عند نهاية طريق سريع في المغرب وقبل الحدود مع الجزائر مباشرة تسود أجواء أشبه بنهاية العالم مؤكدة رسالة تحملها كتيبات السفر ويرددها مسؤولون حكوميون.. الحدود البرية مع الجزائر مغلقة.
تخلو مقاهي فسيحة على جوانب الطريق من الرواد بينما كانت تضج من قبل بالمسافرين. وحيث ينتهي الطريق نبتت الأعشاب من خلال شقوق عريضة. والصوت الوحيد المسموع هو لرياح تعصف بالأشجار ورفرفة علم المغرب ووقع أقدام اثنين من حرس الحدود عند خروجهما من مكتبهما.
تبدو على وجهيهما نظرة تنم عن شيء من الدهشة ويقول أحدهما وهو ينظر إلى ما وراء مجموعة من مباني الجمارك المهجورة “نعم الجزائريون في مكان هناك.
“ولكننا لا نتكلم معهم أبدا ونادرا ما نراهم.”
وتوجد حواجز أصابها الصدأ وسلاسل شائكة لتحذير المسافرين من أن المغامرة بالتقدم تنطوي على مخاطرة بأرواحهم. ولكن لدى السير في أي من الممرات المطروقة عبر الحدود الجبلية ترى صورة مختلفة تماماً. لا توجد أسوار أو أضواء كاشفة أو جوازات سفر. الطريق مفتوح أمام سيل لا يتوقف من السيارات والعربات التي يجرها حمير تعبر خلسة مناطق مشاع وهي محملة ببضائع مهربة. ويدفع المهربون لحرس الحدود ليغضوا الطرف عن تهريب الوقود والمواد الغذائية والأجهزة المنزلية والبسط والمعدات والأقراص المدمجة بين البلدين في انتصار لضروريات الحياة اليومية على السياسة.
أبطال هذا السيناريو هم سيارات رينو وبيجو قديمة بلا لوحات أو تأمين أو أضواء أو شهادات ضريبية تعبر المنطقة الحدودية ليلا وقد امتلأت حقائبها ومقاعدها الخلفية بالوقود الجزائري. وحين تقرر شرطة الحدود ضبط المهربين يهرب أصحاب السيارات تاركين سيارتهم.
وينتهي المطاف بمعظم الوقود المهرب في بني درار وهي بلدة صغيرة قرب مدينة وجدة الحدودية المغربية تحقق نمواً سريعاً من أرباح البضائع المهربة حتى أن سكانها يطلقون عليها اسم “بني دولار”.
المكاسب الاقتصادية جلية فسعر 30 لتراً من وقود الديزل الجزائري يبلغ 140 درهما مغربيا (18.29 دولار) مقارنة مع 240 درهما لنظيره المغربي. وهكذا تخلو محطات البنزين
القانونية من الزبائن بينما تملأ رائحة وقود الديزل الهواء في بني درار. وعلى الطريق إلى البلدة يقف شبان وهم يشيرون بأصابع الإبهام إلى الأرض وهي إشارة يفهمها سائقو السيارات المارة وتعني وجود وقود جزائري للبيع.
حين تقف السيارة يهرع بائع تجاه الأشجار ويأتي بعبوة بلاستيكية تحتوى على 30 لترا من البنزين من حفرة في الأرض تخفيها أوراق الأشجار والأغصان. ويقول بائع طلب عدم نشر اسمه “أكسب 60 درهماً يومياً أطعم بها أسرتي .. 60 درهما هي أكثر مما اجمعه من الجلوس في المنزل أو البحث عن فرصة عمل لا تأتي.”
ويجد القنب المزروع في جبال الريف في المغرب طريقه إلى الجزائر. ومن الاتجاه المعاكس تأتي أقراص مخدرات مصنعة (امفيتامين) تعرف باسم (قرقوبي) وتتردد روايات محلية عن دهشة خبازين مغاربة لدى عثورهم من أن لآخر على الأقراص في أجولة الطحين.
وذكرت غرفة التجارة في وجدة أن البضائع المهربة حققت دخلا ستة مليارات درهم في عام 2004 ولكنها حذرت من المخاطر لأن أسلوب نقل المواد الغذائية غير صحي غالباً وثمة تجارة خطيرة في أدوية مقلدة رخيصة وعقاقير محظورة.
وقال إدريس الحوات رئيس غرفة التجارة في وجدة:”البضائع المهربة تساعد المواطنين في حياتهم ولكن هناك مخاطر”.
وكلما وجد فرق في السعر على جانبي الحدود وجد المهربون سوقاً. وفي أكتوبر/تشرين الأول أوردت صحيفة الشروق الجزائرية أن أكثر من 30 ألف دجاجة تهرب يوميا من المغرب في شاحنات مليئة بالأقفاص. وتنتج المناطق الشرقية الخصبة في المغرب فواكه وخضروات أرخص وأجود مما هو متاح في الجزائر. كما أن صادرات الجزائر من النفط والغاز تسمح لها بتقديم دعم أكثر سخاء للسلع الضرورية مثل الطحين والسكر والسميد. وقال جلول عراج النشط المغربي المدافع عن حقوق الإنسان “يستفيد المغرب لأنه غير مضطر لإنفاق مبالغ كبيرة على الدعم لسكان المنطقة المحيطة بوجدة.. ينوب عنا الجزائريون في ذلك.”
وعادت الابتسامة لوجوه أصحاب الفنادق الذين عانوا كثيراً حين أغلقت الحدود مع توافد المواطنين على أسواق وجدة الأرخص. وقال صاحب فندق بوجدة طلب عدم نشر اسمه “أغلقت عدة فنادق على مر الأعوام ولكننا استطعنا البقاء ونتوسع مرة أخرى.” وتابع وهو يمسك بعلبة تمر “خذ واحدة. إنها مهربة من الجزائر ..نوع ممتاز.”
وأغلقت الجزائر الحدود المشتركة قبل 13 عاماً بعدما اتهم المغرب قوات الأمن الجزائرية بالتورط في حادث إطلاق رصاص في فندق بمراكش وفرضت قيوداً على منح تأشيرات الدخول. وأدت مؤشرات في الآونة الأخيرة على تنامي نشاط المتشددين عبر المغرب العربي إلى تركيز الاهتمام على التراخي الأمني على الحدود. وفي 22 نوفمبر تشرين الثاني نشرت صحيفة الخبر الجزائرية نبأ القبض على 15 تخصصوا في تهريب المتفجرات عبر الحدود.
ولا يعرف المسافرون أنهم دخلوا بلدا آخر سوى من خلال نقاط مراقبة عسكرية متفرقة وفي بعض الأماكن من خلال خط أبيض رسمه الجزائريون.
ويقول مهاجرون من إفريقيا جنوب الصحراء موجودون في المغرب في مسعى للوصول إلى أوروبا أن الشرطة تلقي بهم في منطقة مشاع في ظلمة الليل. ويتبادل حرس الحدود المغاربة والجزائريون دفع المهاجرين ذهابا وإيابا قبل أن يجدوا طريقهم إلى مخيمات مؤقتة.
ويتعرض المغرب والجزائر لضغوط من الاتحاد الأوروبي لفتح الحدود لتنشيط الاقتصاد وتوفير وظائف يحتاج لها البلدان بإلحاح ولكن لا يبدو ذلك محتملا في ظل العداء المستمر بسبب الخلاف حول الصحراء الغربية.
ويتعين على الراغبين في زيارة ذويهم عبر الحدود أن يدفعوا للمهربين لنقلهم خلسة برا أو القيام برحلة برية شاقة إلى الدار البيضاء ثم السفر جوا إلى وهران على بعد 150 كيلومترا من الحدود. ومعظم الأسر في وجدة لها أقارب عبر الحدود ويقول عراج أن للرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة شقيقة تعيش في وجدة.
وقال الحوات “القرار السياسي بإبقاء الحدود مغلقة عقاب للمواطنين الجزائريين والمغاربة على حد سواء.”
