يتوجه يوم السبت المقبل ملايين العراقيين للإدلاء بأصواتهم في انتخابات مجالس المحافظات بعد أن بدأ التصويت الخاص بعناصر الجيش والشرطة والسجناء أمس الأربعاء في ظل أنباء عن حدوث تزوير وانهيار للتحالفات الطائفية.
وتكتسب هذه الانتخابات أهميتها من أنها الأولى منذ انتخابات عام 2005 التي قاطعها كثير من العراقيين السنة، حيث لم تعلن أي جهة مقاطعتها لهذه الانتخابات، إضافة أنها تأتي مع تفكك التحالفات السياسية الكبيرة في البلاد والمبنية على أساس طائفي.
وإذا حافظ التحالف الكردستاني على وحدته خلال ست سنوات تقريبا من الاحتلال فإن تحالف الشيعة المعروف بالائتلاف العراقي وتحالف السنة المعروف بجبهة التوافق شهدا عددا من الانقسامات إيذانا بانهيار عصر الطائفية في البلاد.
ويتنافس ما يقرب من 14400 مرشح في الانتخابات، لشغل 440 مقعدا في 14 محافظة في كل أنحاء البلاد باستثناء محافظة كركوك التي لم يحسم الخلاف بشأنها بعد، إضافة لإقليم كردستان بمحافظاته الثلاث أربيل والسليمانية ودهوك.
انتخابات خاصة
بدأت أمس المرحلة الأولى من الانتخابات العراقية وهي مخصصة للسجناء والنازحون، إضافة إلى رجال الشرطة والجيش ليتمكنوا من أداء عملهم في الانتخابات العامة يوم السبت المقبل من خلال عملية أمنية كبيرة تتضمن حظر سير المركبات في الشوارع.
وبدأ التصويت مبكرا، ولم تسجل قوات الأمن حوادث عنف أو تفجيرات، على الرغم من الأنباء التي تتحدث عن زرع عبوات ناسفة أمام المراكز الانتخابية، إضافة إلى اغتيال مرشحين قبل بدء التصويت.
وقال الجندي عابد خلف في أحد مراكز الاقتراع أن مشاركته في الانتخابات هي تحدي لكل إرهابي ولكل معارض، وأنه لا يشعر بالخوف لان الشخص الأمين يجب ألا يخفي رأسه عن هذه الجماعات.
وقال المقدم خليل كمال أن رجاله سعداء لإدلائهم بأصواتهم وأن هذا اليوم مثل عرس لكل الجيش.
ويوجد عشرات آلاف النازحين المسجلين للتصويت الخاص وإن كانوا يشكلون جزءا صغيرا فقط مما يصل إلى أربعة مليون عراقي يعتقد أنهم فروا إلى الخارج أو إلى أجزاء أخرى بالعراق أثناء سنوات الاحتلال.
انتخابات عامة
تعيد انتخابات يوم السبت المقبل التي يشارك فيها كل أطياف الشعب العراقي رسم الخريطة السياسية في العراق، خصوصا بعد توقيع اتفاق الانسحاب مع الولايات المتحدة الذي ينص على سحب 140 ألف جندي أمريكي من العراق.
ويقول السنة أن امتناعهم عن المشاركة في انتخابات 2005 منعهم من التمثيل في مجالس المحافظات، وأن هذا ولد الكثير من المشاكل والاتهامات، حيث حصلت أقليات في بعض المحافظات كالموصل الواقعة شمال البلاد على غالبية المقاعد فيما حرم العرب السنة الذي يشكلون الغالبية في المحافظة من تمثيل أنفسهم.
ويقول محمد شاكر مسؤول الحزب الإسلامي العراقي في الموصل أن السنة سيشاركون لأنهم يرون المشاكل التي نشأت عن عدم مشاركتهم المرة الأخيرة.
تزوير معلن
يثير إعلان المفوضية العليا للانتخابات العراقية قبل الانتخابات عن عدد المراقبين على انتخابات مجالس المحافظات المزيد من المخاوف من حدوث تزوير، من ناحية العدد الكبير للمراقبين الدوليين والمحليين والإعلاميين، ومن ناحية إعلان هيئة النزاهة عن ضبط حالات تزوير في وثائق بعض المرشحين قبل البدء بالتصويت.
وقالت المفوضية العليا للانتخابات أن 14 جهة دولية من الجامعة العربية ومنظمة المؤتمر الإسلامي والاتحاد الأوروبي سيراقبون سير الانتخابات العراقية لمجالس المحافظات، وأن عدد وكلاء الكيانات السياسية المسجلين لدى المفوضية بلغ نحو 149 ألف مراقب، ونحو 60 ألف مراقب محلي مستقل، ونحو 250 إعلامي محلي، و175 إعلامي أجنبي.
وقالت هيئة النزاهة العراقية في وقت سابق أنها اكتشفت أكثر من 65 وثيقة دراسية مزورة لمرشحين ضمن قوائم انتخابية مشاركة في انتخابات مجالس المحافظات، وإن الحالات هي جزء من ثلاثة آلاف وثيقة دراسية تم تدقيقها حتى الآن من أصل 50 ألف وثيقة.
وعلى الرغم من أن تزوير وثائق خاصة لا يؤثر على نتيجة التصويت، لكنه يوضح نية التزوير الموجودة، خصوصا مع إعلان التيار الصدري الشيعي أن التزوير في الانتخابات سيحصل أثناء نقل الصناديق من مراكز الاقتراع.
عرس ديمقراطي
اظهر استطلاع للرأي أجرته صحيفة الصباح المحلية أن أغلبية العراقيين سيشاركون في الاستحقاق الانتخابي بشكل كثيف، ويترافق هذا الاستطلاع مع الدعوات التي وجهها عدد كبير من القادة السياسيين والنواب ورجال الدين والمرجعيات للمشاركة في الانتخابات، إضافة لتوقعات المفوضية العليا للانتخابات بمشاركة واسعة لنحو 15 مليون مواطن يحق لهم التصويت.
ويصف الساسة العراقيون هذه الانتخابات بالعرس، ويكرر رئيس الحكومة نوري المالكي في كل خطاباته التي شملت معظم مدن العراق الجنوبية دعوته للمشاركة في الانتخابات، ويحرص على تسميتها بالعرس الديمقراطي الذي حرم منه أثناء حكم الرئيس العراقي الراحل صدام حسين، ولا ينسى أن يحمل كل مشاكل العراق الأمنية والاقتصادية والاجتماعية “لنظام الدكتاتور”.
ويردد كثير من النواب العراقيين كلمة المالكي بما فيها العرس الديمقراطي، وإذ تعتبر الحكومة العراقية انها حققت الانجازات فإن الواقع على الأرض يشير إلى خلاف ذلك، فعلى أرض الواقع انخفضت أعمال العنف لكنها موجودة، ومازال عدد النازحين فوق كل احتمال، وبقيت يوميات العراقي وحديثه كما هي في كل يوم منذ عهد صدام وحتى اللحظة، كهرباء وماء وأزمة نقل حادة.
شيعة وسنة
قبيل الانتخابات العراقية يتوقع المحللون والسياسيون في البلاد تغييرات كبيرة على البنية السياسية للأحزاب والتنظيمات التي وضعت الشعار الطائفي في أعلى اهتماماتها لمحاكاة الواقع الذي فرضه احتلال البلاد عام 2003.
وتشهد الانتخابات العراقية المقبلة لمجالس المحافظات صراعا حادا داخل الطائفة الواحدة للفوز بأصوات الناخبين على النقيض من الانتخابات الماضية التي جرت تحت هيمنة صراع طائفي بين الشيعة والسنة.
ويقول حازم النعيمي وهو محلل سياسي وأستاذ جامعي في العلوم السياسية أن التحالفات والقوائم التي بنيت في الماضي على أساس الطائفة انتهت وتفككت إلى أحزاب وتيارات منفردة يضاف إليها ولادة قوى سياسية جديدة، وبدا كل حزب ينافس تلك الأصوات التي حصلوا عليها عندما كانوا يشكلون تحالفات وقوائم مشتركة، ويمكن القول أن أصدقاء الأمس الذين أسسوا تلك التحالفات تحولوا اليوم إلى أعداء متنافسين فيما بينهم.”
ويقول عضو البرلمان عن قائمة التوافق السنية هاشم الطائي أن المرحلة الماضية شهدت استقطابا طائفيا وفرزا طائفيا يمكن أن نقول عنه أنه أصاب جميع المحافظات العراقية وبدون استثناء، لكن الصراع بين الأحزاب للانتخابات القادمة قد يكون سنيا سنيا أو شيعيا شيعيا أو حتى علمانيا أو قوميا.
وأعلنت أحزاب رئيسية في البلاد عزمها خوض الانتخابات المقبلة بشكل مستقل، وستشهد الانتخابات المقبلة قائمة مستقلة لحزب الدعوة الذي يتزعمه رئيس الحكومة الحالي نوري المالكي، وأخرى وللمجلس الإسلامي الأعلى الذي يتزعمه عبد العزيز الحكيم، وقائمة للحزب
الإسلامي وهو الحزب الأبرز لما تبقى من جبهة التوافق السنية.
وأدى الصراع الطائفي الدموي في العراق وما رافقه من عمليات تهجير جماعي للملايين منذ الاحتلال الأمريكي للبلاد عام 2003 إلى إقرار حالة جديدة في العراق تمثلت في تكوين مجتمعات وكيانات سكنية على أساس طائفي.
واضطرت عشرات الآلاف من الأسر إلى هجر منازلها ومناطق سكنها بحثا عن مناطق أخرى أكثر أمنا تنتمي إلى نفس الطائفة.
وتمخضت هذه الحالة عن تجمعات سكانية على أساس الطائفة فقد أصبح شائعا الآن في العراق إدراج المناطق وحتى المحافظات تحت تسمية مناطق أو محافظات شيعية أو سنية.
ووسط هذه الصراعات جرت انتخابات مجالس المحافظات الماضية نهاية العام 2005 والتي قاطعتها الغالبية العظمى من السنة العرب وهو ما أدى إلى تهميش وجودهم في مجالس المحافظات الحالية.
وانقسمت التحالفات التي شاركت سواء في الانتخابات المحلية الماضية أو في الانتخابات البرلمانية التي جرت في قوائم مغلقة إلى قائمة شيعية اشتركت فيها كل الأحزاب والتيارات الشيعية وأخرى سنية ضمت الأحزاب والتيارات السنية.
ولم يكتب لهذه التحالفات العمر الطويل حيث ما لبثت أن تفككت بعد قليل من تشكيلها بسبب الخلافات السياسية فيما بينها حيث انشق التيار الصدري الذي يتزعمه مقتدى الصدر وحزب الفضيلة عن التحالف الشيعي الذي مثلته قائمة الائتلاف العراقي الموحد كما انشق مجلس الحوار الوطني وكتلة مستقلون من جبهة التوافق التي تمثل التحالف السني.
اشترك بالنشرة الإخبارية لأريبيان بزنس بالنقر هنا
