لاحظنا أنك تحجب الإعلانات

واصل دعمك للصحافة اللائقة بتعطيل أدوات حجب الإعلانات

في حال وجود استفسار عن سبب ظهور هذه الرسالة ، اتصل بنا

حجم الخط

- Aa +

Sun 20 Jun 2010 12:20 PM

حجم الخط

- Aa +

أبوك مات .. فلوس "مؤشرات البطالة"

أراد موظف "من ذوي الدخل المحدود" أن ينقل لأخيه الذي يعمل خارج البلاد "ويقبض بالدولار" خبر وفاة والدهما ويبلغه حاجته الملحة لمئتي دولار لاستكمال إجراءات الدفن. ذهب إلى مركز البريد لإرسال برقية عاجلة وكتب الآتي: "أخي الحبيب تعازي الحارة لفقدان والدنا الغالي الذي وافته المنية إثر نوبة قلبية، ونحتاج إلى 200 دولار لإجراءات الدفن.

أبوك مات .. فلوس "مؤشرات البطالة"

أراد موظف "من ذوي الدخل المحدود" أن ينقل لأخيه الذي يعمل خارج البلاد "ويقبض بالدولار" خبر وفاة والدهما ويبلغه حاجته الملحة لمئتي دولار لاستكمال إجراءات الدفن. ذهب إلى مركز البريد لإرسال برقية عاجلة وكتب الآتي:
"أخي الحبيب تعازي الحارة لفقدان والدنا الغالي الذي وافته المنية إثر نوبة قلبية، ونحتاج إلى 200 دولار لإجراءات الدفن.

أخوك المحب ..... فلان". وباعتبار أن الحادثة تنتمي لثمانينيات القرن الماضي، فقد كانت الكلمات بفلوس والبرقية تكلفت مبلغاً كبيراً, الأمر الذي أجبر الرجل أن يطلب من موظف البريد أن يختصر جملة التعازي وسبب الوفاة، لكن الأمر فيما يبدو تطلب شطباً أكبر للكلمات باعتبار أن ما يملكه لا يغطي أكثر من ثلاث كلمات والتي اختارها أن تكون: "أبوك مات ... فلوس". لكن ما علاقة تلك القصة بمؤشرات البطالة, علاقتها أنها تساعدنا في قراءة مختلفة للأرقام الجامدة التي في كثير من الأحيان تأخذ في عين الاعتبار أن الزمن يتغير والتكنولوجيا وحاجات البشر وطبيعة الجغرافيا تضيف عوامل جديدة لا تعكسها الأرقام وحدها. بدءًا من الزمن الذي كان يتقاضى به أجراً، مقابل نقل الكلمات من مكان إلى آخر, تعريجاً على مركز البريد الذي كانت جغرافيته مهيأة لاستيعاب آلات البرق, انتهاء بالموظف الذي يتطلب مهارات معينة للعمل على ماكينة الثمانينيات والذي بطبيعة الحال من الممكن استبداله بأشخاص بمهارات معينة.

الموضوع الذي أريد أن أثيره هنا أن معظم المؤشرات الاقتصادية التي نسمعها كل يوم لم تأخذ بعين اعتبارها أن عليها أن تضيف عوامل كثيرة حياتية لبياناتها. حيث إن أرقام العاطلين عن العمل لا تزال تعكس شكل المصنع القديم الضخم بطوابيره البشرية والعمال القابلين للتبادل والذين اعتدنا على كونهم لا يطرحون الأسئلة أثناء العمل. والأهم أن الإنتاج كان "بالجملة" في كل المجالات حتى في التعليم والصحة ووسائل الإعلام. لكن العصر فرض مصطلحات جديدة يجب مراعاتها وإن كان أهمها أن كيانات التصنيع والإنتاج في كل قطاعات الحياة تميل إلى شخص أو عامل أو موظف أو مدرس بات يظهر بشكل مختلف جداً يفكر ويطرح أسئلة ويجدد ويغامر. أي الانتقال من "الإنتاج بالجملة" إلى إنتاج التخصص أو "التفرد" أي بمعنى أن آلات التلكس قد انقرضت بمجرد أن انتشر الإنترنت وأصبح ليس تبادل الكلمات والرسائل بالمجان فقط، بل وأطنان من البيانات والمعلومات ومن داخل منزلك دون الحاجة إلى الانتقال إلى أي مكان. ما لا تراعيه المؤشرات كالبطالة مثلاً: عموميتها المفرطة عندما تقول نسبة معينة أو 1000 شخص مقابل توافر 100 فرصة عمل فقط. لكن كيف يتم التعميم بهذا الشكل؟! التفاصيل هنا فضيلة: أي عندما نطالع تفاصيل الأرقام وشرحها لمن يتم تسريحهم ومستواهم التعليمي أو مستوى خبراتهم ونقارنها مع ما تقدمه سوق العمل من وظائف أو فرص ويبدأ التركيز على تلك التفاصيل ونشرها بين العموم, في هذه الحالة قد تظهر آليات تفكير جديدة لدى كل المستويات من عمال وأرباب عمل وأنظمة تعليم أو تدريس وبأهمية كبرى الحكومات. المؤشرات الديناصورية حالها حال المصانع الديناصورية لا تقود إلى فهم الحال الذي يتطلب شركات أكثر تخصصاً وتعتمد على تقنية قادرة على العمل بسرعة وبسعر أرخص؛ ولذلك زمن الأزمة الذي سيكون نموذجاً لزمن المستقبل كانت معالمه الأساسية قطع الشحوم الزائدة والتركيز على نظام الحميات للمدى الطويل. وفي هذا الإطار تتشابه كلمات صديقنا الموظف مع عالم الأعمال والإنتاج الذي يحتاج إلى أن يكون أكثر اختصاصاً وفاعلية وأقل تكلفة في الوقت والجهد والمال فكما تخبرنا حكمة القدماء أن كلفة كثرة الكلام أحياناً قد تكون باهظة وبأن الاختصار قوة.