لاحظنا أنك تحجب الإعلانات

واصل دعمك للصحافة اللائقة بتعطيل أدوات حجب الإعلانات

في حال وجود استفسار عن سبب ظهور هذه الرسالة ، اتصل بنا

حجم الخط

- Aa +

Mon 31 Oct 2011 09:00 AM

حجم الخط

- Aa +

التحولات الثورية العربية: الاستعصاءات والمهام

بعد مرور أكثر من ستة أشهر على انعقاد الدورة الثانية للمؤتمر القومي/الإسلامي في بيروت نعيد نشر الورقة التي قدمها أ. معن بشور إلى المؤتمر بعنوان "التحولات الثورية العربية: الاستعصاءات والمهام" لما فيه من استباق رؤيوي لجملة المخاطر والتحديات التي يواجهها الحراك الشعبي العربي والتي اعتبرها  الكاتب "استعصاءات" أي أنها أكثر من صعبة وأقل من مستحيلة، مقترحاً جملة مهام لمواجهتها.

(ورقة عمل مقدمة للدورة الثامنة للمؤتمر القومي/الإسلامي المنعقد في بيروت في 16/17 نيسان/2011)

معن بشور

ملحوظة:

(بعد مرور أكثر من ستة أشهر على انعقاد الدورة الثانية للمؤتمر القومي/الإسلامي في بيروت (16-17 نيسان/أبريل 2011)، نعيد نشر الورقة التي قدمها أ. معن بشور إلى المؤتمر بعنوان "التحولات الثورية العربية: الاستعصاءات والمهام" لما فيه من استباق رؤيوي لجملة المخاطر والتحديات التي يواجهها الحراك الشعبي العربي والتي اعتبرها  الكاتب "استعصاءات" أي أنها أكثر من صعبة وأقل من مستحيلة، مقترحاً جملة مهام لمواجهتها.

 

فيرجى قراءة هذه الورقة بعين التطورات الراهنة، فلا نقع أسرى تحليل ظالم يتهم كل التحولات بأنها نتاج مؤامرة خارجية، ولا أسرى تحليل ساذج يقفز فوق التباينات العميقة بين كل حالة وأخرى).

          وفيما يلي نص الورقة:

 

لا يمكن لأي مراقب ومحلل موضوعي أن يعزل ما شهدته، وما تزال، أقطار الوطن العربي من ثورات أو انتفاضات أو احتجاجات، عن قيام كتلة تاريخية تضم في صفوفها تيارات الأمة وقواها الحية وشبابها البواسل وشخصياتها الحرة متجاوزة كل الحواجز والحساسيات والرواسب التي كانت تعيق دائماً أي حراك شعبي وتحاصره.

 

ولا يمكن أيضاً أن نقرأ ولادة هذه الكتلة التاريخية التي تثور في قطر، وتنتفض في قطر ثانٍ، وتحتج في قطر ثالث، بمعزل عن مناخ التلاقي والتحاور والتفاعل والتكامل بين تيارات الأمة الرئيسية وقواها وشبابها الذي ساهمت في إطلاقه تجربة المؤتمر القومي الإسلامي والمؤتمرات والهيئات الشقيقة (لاسيّما المؤتمر القومي العربي ومؤتمر الأحزاب العربية) على مدى عقدين من الزمن كان السؤال يضجّ خلالها: أين الجماهير العربية؟ أين شباب الأمة؟ أين القوى والحركات والأحزاب الملتزمة بمشروع نهوض الأمة ووحدتها وحريتها واستقلالها وكرامتها.

 

وكان الجواب يأتي دائماً من مؤتمرنا والمؤتمرات والهيئات الشقيقة بأن التحولات الكبرى هي فعل تراكم متصاعد لنضالات محدودة موزعة على غير مستوى، وفي أكثر من قضية وطنية أو قومية أو اجتماعية أو اقتصادية أو ثقافية أو حضارية أو دينية، بل إنها نتاج جهد دؤوب وصبور وعقلاني يسعى إلى توحيد الجهود، وتضافر القوى، والتلاقي على مشتركات، والحوار حول نقاط التباين الفكرية والسياسية والتاريخية.

 

ولقد كانت الإستراتيجية المعتمدة من مؤتمرنا والمؤسسات الشقيقة تقوم على التركيز على ما يوحّد، ثم الدخول من خلال هذه الوحدة إلى نقاط الخلاف أو الاختلاف بدلاً من ضرب ركائز الوحدة من خلال الانغماس والاستغراق فيما يفرّق أو يباعد.

 

وإذا كان المجال في هذه الورقة لا يتسع لتعداد جوانب التلاقي الذي يبرز بين تيارات الأمة وقواها الحية، لا سيما في مواجهة الأخطار الداهمة، والتحديات القائمة، سواء على الصعيد الخارجي من احتلال أو هيمنة أو إملاءات استعمارية ،أو على الصعيد الداخلي في مواجهة الاستبداد والفساد والاحتكار، وهو أمر لا يخفى على كل عضو من أعضاء هذا المؤتمر ممن عاشوا تجربة المواجهة المشتركة لهذه المخاطر والتحديات، وممن عانوا أيضاً من سلبيات الانقسام والاحتراب والإقصاء التي لم نستطع دائماً أن نتجاوزها، فإن تطوير هذه الإيجابيات وتحصينها وتجاوز السلبيات ومعالجتها يبقى مسؤولية هذا المؤتمر بكل ما يمثل، ومهمة رئيسية من مهامه.

 

وإذا كان البعض قد عزا تجربة التلاقي والتحاور والتشاور التي جسّدها مؤتمرنا وغيره من المؤسسات الشقيقة في السنوات الماضية إلى أن الجميع كان يواجه مخاطر خارجية وداخلية قاسية، فإن الحاجة إلى هذه التجربة - حسب هؤلاء - لم تعد ملحة اليوم لاسيّما في الأقطار التي حققت انتصاراً لثوراتها.

 

إن الاستسلام لهذا التصور يشكل خطورة كبيرة على الثورات التي انتصرت، كما على الثورات الآتية، لا لأنه يغفل أن هذه المخاطر ما زالت تحيط بأمتنا، كما بالثورات المنتصرة فقط، بل لأن هذا التصور، أياً كانت نوايا أصحابه، سيكون الثغرة الأكبر التي قد تنفذ منها كل قوى الثورة المضادة ومخططاتها وأدواتها.

 

وفي تاريخنا المعاصر والقديم، كما في تاريخ شعوب العالم ذاتها، نماذج معروفة لثورات مضادة قامت ونجحت في ضرب الثورات الشعبية الأصيلة حين ساءت العلاقة بين قوى الأمة وتياراتها فسادت أجواء الانقسام والاحتراب وإقصاء الآخر.

 

من هنا فإن مهمة مؤتمرنا اليوم يجب أن تركز على استنباط الأفكار والآليات والأساليب التي تمكننا من تحصين المكاسب الثورية التي حققناها، ومن استكمال تحقيق هذه المكاسب في سائر أقطار الأمة، سواء من حقق منها انتصارات كبرى أو من ينتظر انتصارات قادمة أو بشكل خاص من يواجه استعصاءات حادة على طريق الانتصار.

 

وقبل أن نطرح أمامكم جملة أفكار وآليات وأساليب تسهم في تحصين ما حققناه من انتصارات أو تحقيق ما ينتظرنا منها، لا بد من الوقوف أمام جملة الاستعصاءات التي بدأت تظهر بين ظهراني هذه الثورات أو تحاك لها في الخفاء.

 

أول الاستعصاءات هو محاولات الالتفاف على الثورات التي حققت انتصارات باهرة عبر ما يمكن أن نسميه بقوى الثورة المضادة التي وإن تراجعت مرحلياً إلا أنها ما زالت متخفرة للانقضاض على هذه الثورات وضربها من داخلها عبر مؤامرات، وأحابيل، ومناورات، وتحالفات تضم كل القوى والمصالح المتضررة من هذه الثورة لا سيما تلك المرتبطة بالأنظمة البائدة،  والتي لا ينبغي الاستخفاف بقدراتها ووسائلها ومحاولات تسللها عبر تفاصيل صغيرة كثيراً ما تغفل الثورة عنها، أو تتساهل في معالجتها، أو تستخف بتأثيرها رغم معرفتنا جميعاً أن الشياطين، لاسيّما شياطين الثورة المضادة، تسكن وتتحصن في مثل هذه التفاصيل.

 

وثاني الاستعصاءات هو سعي القوى المضادة للثورة لضرب ركائز الكتلة التاريخية التي وقفت وراء هذه التحولات الثورية عبر إثارة كل أنواع الانقسام والاحتراب والصراع بين قوى هذه الكتلة وتياراتها، فتغذي في الأقوى منها نزعات الغرور والتسلط والتفرد والاستغناء عن القوى الأضعف منها، فيما تغذي في القوى والتيارات الأضعف الشعور بالتهميش والإبعاد والإقصاء، فيتأسس على قاعدة هذا الإحساس بالقوة من جهة والإحساس بالتهميش من جهة ثانية مشروع انقسام جديد يطيح مع الوقت بكل ما تمّ إنجازه من مكاسب، وتتسلل عبره كل قوى الثورة المضادة لكي تحقق مؤامراتها وتنفذ مخططاتها الخبيثة.

 

ولو عاد كل منا إلى تجربة بلده خصوصاً، والى تجربة الأمة عموماً، لتذكر أن الكثير من التجارب التي تراجعت فيها قوة القوي لأنه وقع في مهاوي الغرور والتسلّط والتفرد، وتنامت لدى الضعيف نزعة للتحالف مع الشيطان أحياناً لمواجهة القوي المستبد، دون تقدير عواقب مثل هذا التحالف.

 

وهذه الانقسامات لم تقع فقط بين تيارات متباينة عقائدياً وفكرياً وسياسياً فحسب، بل أنها وقعت أيضاً داخل التيار الواحد وأحياناً داخل الحركة الواحدة، فتوسعها انشقاقاً وتمزقاً وتشققاً.

 

أما ثالث الاستعصاءات فهو تحويل التنوع العرقي والديني والمذهبي والجهوي والقبلي الذي تفخر به أمتنا، وتغتني به حضارتنا، إلى مصدر للشقاق والاحتراب والتمزق عبر إثارة كل النعرات العرقية والطائفية والمذهبية والجهوية والقبلية، والمضي بها بعيداً لا لتهديم الثورات فقط، بل لتمزيق المجتمعات، وتقسيم الأوطان أيضاً.

 

ويتصل بهذا الاستعصاء أيضاً السعي لتحويل التعدد الفكري والسياسي والحزبي، الذي هو قاعدة كل نظام ديمقراطي، إلى مصدر للتنابذ والتناحر والتنافر، فتتغلب المصلحة الفئوية الضيقة على المصلحة الوطنية الجامعة، وتغرق القوى المتناحرة في معادلة الإقصاء والإقصاء المتبادل، والإلغاء المتبادل، ويتحول التنافس وهو فضيلة إلى احتراب وهو رذيلة، ويتحول التعدد الذي هو من طبيعة الناس والمجتمعات إلى أحادية في أفكار والى أنظمة شمولية مدمّرة للمجتمعات والأوطان.

 

رابع هذه الاستعصاءات، وربما أخطرها، هو الترويج لنوع من التبسيط المخلّ لفهم ظواهر مركبة ومتداخلة، بل حتى لنوع من التضليل يجعل منا أسرى لنوع من التحليلات الأحادية نتيجة ضخ كمّ من المعلومات الكاذبة أو الناقصة أو المتلاعب بها، فيتمّ استدراجنا إلى رؤى قاصرة، ومواقف انفعالية وسطحية مشوشة، فتصبح "الواقعية" الساذجة، حتى لا نقول الخطرة، قاطرتنا إلى الانحراف عن المبادئ والثوابت، فيما تتحول "المبدئية"، البعيدة عن التعامل مع حقائق الواقع، إلى ضرب من "الطوباوية" الفاقدة للتأثير في حركة الواقع، بل المثيرة للسخرية والشفقة في بعض الأحيان.

 

وخامس هذه الاستعصاءات، وربما أكثرها شيوعاً، هو تلك المحاولات الفكرية والسياسية والإعلامية التي تسعى إلى الفصل بين ما هو مطلبي محلي اجتماعياً واقتصادياً وسياسياً وبين ما هو مطلوب على مستوى الأمة كلها من مهام التحرير والاستقلال والوحدة.

 

فهل يمكن فصل حرية المواطن عن حرية الوطن والأمة، وهل يمكن تحقيق تنمية قطرية دون تنمية على مستوى الوطن الكبير، وهل يمكن صون أمن قطر بعينه بمعزل عن الأمن القومي للأمة بأسرها، وهل يمكن فصل كرامة الإنسان عن كرامة مجتمعه الأكبر.

 

لقد أظهرت تجربة الدولة القطرية بما فيها الدولة الأكبر، أنها قد باءت بالفشل على كل المستويات فهي لم توفر للمواطن حريته. ولا للوطن أمنه، ولا للمجتمع تنميته، ولا للمواطن رغيفه ومسكنه والدواء والكساء، كما لم تحفظ للإنسان كرامته، بل إن ما نشهده من ثورات هو في جانب كبير فيه تعبير عن غضب الناس من الفشل الذريع الذي قدمته لهم الدولة القطرية، كما قدمته شعارات بائسة من نوع "القطر أولاً" التي أوصلت المواطن إلى وضع لا وطن فيه ولا مواطن، فجعلت القطر مكبلاً بقيود التبعية والفساد والاستبداد والاحتراب الأهلي المستمرّ، معلناً كان هذا الاحتراب أو كامناً.

 

إن مثل هذه المحاولات التي تحاول أن تفصل نضال الجماهير ضد الاستبداد والفساد عن مقاومتها للمشاريع الاستعمارية والصهيونية هي الوجه الآخر لمحاولات عشناها طويلاً حيث جرت الدعوة باسم مقاومة الاستعمار والصهيونية إلى التغاضي عن واقع الفساد والاستبداد، بينما يكشف أي تحليل عميق على مدى الترابط بين الفساد كمنظومة والاستبداد كنظام حكم من جهة وبين المشروع الاستعماري الصهيوني الذي طالما استخدم الأنظمة السيدة الفاسدة لخدمة مصالحه من جهة أخرى.

 

الاستعصاء السادس هو المحاولات الحثيثة التي تقوم بها القوى الخارجية، لا سيّما الغربية منها، للدخول السياسي والعسكري على خط هذه التحركات الشعبية  في محاولة مكشوفة للسيطرة  على وجهتها ولابتزاز قادتها ولوضع اليد على مقدرات بلادها.

 

وأخطر هذه المحاولات تتمثل بمحاولة استغلال رغبة القوى الشعبية بالتغيير الملح، أو استغلال جرائم الأنظمة بحق المواطنين، من اجل تمرير مخططات هذه القوى الأجنبية وسياساتها وتحقيق مصالحها.

 

وإذا كان الموقف المبدئي يدين التدخل الأجنبي بكل أشكاله، ويعتبره انتهاكاً للسيادة ، واعتداء على الاستقلال الوطني، فإن التجربة السياسية قد علمتنا بوضوح إنه بغض النظر عن المبررات التي تحيط القوى الأجنبية نفسها بها لتبرير تدخلها فإن الأثمان التي تدفعها الشعوب من جراء هذه التدخلات الأجنبية ستبقى اكبر بكثير من الأثمان التي تنالها ، وان جرائم الأنظمة مهما تمادت لا تبرر هذا التدخل، تماماً كما إن رفض هذا التدخل لا يجوز أن يبرر السكوت على جرائم الأنظمة ومجازرها التي تفوق أحياناً كل الحدود.

 

المهام المطلـــوبة

 

إزاء هذه الاستعصاءات التي تواجهها ثوراتنا الشعبية العربية وما يواكبها من انتفاضات وتحركات، تبرز أمام مؤتمرنا  القومي/الإسلامي جملة مهام ينبغي الانكباب العاجل على أدائها كي تصان هذه الثورات المجيدة وتتحصن بوجه الاختراقات والانقسامات والتزييف والتخويف.

 

1- لا بد للمؤتمر والمؤتمرات الشقيقة من وضع برنامج عمل لتعزيز الروابط بين مكوناته المعبّرة عن التيارات الرئيسية في الأمة، ولدراسة كل الثغرات التي انتابت العلاقة بين قوى الكتلة التاريخية في ضوء المتغيرات الكبرى التي شهدتها الأمة والسعي لتلافيها.

 

إن مثل هذا البرنامج مطلوب على المستوى الفكري، كما السياسي، على المستوى القطري كما على المستوى القومي، على مستوى الأهداف كما على مستوى الوسائل، وهو ما يحتاج إلى حلقة نقاشية عاجلة لدراسة كل جوانب هذا البرنامج وبنوده المستوحاة من عناصر المشروع النهضوي والعربي الذي تلاقينا حوله في هذا المؤتمر وغيره من المؤتمرات الشقيقة.

 

ومن هنا، فأننا نشدد على أهمية أن يقوم المؤتمر بالتعاون مع المؤتمرات الشقيقة بجهد عاجل واستثنائي من اجل التعاون بين قواه ومكوناته الفكرية والسياسية لتشكيل لوائح مشتركة في الانتخابات المحلية والتشريعية والرئاسية القادمة في الأقطار التي انتصرت فيها الثورة.

 

2- إن أعضاء المؤتمر، كل من موقعه، مدعو إلى التأكيد على الطابع التحرري والوحدوي والمعادي للاستعمار والصهيونية لهذه الثورات الشعبية لا لكون هذا الأمر ينبع من المبادئ والقيم التي تجمعنا، بل لأن هذا التوجه يحصن هذه الثورات والانتفاضات والاحتجاجات من كل محاولات الالتفاف عليها واختراقها، كما انه يشكل عنصر ترابط وتكامل بين هذه التيارات على مستوى الأمة العربية.

 

ورغم إدراكنا لواقعية المطلب بالا تُحمّل هذه الثورات الوليدة أكثر مما تحتمل من أعباء في مراحلها الأولى، ولكننا ندرك أيضاً أهمية أن تبقى ثوابت الأمة في رفض الاحتلال والمشاريع والمعاهدات الاستعمارية الصهيونية حاضرة في أجندة الثورات وتوجهاتها ولو بعد حين.

 

3- إن أعضاء المؤتمر، من موقعه، مدعوون إلى عدم التهاون مع أي خطاب أو ممارسة يشتم منها التحريض العرقي والطائفي والمذهبي لما لذلك من خطر على وحدة الأمة، ومن ترويج لمنطق الفتنة،، ومن انتهاك صريح لروح الأديان ولشرعة حقوق الإنسان.

 

فأياً كانت مغريات الانزلاق إلى إثارة العصبيات الفئوية على أنواعها، وأيّا بدت للوهلة الأولى سهولة التجييش الجماهيري من جراء هذه الإثارة، فان تكاليف هذا الانزلاق تبقى أخطر واكبر على الأمة من أي مكاسب آنية يجنيها دعاة الفتنة، بل تبقى أخطر على هؤلاء أنفسهم الذين يسقطون أخلاقياً ودينياً قبل أن يسقطوا سياسياً وأخلاقياً.

 

فالاعتراض على حاكم أو مجموعة حاكمة أو حتى على فئة ثائرة لا يجوز أن يتحول إلى تحريض على الجماعة العرقية أو الدينية  أو المذهبية أو حتى الحزبية التي ينتمي إليها المعترض عليهم "فلا تزروا وازرة وزر أخرى" صدق الله العظيم.

 

4- إن أعضاء المؤتمر وغيره من المؤسسات الشقيقة مدعون إلى التأكيد فكرياً وسياسياً على التكامل بين حركات المقاومة في الأمة وبين الثورات والانتفاضات الاجتماعية الشعبية التي تجتاح أقطار الأمة، لا لأن المقاومة بتضحياتها وانتصاراتها وصمودها قد أجبرت المشروع الأمريكي على الانكفاء فقط، لا لأنها كشفت التواطؤ بين بعض الأنظمة وهذا المشروع بكل عناوينه فحسب، ولا انها تسببت بوهن عام للقوى المضادة لطموحات الأمة وإرادتها فحسب. بل أيضاً لأن هذه الثورات مؤهلة بالمقابل أن تفتح أفاقاً كبرى لإرادة المقاومة في الأمة لا سيّما في مواجهة متطلبات الصراع العربي – الصهيوني.

 

إن التأكيد على عمق التكامل بين المقاومة العربية كثورة في وجه المحتل، والثورات كمقاومة في وجه الظلم والاستبداد والفساد والتبعية، وتوفير التأصيل الفكري والترجمة العملية لهذا التكامل يبقى مهمة كبرى لمؤتمراتنا في المرحلة القادمة.

 

5- إذا كان من أبرز مهمات المؤتمر والمؤسسات الشقيقة أن يكون حاضراً من خلال أعضائه والقوى المكونة له بكل هذه الثورات والانتفاضات والاحتجاجات، وان يكون حاضناً لها ومسانداً لها في وجه القمع والبطش والإرهاب السلطوي، فإن من مهماته أيضاً أن يطمئن إلى السقف الوطني والقومي لهذه التحركات والى سلامة الأهداف والعلاقات التي تحيط بها، فلا تنزلق باسم التغيير والإصلاح والحرية إلى مهاوي الفوضى والفتنة والاحتراب الأهلي، كما لا يجوز التذرع برفض هذه الفوضى والاحتراب لكي نغلق الباب أمام عجلة التغيير والإصلاح والحرية.

 

6- على الرغم من وجود سمات مشتركة عديدة، بل موحدة، لهذه التحركات الشعبية سواء في مطالبها أو آليات تحركها  أو شعاراتها أو هتافات شبابها، في معاناتها وتطلعاتها، في آلامها وأمالها، فإن المؤتمر، ومعه المؤسسات الشقيقة، مدعو إلى التقاط الخصوصيات التي تتميز بها كل تجربة أو ساحة عن التجارب والساحات الأخرى، عبر مقاربة شجاعة ودقيقة لهذه الخصوصيات.

 

فمن الخطأ البالغ ألا نرى أوجه التماثل العديدة بين ما نشهده حولنا من ثورات وانتفاضات واحتجاجات، وبما يؤكد وحدة هذه الأمة وحيويتها، بل أن لا ندرك التأثيرات المتبادلة لكل منها على الآخرين، ولكن من الخطأ أيضاً ألا نتلمس خصوصية كل تجربة، في الظروف المحيطة بها وفي التعقيدات المرتبطة بها، فلا نخلط بين مجتمعات شبه متجانسة تماماً، وبين أخرى تنطوي على تعددية عرقية أو دينية أو مذهبية، ولا  نتجاهل دور قوات مسلحة متميّزة نسبياً عن رأس النظام وبين تلك المرتبطة عضوياً به، ولا نخلط بين ثورات وانتفاضات تستهدف تغيير النظام أو إسقاطه وبين أخرى تستهدف إصلاحه أو تطويره، وبين ثورات توحد شعوبها وبين تحركات تفضي إلى تمزيق هذه الشعوب.

 

فالمبالغة في التركيز على عوامل التماثل بين هذه الثورات والانتفاضات دون التنبه للخصوصيات، أو المبالغة في التركيز على الخصوصيات دون إدراك عناصر التماثل والتفاعل والتشابه بين هذه الثورات، كلاهما خطأ ينقل من يأس غير مبرر (كما كان حال كثيرين عشية اندلاع الثورات) إلى أمل كاذب حين توقعنا لكل تحرك أن يحقق بسرعة ما تم انجازه في الثورات الأولى، ثم من أمل كاذب إلى يأس غير مبرر.

 

7- لقد علمتنا التجارب الثورية العديدة في بلادنا، أو في العالم من حولنا، إن إسقاط النظام يختلف عن بناء النظام، وانه إذا كان لإسقاط النظام شروطه وآياته وأساليب عمله، فإن لبناء النظام الجديد شروط مختلفة وآليات من نوع آخر.

 

من هنا فالمؤتمر بكل أعضائه، والمؤسسات الشقيقة، ولا سيّما مراكز الأبحاث والدراسات بينها، مدعوون للانهماك بإعداد رؤى، وتصوّر أفكار وصوغ مشاريع عملية محددة لوضعها بتصرف قوى التغيير للاستفادة منها، سواء كانت الرؤى والأفكار والمشاريع متعلقة بالوضع المحلي، أو بالكفاح على مستوى الأمة والعالم، وذلك لكي لا نكرر أخطاء وقع فيها غيرنا، وكي نستفيد من ايجابيات مكنت آخرين من النصر.

 

8- إن من ابرز هذه الرؤى والأفكار هو ما يتعلق بعلاقة القطر بالأمة بحيث تكون هذه التغييرات معبراً حقيقياً لقيام الوحدة على مستوى الأمة، بغض النظر عن الصيغ الدستورية أو التفصيلية التي يمكن أن تصاغ بها هذه الوحدة.

 

وأحد قوانين الثورات أو التغييرات الكبرى يؤكد على إن الثورة إما أن تنجح في فتح الآفاق الأوسع أمامها، وأن تتكامل مع غيرها، أو تقع في التشرنق والاختناق والتآكل من الداخل، مع التنويه بأن فكرة فتح الآفاق والتكامل مع الآخرين هي أيضاً نقيض فكرة تصدير الثورة التي تتجاهل المبدأ الأول لكل ثورة وهو أنها تنبع من داخل شعبها ومجتمعها لا من خارجه.

 

ومن حقنا أن نفترض انه بقدر ما تستعيد الأمة حريتها فإنها تسقط قيود التجزئة والانقسام التي طالما كانت حامية لأنظمة الاستبداد والفساد وحارسة أمينة عليها.

 

لذلك، فإن المؤتمر القومي/الإسلامي ومعه المؤسسات الشقيقة مدعّو أيضاً إلى إطلاق مبادرات ذات طابع تكاملي وحدوي بين أقطار الأمة كالسوق العربية المشتركة، والمشاريع الاقتصادية العربية المشتركة، وكسكك للحديد على امتداد الوطن العربي أو كإلغاء تأشيرات الدخول بين الأقطار العربية وصولاً إلى تشكيل قوى ضغط عربية لتنفيذ العديد من الاتفاقيات والمعاهدات والقرارات الصادرة عن مؤسسات العمل العربي المشترك والتي لو تم الالتزام بها، (كما يجري الالتزام الحرفي بقرارات مجلس وزراء الداخلية العرب مثلاً) لانتقلت الأمة من حال إلى حال.

 

9- وفي الإطار ذاته فإن مؤتمرنا، وسائر المؤسسات الشقيقة، مؤهل لأن يعطي لهذه التحولات الهامة بعدها الإسلامي والإقليمي، بدءاً من تعزيز الحوار القائم على المصارحة، والتعاون القائم على الاحترام المتبادل، بين الأمم العربية والتركية والإيرانية لإطلاق مشروع شرق أوسط إسلامي يحمل في طياته توازناً عميقاً حامياً لأمن المنطقة واستقرارها، كما يفتح آفاقاً واسعة على الصعد الإستراتيجية والأمنية والاقتصادية والحضارية لكل شعوبنا.

 

إن أعظم ما في هذه التحولات الشعبية الكبرى، لا سيًما في مصر، أنها عززت الآمال بإمكانية قيام مشروع عربي مستقل يتكامل مع إيران وتركيا ويعزز علاقاته بدول الجوار الأفريقي، ويشكل ركيزة من ركائز حركة التحرر العالمي بما يعيد للعرب دورهم وموقعهم الذي احتلوه من أواسط الخمسينيات حتى أواسط السبعينيات.

 

10- إن تحصين الثورات والانتفاضات والاحتجاجات من الانتكاس مرهون كذلك بدراسة معمقة للتجارب الثورية السابقة في الأمة، وكذلك  للتجارب الثورية على مستوى العالم خصوصاً تلك التي انتكست منها لمعرفة أسباب هذه الانتكاسات والسعي لمعالجتها في أوضاعنا الحالية.

 

وفي هذا المجال، فإنني اقترح عليكم، لا سيّما من يشرف منكم على مراكز ومنتديات ثقافية أن يجري تنظيم ندوات وحلقات نقاش لدراسة ثوراتنا العربية والإسلامية المعاصرة من اجل استخلاص الدروس والعبر منها، كما لدراسة الثورات العالمية خصوصاً ثورات 1848 في أوروبا، والتي أطلق عليها اسم ربيع أوروبا والتي يشابه اندفاعها وانتقالها من قطر إلى قطر ثورات أمتنا في ربيعها الحالي، والتي رغم ما أصابها من نكسات وهزائم ألقت بظلالها على مستقبل أوروبا طيلة النصف الثاني من القرن التاسع عشر وطيلة القرن العشرين.

 

إننا إذ نضع أمامكم هذه التحديات الناجمة عن الاستعصاءات التي تواجه الثورة العربية، ونقترح مهاماً ينبغي لمؤتمرنا أن يضطلع بها فإن علينا أن نؤكد اعتزازنا العالي بما تحقق من انجازات حتى الآن، وبما تفجّر من طاقات كامنة لدى أبناء شعبنا، كما بقدرة كامنة لدى أبناء شعبنا، وان نجدد استبشارنا بقدرة هذه التحولات على صناعة مستقبل مشرق لامتنا لأنها نجحت أولا في أن تعيد للشعب دوره، وان تكسر حواجز الخوف التي إقامتها أنظمة القمع والاستبداد.

 

إن من حق مؤتمرنا الذي تحمّل العديد من أعضائه الكثير من المعاناة، وبذل الكثير من التضحيات، ودخل السجون، وتحرك في الميادين والساحات، أن يرى في هذه التحولات مكافأة لرؤيته الجامعة ولكفاحه الثابت، ولتضافر جهود مكوناته من قوى وشخصيات، وان يعتبر هذه التحولات مسؤولية جديدة تضاف إلى مسؤولياته وعنوانها " كيف نحصن ثوراتنا ونحميها، وكيف نعبر معها وبها إلى مشروعنا النهضوي فنحرر الأرض والإنسان، ونوحد الأمة ومجتمعاتها، وننمي الموارد والطاقات، ونجدد الإيمان بعقيدتنا والالتزام بمتطلبات تجددنا الحضاري.