لاحظنا أنك تحجب الإعلانات

واصل دعمك للصحافة اللائقة بتعطيل أدوات حجب الإعلانات

في حال وجود استفسار عن سبب ظهور هذه الرسالة ، اتصل بنا

حجم الخط

- Aa +

Tue 16 Nov 2010 10:37 PM

حجم الخط

- Aa +

كارثة بيئية تحل بشرق سوريا

قامت قبيلة عنيزة برعي الجمال في أراض تغطيها الرمال شمالي نهر الفرات منذ ظهور الإسلام ولكن نقص الماء جعل أسلوب حياتها ذكرى بعيدة.

كارثة بيئية تحل بشرق سوريا

قامت قبيلة عنيزة برعي الجمال في أراض تغطيها الرمال شمالي نهر الفرات منذ ظهور الإسلام ولكن نقص الماء جعل أسلوب حياتها ذكرى بعيدة.

وأدى الجفاف خلال السنوات الخمس الماضية لنفوق 85 في المائة من الماشية في شرق سوريا حيث عاشت قبائل عنيزة منذ القدم.

وغادر ما يصل إلى نصف مليون نسمة المنطقة في واحدة من أكبر موجات الهجرة الداخلية في سوريا منذ أن استقطعت فرنسا وبريطانيا الدولة من الإمبراطورية العثمانية في العام 1920.

وساهمت الآبار التي حفرت بطرق غير مشروعة لري محاصيل القمح والقطن المدعمة في تدمير مخزون المياه الجوفية. وتحولت المزارع التي تعتمد على الأمطار إلى ارض قاحلة ودمرت أمراض مثل صدأ القمح المحاصيل هذا الموسم.

وخلال العقد الماضي، أضحت الأمطار أكثر ندرة، وتوضح بيانات رسمية أن متوسط كمية الأمطار المتساقطة نزل إلى 152 ملليمتراً من 163 ملليمتراً في التسعينيات و189 ملليمتراً في الثمانينيات. وتعرضت المنطقة لموجة حرارة غير مسبوقة هذا العام، وتجاوزت درجات الحرارة 40 درجة مئوية لمدة 46 يوماً على التوالي في يوليو/تموز وأغسطس/آب.

وأصبحت سوريا مستوردة للقمح مما قوض سياسة الدولة الرامية لتحقيق اكتفاء ذاتي من الغذاء.

وتتوقع نماذج المناخ أن تصبح المنطقة أكثر جفافاً، وتسودها درجات حرارة أعلى خلال القرن الحالي. ويقول وزراء وسكان إن عوامل أخرى تسهم في تفاقم المشكلة.

وقالت وزيرة البيئة كوكب داية في مؤتمر للمياه في دمشق في الشهر الماضي إن التلوث لعب دوراً في تدهور 59 في المائة من الأراضي الزراعية حيث استخدمت على نطاق واسع مياه صرف صحي غير معالجة في الري.

ويقول سكان إن الفساد وسوء الإدارة هما السببان الرئيسيان للازمة، ويشيرون لأراض تابعة للدولة، وتدار بشكل سيء وإلى سياسات على غرار ما كان مطبقاً في الاتحاد السوفيتي السابق إلى جانب حفر قنوات ري تصل لأراض مملوكة لأشخاص ذوي نفوذ واسع في أراض أخصب في الغرب.

وقال أحمد المهباش رئيس اتحاد الفلاحين الذي تدعمه الدولة بمحافظة الرقة "يبعد جب شعير ثلاثة كيلومترات فقط عن القناة، ولكن انظر مدى جفاف الأرض في القرية".

وأقامت الدولة شبكات ري في الشرق في السبيعنيات، وعززت الدعم المقدم لزراعة القمح والقطن مما اكسب حزب البعث الذي تولى السلطة منذ نحو 50 عاماً تأييد القبائل.

ولكن شبكة الري التي بناها السوفيت فشلت في ملاحقة النمو السكاني خلال العقود الثلاثة الماضية. وينمو تعداد سكان سوريا البالغ 20 مليون نسمة بمعدل 2.5 في المائة سنوياً.

وتشهد مدينة الرقة عاصمة المحافظة التي تحمل نفس الاسم، والتي بناها الإسكندر الأكبر تراجعاً مستمراً.

ويعطي سور المدينة المشيد على شكل حدوة فرس ومتحف داخل قصر يرجع لأيام الانتداب الفرنسي لمحة عن المدينة الجميلة التي كانت في فترة ما الخط الأمامي في المواجهة بين البيزنطيين والفرس وفي وقت لاحق اختارها الخليفة المنصور مؤسس بغداد والخلافة العباسية عاصمة ثانية بعد بغداد.

وخارج المدينة يوجد جب شعير وهو معقل قبلي حيث تحول لون مياه نهر الفرات إلى اللون البني بسبب مياه الصرف، وأسودت قطع من الأرض نتيجة الملوحة وتبدو كأنها غمرت بالزيت. ودمرت دودة القطن محصول القطن.

وتنمو أشجار الزيتون والموالح متباعدة في أراض قاحلة حفر أصحابها آباراً دون ترخيص.

ويلمح مسؤولون للحاجة لإصلاح نظام الدعم الزراعي الذي يحمله اقتصاديون مستقلون وخبراء مياه مسؤولية حالة الفوضى البيئية وتراجع موارد المياه.

وقال وزير الزراعة إن دعم الأسمدة ألغي مما ساعد على تقليص الفساد.

وتفيد أرقام رسمية أن حصة الزراعة من الناتج المحلي الإجمالي انخفضت عشر نقاط مئوية إلى 13 بالمائة في السنوات الخمس الماضية. ولا زالت الزراعة تستهلك ما بين 90 و95 في المائة من موارد المياه في سوريا.

وساعدت الروابط القبلية مع السعودية أبناء قبيلة عنيزة على التكيف مع الجفاف بصورة أفضل من نظرائهم في الشرق، والذين يعيشون الآن في أحياء فقيرة حول دمشق وحلب وحماة.

وأغلب سكان جب شعير من النساء والأطفال لأن الرجال إما في السعودية أو يحاولون الوصول إليها بحثاً عن فرص عمل بسيطة. ويستشري الفقر والجهل بينما الخدمات الحكومية ضعيفة أو منعدمة.

وتربي مريم الفلج خمسة أطفال بمفردها بعد أن وجد زوجها فرصة عمل كراع في السعودية بعد أن نفقت ماشيته. وتقول "لم يحصل احد أبنائي على أي تطعيمات لأن مسؤولي الصحة في الحكومة لم يعودوا يأتون إلى هنا".

وتتنامى التوترات الاجتماعية. ويجتمع أفراد القبيلة كل يوم في منزل شيخها غازي المحيمس للتعبير عن معاناتهم.

وأحد الرعاة يجني حوالي ستة آلاف ليرة سورية (130 دولاراً) شهرياً، ولديه زوجة، ويعول ثلاثة أطفال.

ويقول المحيمس إنه "يحتاج ألفي ليرة شهرياً لشراء الخبز فقط . تصور حياة شاب كل تطلعاته أن يعمل من طلوع الفجر إلى غروب الشمس الحارقة في السعودية. لو توافر الماء لبقي الرجال هنا يحرثون أرضهم".

وأسست الحكومة قسم "مكافحة الجفاف" ولكن رئيسه في محافظة الرقة صرح لرويترز بأن مهمته الأساسية حتى الآن جمع بيانات.

والمانحون الدوليون أكثر نشاطاً.. فبرنامج الغذاء العالمي يساعد في إطعام 190 ألفاً بينما يحتاج 110 آلاف آخرين لحصص غذائية. وتقدر الأمم المتحدة أن 800 ألف من سكان المنطقة الشرقية التي يقطنها خمسة ملايين نسمة يعيشون في فقر مدقع.

وأقر حكمت جولاق نائب رئيس اتحاد المهندسين الزراعيين في الرقة بأن خفض الدعم سيسهم في توفير قدر أكبر من المياه لكنه قال إن الأمن القومي يتطلب أن تبقي سوريا على سياسة الاكتفاء الذاتي من المحاصيل الرئيسية.

وذكر أن الحل يكمن في زيادة الاستثمارات وتنظيم شبكات الري واستخدام التكنولوجيا.

وأضاف "استطاعت الصين تغطية جميع المناطق الصحراوية بنباتات للرعي طورت حديثاً".