصدامات العسكرية في دمشق وحلب ليس إهمالاً مني للمناطق والمدن الأخرى وخصوصا حمص الشهيدة (فعلا لا هذراً) وإنما لأن المواجهات العسكرية في المدينتين الكبريين في سوريا هي التطور النوعي السياسي المأساوي الأخطر منذ اندلعت التظاهرات الشعبية السلمية التي شكّلت الثورة السورية قبل أن تتحول الى حرب أهلية بإدارة إقليمية دولية وبمزيج متداخل وخاص من الأنماط الأسباني اللبناني الكمبودي اليوغوسلافي السوداني الليبي!

 

هذه المتابعة لا تعتمد على وسائل الإعلام التلفزيوني إلا بشكل ثانوي وإنما على “سلّة” من المتابعة على “الفايسبوك” ومواقع الإنترنت والإتصالات الشخصية مع بعض الديبلوماسيين من دول معنية بالصراع في وعلى سوريا، والأهم من كل ذلك مع بعض الأصدقاء من قادة الرأي في المعارضات السورية ولاسيما الآتين من الأراضي السورية إلى بيروت. وبيروت هي عمليا اليوم عاصمة “الداخل السوري” الحقيقية لا القاهرة ولا اسطنبول ولا باريس بالمعاني الإنسانية والإجتماعية والثقافية والإغاثية فضلاً عن “السياحية” إذا كان بإمكاننا أن نشتقّ مصطلح “السياحة الحربْ أهلوية” على غرار مصطلح “السياحة الدينية”…إضافةً إلى أنها (أي بيروت) تحتل مساحة ما، وتحت الطاولة غالبا، كعاصمة للإتصالات السياسية والعسكرية والتمويلية وإنما بشكل أقل أهمية بكثير – يجب الإعتراف!

 

 

– من عواصم كالرياض وموسكو وطهران والدوحة واسطنبول وواشنطن حيث تولد “طبقة” سياسية سورية جديدة على غرار الولادة اللندنية للطبقة السياسية العراقية الجديدة قبل عام 2003.

 

ودور بيروت الجامع لكل أطراف الوضع السوري هو مختلف عن دور شقيقتها طرابس الشام التي تلعب مع أريافها المسلمة دور أحد مراكز الحرب الأهلية السورية لصالح طرف دون الآخر… في مقابل طرطوس واللاذقية. أكتب كل هذه المقدمة بحثاً عن صيغة أعبِّر فيها عن موقف نقدي لم أستطع تلافي المصارحة به وهو يُشْغِل ذهني وضميري منذ بدأت نكبة دمشق وحلب. إنها فعلاً نكبة. تُدمَّر مدينتان أو أجزاء واسعة منهما في غضون أيام بصورة لم تحصل فيهما منذ خمسمائة عام على الأقل حتى مقارنةً بالقصف الفرنسي الجوّي الشهير لدمشق عام 1945. من المسؤول عن ذلك اخلاقيا بالدرجة الأولى؟ أرجو هنا أن نبتعد عن الكلام السهل من أن النظام السوري وحده مسؤولٌ.

 

 

فلا نحتاج أنا وغيري لمن يخبرنا عن وحشية هذا النظام وعنفه وإجراميته كنظامٍ استبدادي تدفع سوريا بكاملها أساسا ثمن عدم وجود طريقة سلمية لتغييره مثل ليبيا والعراق ولكن قطعا – والشكر للآلهة – بعكس تونس ومصر أيا تكن البدائل الأصولية “الفقيرة” تغييرياً لأن ما هو أهم ويُراهَن عليه هو الثقافة والسياق السلميان للتغيير اللذان نحتاج في “الهلال الخصيب” العربي لنتعلّمْهما سلطةً ومعارضةً. لهذا كان يجب أن نسأل ومنذ اللحظة لأولى للمواجهات في دمشق وحلب: من المسؤول عن هذا الإقحام القسري العسكري الذي تحوّل الى كارثة للمدينتين؟ الجواب الواضح هو المعارضة السورية المسلحة والقوى الإقليمية والدولية التي تدعمها. هل كان هذا عقاباً للمدينتين على عدم اشتراكهما الفعلي في التظاهرات السلمية ضد النظام وهل الجواب على هذا الإنكفاء، أياً تكن أسبابه الإقتصادية والأمنية والطبقية وحتى السوسيولوجية والسياسية، هو في معاقبة المدينتين بفرض واقع تحولّهما الى ساحتي حرب فيما يعلم المسؤولون في أنقرة وواشنطن والدوحة والرياض أن رد النظام سيعني تدمير المدينتين؟ بعيداً عن الديماغوجيا الثورية (خصوصا المبنية بعضها على مصالح جديدة) يجب الإعلان وبصوتٍ عالٍ مهما كانت “الأكلاف” الترهيبية أنه لا نتيجة سياسية ثورية كانت تستحق تدمير دمشق وحلب أو توريطَهما في سياق تدميري نعرف جميعا أنه كان مفتعلاً عسكريا بعكس الحالة أوالحالات في حمص وحماه وإدلب وأريافها (وريف دمشق ودرعا ودير الزور) التي كانت تستند الى إرادة الكثير من أهاليها.

 

لكن المسألة أخلاقيا تتخطى هذا النطاق. فالخبث الذي نعرفه عن سياسات الدول، مثل سياساتها في الحروب اللبنانية واليوغوسلافية والليبية والعراقية، وبمعزل عن الشحنة الفضائلية الأكيدة لإسقاط نظام استبدادي، من يضمن لنا أن هذه الدول القادرة والمتقدمة إقتصاديا من شمال سوريا الى أوروبا والولايات المتحدة لا تريد سوريا مدمّرةً تعرف هي أنها وحدها ستسيطر على سوق إعادة إعمارها مع كل ما يعنيه ذلك من تواطؤ نعرفه في الحالة العراقية بين فساد الطبقة الجديدة (كالقديمة) وبين مصالح الشركات الكبرى التي لا تزال “تعيد إعمار العراق” دون طائل حتى في الكهرباء والخدمات الأساسية المستمرة في وضعها المزري في بغداد والعديد من المدن الأخرى. هل كانت “الثورة” لا تتم إلا بتدمير دمشق وحلب؟ ألم يكن من الأنظف معنويا ترك النظام عارياً امام مسؤوليته عن القمع والتدمير؟ ألا تستحق مدينتان مثل دمشق وحلب إعطاء أولوية غير عمياء لسلامتيهما؟ حتى اليوم – وبتواضع – لم أستطع أن أفهم قرار حزب الكتائب اللبنانية عام 1975 فتحَ المعركة في مواجهة سيطرة المسلحين الفلسطينيين العنيفة على مناطق من بيروت الغربية…حتى الآن لم أفهم كيف يقرر حزب الكتائب وهو مَن كان يطرح نفسه يومها ممثلاً لـ”أم الصبي” اللبناني – أي الموارنة – فتحَ معركة الفنادق الشهيرة في المنطقة الأكثر أهمية إقتصادية في العاصمة ويضرب عبرها مصالح فئات من البورجوازية اللبنانية الأكثر ديناميكية إقتصادية من فندق “السان جورج” (المعطل اليوم على يد بورجوازية مسلمة!) الى “الفينيسيا” و”الهوليداي إن” وغيرها؟… بورجوازية كان جناحها المسيحي هو المسيطر رأسماليا بدعم خليجي… إنها المعركة الطاحنة التي ستنتهي بمكاسب مالية لبعض الفصائل الفلسطينية التي استطاعت اقتحام بنوك معينة مع فتاتٍ حصل عليه بعض حلفائها اليساريين اللبنانيين فيما استولت قوات الكتائب المهزومة في الفنادق على خيرات مرفأ بيروت الذي استقرت فيه. أعطي هذا المثال على كيف يمكن أن تدمِّر “أم الصبي”…الصبي، وهو ما تسبّبت المعارضة السورية العسكرية (ودولها) بمثله. أقول تسبّبت لكي أواصل التمييز بين المسبب والفاعل إذا كان لا بد من عدم نسيان وحشية النظام… مثلما كنا نحن اليساريين ولا نزال نشتم الإمبريالية الأميركية كمقدمة لأي موقف أو تحليل نريد جعله شرعياً على المستوى الفكري. طبعاً كل هذا النقد ينطلق من موقف أساسي يجب التذكير فيه حتى لو فقد جدواه العملية وهو موقف رفض العسكرة… عسكرة ثورة حقيقية عميقة في المجتمع السوري كانت تضم طلائع شبابيةً حقيقية فيه لا نعرف أين أصبحت الآن بعدما انتقلت الراية الى البندقية. فمن يضمن من بعد الآن؟ لا أحد…  صحيفة "النهار"